٤ ٤ ٢٠١٩ | الأربعـاء .
في تمام الرابعة و النصف ..
على شاطئ الإسكندرية ، كانت تمشي على غير هُدى حيث تسوقها قدماها ، غير مُدركة لـ شيءٍ سوى ذكريات عفى عليها الزمن لكنّ عقلها لازال يتذكرها كما لو كانت بالأمس ..
غرست " حـيـاة " قدميها في الرمال الصفراء التي تغطي شاطئ العجمي ، خلعت حذاءها و تركت قدميها حُرة ، صحيح أن الطقس حينها لم يكن يسمح بهذا ، لكن الفضل كله يعود له ، هو من علمها هذا الجنون و رحل ! ، رحل دون وداع أو أي شيء ، رحل دون اهتمام ، هكذا فقط ، رحل !
كانت ملابسها تتطاير من حولها ، تشعر بروحها تُزهر من جديد عند الشمس و البحر ، في مشهد رائع ، ليس غروباً و لا شروقاً إنما هو وسط بينهما يجعل السماء كـ الجمر المُشتعل مع لون ماء البحر الأزرق الصافي .
تركت لروحها العنان و رمت حذاءها و فتحت ذراعيها و ابتسمت ..
رن هاتفها ليقطع خلوتها لتخرجه من حقيبتها الصغيرة و ترى اسم المُتصل " أميرتي .. "
_ " السلام عليكم .. "
" إنتِ فين يا حـيـاة ؟ "
" ع شط العجمي يا ميرا ، بحاول أشم هوا نضيف ، بحاول أرتاح ، و أطمن .. !"
" طيب يا حبيبي ، خليكِ عندك و أنا هآجي لك نتمشى شوية ، سلام ."
تركت حـيـاة المنصورة منذ أسبوع ، لم تشعر بالرغبة في البقاء في تلك البلدة فترة أطول ، فتراتها العصيبة كلها كانت بها ، كل شيءٍ هناك يُذكرها به ، هو في كل مكان و ليس موجوداً في آن !
شردت في ذكرياتها به و نسيت نفسها تماماً .
| منذ عشر سنوات ..|
_ " ده إيه يا إسلام ؟ "
قالتها حياة بنظرة مُتسائلة ، ليردف إسلام و هو يضحك :
" دي تميمة الحظ بتاعي ، ماما كانت عاطيهالي عشان ربنا يحميني ، بتقرأ لي عليها قُرءان و بتعتقد إنها بترد الحسد .. "
" أيوه بس ده حرام ! "
أردفت بعيون غاضبة و نبرة حادّة ، ليستأنف هو كلامه :
" أنا مش بعطيها لك عشان تحميكِ ، دي حاجة أنا كنت لابسها دايماً و ريحتي فيها ، كأني موجود معاكِ بيها يا حياتي .."
ليبتسم ، و تبتسم هي الأخرى ، و تقتنع ، حقاً هي تُحبه ، شابٌ مثله ، بوسامته و روحه ، عقله المتفتح و قلبه التي تسكن هي بها ، بالتأكيد ستحبه ..
أخرج من چيبه خاتماً يشبه الدبلة ، ليضعه في إصبعها البنصر الأيمن ، لتشهق هي و تقول بصدمة :
" إيه يا أسلم ده ؟ ، هنا خاتم خطوبتي ، ميصحش كده بقا ! "
نظر لها بغيظ ليقول بضيق :
" لا هو إنتِ مفكرة إن هيخطبك غيري يا عنيااا ؟! ، جرا ايه يا حياة ، ما تفوقي لروحك كده ! "
تسعد هي بإشعال غيرته عليها و دون أن تنبس بحرف وضعت يديها الإثنتين في چيبيها و دخلت حصتها ..
| عودة للحاضر ..|
" يا حـيـاااااة ، إنتِ يا بنتي ! "
هزتها أميرة بـ لُطف ، لتعود حـيـاة من ذكرياتها و تنظر لها و تبتسم بـ حُزن ..
