2:30Am
لا أحد يشبه أمي
طيبة 1986
كن طيبًا، لا تؤذي أحد، ساعد غيرك، قل حاضر ونعم واسمع كلام الكبار.
هكذا أخبرتني أمي في السابعة من عمري.
متحرش صغير 1992
جلستُ وحدي ألعب مع أصدقائي كرة القدم، فهم أعطوني دور الجمهور، الحقيقة أني كنت دائمًا الجمهور، لأنهم يرفضون أن أخذ دور آخر كمهاجم، أو مدافع، أو حتى أصد الض*بات. مللت المشاهدة، فحولت نظري للمارة، لفت نظري امرأة تمشي مسرعة، كأنها على وشك الجري، فتتبعتُ سيرها لعلي أرى سبب تعجلها، أوقعت شيء من حقيبتها، لكنها لم تلاحظه، التفتُ حولي لعل أحد رأى ما أوقعته فينبهها لكن لم أجد، أسرعتُ أجلب ما وقع منها، وجريتُ وراءها ألاحقها، لكنها لم تتوقف، بدى كأنها لم تسمعني، حتى صرتُ قريبًا منها، حاولتُ لفت انتباهها بوخزة خفيفة في كتفها. ولا أعلم ما حدث بعد ذلك، سوى صوت الصراخ، وكلمة التحرش التي لم أفهم معناها وقتها، فالصفعات التي تلقيتها حينها أنستني التفاصيل.
المرأة العجوز 1999
جلستُ على المقهى الشعبي… البعيد عن بيتنا، أراقب القرص برتقالي اللون يغرب، أخبرتني أمي أن أفضل أوقاتنا تكون وقت غروب الشمس، حيث تهدأ النفس وتطيب ويعتدل الجو، نكون بين الليل والنهار، التعب والراحة، الحزن والفرح، لهذا جلستُ أشاهده بعدما تشاجرت مع أصدقائي؛ لأنهم نسوا إخباري بموعد الرحلة وتركوني وحدي، وكعادتي مللتُ سريعًا، ولم أدر ما المميز بمشاهدة الغروب! أخرجتُ سيجارة كنت أخبئها من أمي بجيب بنطالي ورحتُ أدخنها وأزفر دخانها ببرود، أضع قدمًا على أخرى بتعجرف محاولًا تقليد أصدقائي، وأخذت أتابع المشهد الروتيني لسير المارة في الشارع، لم يلفت نظري شيء جديد، حتى أبصرتُ امرأة مسنة تشبه أمي كثيرًا، تحمل عدة أكياس بيدها، تبدو غير قادرة على حملها وحدها، تساءلت أليس لديها أولاد! وقع منها أحد الأكياس، لكني لم أتحرك من مكاني، لستُ غ*ي لأفعلها مرة أخرى، لكن المسنة انتبهت لما وقع منها، ونظرت إلي وابتسمت ابتسامة طيبة، فوجدت نفسي أبادلها الابتسامة، وسمعتُ همستها وهي تسألني مساعدتها في حمل الأكياس لبيتها، فوافقت، حملتها عنها، حتى وصلنا لبيتها، هممت بوضع الحقائب والمغادرة، لكنها طلبت مني الانتظار حتى تفتح الباب، وأضعها بالداخل، ففعلت وما إن دلفت منزلها حتى أوصدت الأبواب، وخلعت عباءتها، ونظرت لي نظرة ارتجف لها قلبي، وعلمت أنها لا تشبه أمي أبدا، خفت مما تفعل، اقتربت مني وقالت بهمس بدا لي مخيف هذه المرة: باين عليك غلبان! اسمك يا شاطر؟
ازدردت ريقي وقلت متأتأ: اسمي..اسمي… أيمن… استأذنك… سأذهب. …
ضحكت ضحكة قصيرة لكنها كافية لأفهم ما تنتويه، فنظرت حولي لعلي أجد منفذ أهرب منه، بينما أراقبها تخرج شيئا ما من حقيبتها.
وقبل أن تخرجه، قفزت من النافذة دون تفكير بأنِّي في الطابق الثاني وقد يحدث لي **ر في الساق والذراع!
زوجتي ولكن 2009
زوجتي جميلة تقول لي أني "ابن أمي" لأني طلبتُ منها أن تحايلها وتتجاوز عنها ما تقوله أو تفعله، فهي امرأة مسنة، ويجب عليها أن تراضيها.
جميلة تخنقني بكثرة طلباتها ومشترياتها، قائلة: أن هذا واجبي وعلي أن أدفع!.
أتشاجر معها كثيرا، ولكني أغض الطرف عنها أكثر الأوقات لأجل أطفالنا، أخبرها ألا يعلو صوتها لأن هذا يؤثر بنفسية الأولاد، فيعلو صوتها أكثر! هل تظن أنه لا يملك أحد كحنجرتها الخشنة؟
أحيانا أود ض*بها لكن أمي علمتني أن الرجل لا يرفع يده على امرأة، وأن الضعيف فقط هو من يعلو صوته وقت الشجار.
لكني ضعفتُ يومًا وعلا صوتي بسبب استفزاز جميلة وحِنقها الدائم وحديثها اللاذع المنقص لرجولتي، فصفعتني! ف**رتُ عنقها، انقطعت أنفاسها وتوقف صراخها أخيرا! ..
ظننتُ أني سأسجن، لكن أمي استدعت لي محام كبير، أكد أني مجنون! ولهذا أنا هنا.
أمي 2015
علمتُ أن أمي ماتت، كانت تأتي لزيارتي يوميا، لكني لم أكن أتحدث معها، لا أعرف ماذا أقول لها، كنا نتبادل النظرات، هي الكثير من الحسرة والتساؤل فيمَ أخطأت بتربيتي؟ وأنا أسألها لمَ ربتني بهذا الشكل؟ ولمَ لم تخبرني أن لا أحد يشبهها!
لكنها ماتت! ولم أجد لدي دمع لأبكيها، أو كلمات أرثيها بها.
لهذا كتبتُ هذا الخطاب لك؛ لإلحاحك لمعرفة كيف انتهى بي الحال لمشفاكم، فهل وجدت إجابتك؟ أعلمت السبب؟ لأني لم أعلم!