" أميرة السيد .. طبيبة أسنان ، أصغر من حياة بـ عدة سنوات ، و لكنها مُقربة إلى قلبها جداً ، هي ليست من بلدة حـيـاة ، حقيقةً أميرة تعيش في كفر الشيخ ، و كانت معرفتهما عن طريق الإنترنت لتمتد صداقتهما لسنوات ، و كلما ضاقت الأرض ذرعاً بـ حـيـاة كانت تأتي لـ أميرتها .. "
" معاكِ يا ميرا ، معاكِ .. "
قالتها و تن*دت ، تنهيدة تعتمل عما في ص*رها من هموم تجيش به ..
" و الله ما معايا ، عقلك عند إسلام يا حـيـاة و روحك و قلبك عنده .. "
أردفت أميرة بـ سُخرية لاذعة ، سُخرية تعلم أثرها على قلب حياة المُ**ور ..
" كنت بفتكر لما لبسني الخاتم بتاعه ، و التميمة بتاعته ، أنا لحد دلوقتي مش قلعتهم يا أميرة ، طول الـ ١٠ سنين دول مقلعتهمش ، و هو هان عليه بعدها بـ سنتين يمحيني من حياته و من قلبه .. و قدر يستغنى عني و أنا لحد دلوقتي ، مش قادرة أعيش ، مش عارفة أنسى ، مش عارفة مفتكروش ، مش عارفة أعيش زي الناس ، مش عارفة أضحك مش عارفة ، مش عارفة .. "
و أجهشت في بُكاءٍ مرير تمنت أميرة وقتها لو لم تفتح هذا الموضوع أبداً ، ربتت عليها بـ حب و لم تتكلم حتى هدأت ..
" أنا لسه عندي أمل إنه منسكيش و إنه كل ده كان غصب عنه ، من كلامك عنه هو لسه بيحبك ، مش بيحبك بس ده بيعشقك يا حـيـاة .. إنتِ كنتِ حياته و هو مقدرش يعيش من غيرك أكيد ! "
نزلت دمعة ساخنة على خدها لتتكلم بـ حُرقة :
" بس هو عاش و اتجوز و خلّف ، أنا اللي مولدة مراته و شايلة بنته ع إيدي مخرجاهاله ، و مش قادرة أنسى نظرته لـ بنته ، كأنه محبنيش يوم ، كان بيبص لها بـ عشق و كأن قصة حُبه هو و والدتها كانت ملحمية ، والدتها اللي كانوا دايماً يقولوا لي هتآخده منك ، هي بتحبه و هي كده كده بنت خالته و أنا مصدقتش ، كدبتهم كلهم و صدقته ، و طلعوا كلهم صح و هو الغلط .. "
كانت شاردة ، تتكلم و كأن ما تحكيه يحدث أمامها بالفعل ، ما كانت غيرها لتتحمل ما حدث ، لكنها تحملت و لازالت إلى الآن تتحمل ، ثمن خطإه .. !
استطردت بـ مرارة :
" هه ، عارفة النهارده إيه ! ، أول يوم حبيته فيه و أول يوم ، لبسني في دبلته دي ، النهارده من ١٠ سنين كان أحلى يوم في حياتي ، و من ٨ سنين بالظبط بقى يوم مماتي .. إسلام يومها موتني بالحياة و سابني ، كما لو كنت كلبة .. و راح هو عاش حياته ! "
____
| في مستشفى المنصورة .. |
_ " دكتور حـيـاة مش هتيجي يا دوك ؟ "
نظر له مُـحمـد باشمئزاز ، و استغفر بصوت منخفض ثم أجابه بق*ف :
" و إنت بتسأل ع دكتور حياة ليه ؟ "
" مفيش يعني بطمن عليها مش أكتر .."
" إيه بينكوا يخليك تطمن عليها يا د.زياد ؟"
نظر له زياد بضيق ، ثم عدل من سترته البيضاء و قال بنزق :
" مفيش يا دوك ، مش عايز ، أنا ماشي ."
" طب استنى بس ، اشرب شاي حتى ! ، كاتك البلا في شكلك ، دوك سئيل بشكل .. !"
قالها مُـحمـد بضيق ثم رفع هاتفه ليحادث خطيبته ..
_ " إيه يا لول .. وحشتيني ! "
_ " اتلم يا محمد بدل ما أقفل السكة في وشك !"
" يا ستار عليكِ ، هلاقيها منك و لا من زياد الزفت ده ! "
" عمل لك إيه زياد تاني ، لسه بيسأل ع حياة برضو !؟"
ارتشف محمد بعضاً من الشاي ثم قال :
" آه بيتراخم و مُصر يشوفها و يتكلم معاها و إنتِ عارفة صاحبتك فيها اللي مكفيها .."
تن*دت آلاء بـ حُزن ثم قالت :
" أهيه راحت إسكندرية تفك عن نفسها شوية .."
بدأ محمد يسعل بـ شدة ، ثم قال بصوت خائف :
" فين في إسكندرية يا آلاء ؟"
" في العجمي ، مالك اتخضيت كده ليه ؟ "
قال بصوت مصدوم :
" يا نهار أ**د ! ، العجمي ! ، إسلام في العجمي يا آلاء ، إسلام في إسكندرية بيخلص شُغل و لو هي شافته ، مش عارف ردة فعلها هتبقى عاملة إزاي ، و لا هو ! "
شهقت آلاء بصدمة و لم تتكلم !
____
كان يسير بسيارته ، حتى وصل لمتجر الزهور الذي يبتاع منه دوماً ، أحضر باقة الزهور المُعتادة لديه ، و ذهب بها إلى منزلها الجديد منذ ٥ سنوات .. " المقابر ! "
وضع الباقة على قبرها بجانب الكثير و الكثير من باقات الزهور المُتعددة ..
كان معتاداً في بداية كل شهر و في نفس التاريخ ، على أن يحضر باقة ورد جديدة و منوعة على ألا تخلو من وردتها المُفضلة " زهرة التوليب .." ، اسمها ورد و هي تحب الورد ..
جلس على الأرض واضعاً قدميه فوق بعضها (مستربع) ، و ضحك ثم بدأ يتحدث لها كما يفعل من خمس سنوات ..
_ " أولاً وحشتيني + مكنتش فاضي بس سيبت شغلي و جيت لك ، مقدرش أعدي اليوم من غير ما آجي لك ، آه أنا عندك كل يوم ، بس بتوحشيني برضو ، ورد .. أنا تعبان بعدك أوي يا ورد .. أبويا مُصر يجوزني واحدة لا شُفتها ولا عرفتها ، مش عارف أتصرف ، مش عارف أحب عليكِ ، مش عارف أشوف غيرك ، جايز بشرب لما بشتاق لك كتير ، و جايز بسهر كتير ، بس ده عشان بتوحشيني و لازم أنسى و مش عارف أنسى ، عارف إني بقيت وحش ، عشان من غيرك ، أنا كنت عايش بيكِ يا ورد ، كنتِ عاملة زي الورد اللي بينور دُنيتي ، حُضنك كان ملجأي ، يا ورد إحنا كان باقي لنا الفرح يا ورد ، إنتِ مشيتي ليلة الفرح ، سيبتيني لوحدي الدنيا تلطش فيا من غيرك ، أنا مش عارف أقعد بعدك ، ارجعي لي يا ورد بالله عليكِ ، وحشتيني أووووووي و الله ، وحشتيني ! "
و بكى ، سقطت دموعه و ضعف و بكى ، اشتياقه لها ، ضغوط والديه عليه ، افتراقه عنها ، كل هذا يجبره على البكاء ، لا يبكي كما يبكي هنا ، كلما جاءها لابد له أن يبكي على يديها ، بين أحضانها ، يستحضرها و يحادثها كما لو كانت أمامه .
رنّ هاتفه برنة صديقه المقرب المُميزة ، فـ استله من چيبه و رد بعد أن جفف دمعه ..
_أيوه يا إسلام ، لاء أنا في القاهرة ، يوووه ، مش جاي ، مش هسيب ورد يا إسلام مقدرش ، اقفل ماشي ،خلاص اقفل بقا ! "
وضع هاتفه في چيبه ثم نهض و هو يقول بـ أسف :
" هسيبك النهارده ، بس هآجي لك تاني يا وردي .. سلام يا حبيبتي ."
و صعد سيارته ، و انطلق بها ذاهباً إلى الإسكندرية ، لتكون تلك المرة ، سبباً في تغيير مسار حياته نهائياً .
____
هولاا ..?❤
أول فصل ، مش عارفة ماله كئيب كده بس اصبروا بقى ، الصبر حلو ..???
يالا كومنتاتكوا الحلوة عشان أنا تعبت ..??
رأيكم !؟
سلاام .. كرملاتي ..♥