- باقي الفصل الرابع -
"ما هو مبقاش يصح رجوعك كل يوم والتاني وش الصبح، بلبسك القصير والمحزق والملزق، أنتي فاكرة إنك عايشة في الدنيا لواحدك ولا إيه؟ مالكيش بيت؟ مفيش حواليكي ناس هتتكلم؟" صاحت بها والدتها لتنظر لها لميس بإنزعاج
"وهو كان فين البيت ده من اكتر من عشرين سنة؟ وكانت فين الناس وأنتي رامياني في المستشفى وخايفة لا مديرتك تسمعني بعيط؟ تولع الناس وبالنسبة بقى للبيت فهو مش هاينفعني في حاجة، كل يوم والتاني نفس الخناق لما طهقتيني في عيشتي، حرام عليكي بقى!" صرخت بها ابنتها لتنتعش الذكريات المريرة بعقلها مجدداً ونظرت لها بحزن
"يا لميس يا حبيبتي انتي يادوب بتنامي ومن صباحيتها لمساها انتي برا البيت، شغلك ربنا يباركلك فيه بس متخليهوش يجي على حياتك، انتي كل يوم تنزلي الساعة تسعة وبتيجي وش الصبح، انتي صعبانة عليا يا حبيبتي، نفسي أشوفك عندك حياة ولو الشغل ده صعب سيبيه وشوفي غيره" حاولت أن تخبرها بحقيقة ثورتها عليها فهي بالنهاية مثلها كمثل أي أم تشعر بالخوف على ابنتها
"حياة! حياة إيه؟ شغلي ده اللي بيأكلني وبيلبسني وبيصرف على البيت ومركبني عربية، شغلي اللي شايفاه وحش اوي هو حلم بالنسبة لأي حد في سني، تقدري تقوليلي لو سيبته هنعمل إيه؟ بعد ما فضلت سنين اتمرمط لغاية ما وصلت في شركتي للي أنا فيه عايزاني اسيبه، يا ترى بقى ساعتها مدام هيام هتقدر تعيشنا وتصرف علينا بالمرتب اللي بترميهولك المستشفى؟ ولا هتاخدي نبطشيات زيادة ميكملوش آلف جنيه على بعض؟!" أخبرتها في تهكم
"يا بنتي والله لو بإيدي اعمل حاجة كنت عملتها" أخبرتها في آسى وقلة حيلة
"وأنا مبطلبش حاجة، ومش عايزة اتعبك زيادة، وقولتلك حتى لو عايزة تسيبي الشغل وتقعدي في البيت أنا هاتكفل بمصاريفه"
"يا بنتي انتي ليه مش عايزة تفهميني، أنا مبقولكيش أصرفي عليا ولا على البيت ولا حتى سيبي شغلك خالص، أنا بس نفسي أفرح بيكي، نفسي أشوفلك حتة عيل قبل ما أموت وافرح بيه، زيي زي أي أم نفسها تشوف بنتها عروسة وتفرح بعدلها، شوفي سنك بقى كام دلوقتي وكل اللي قدك معاهم عيالهم ماشين جانبهم"
"لا والله، ومفكرتيش بقى في العريس بالمرة؟" سألتها متهكمة "ولا يا ترى هتروحي تجبيلي واحد شوفتي صورته عند الخاطبة اللي بتشتغل معاكي عشان أصرف عليه هو وأهله!!" ابتسمت بإستهزاء "ماما بصي متكلمنيش في الموضوع ده تاني ومتجيبيش سيرته علشان بجد المرة الجاية هامشي من البيت وساعتها تبقي ارتاحتي من وجع الدماغ اللي بعملهولك!" احتدت نبرتها بشدة
"ليه يا بنتي بتقولي كده! ده يعني جزاتي علشان عايزة أفرح بيكي"
"لا، جزاتك إنك مفكرتيش صح، جزاتك إنك روحتي اتجوزتي واحد وخلفتيني منه ورماكي بعدها وراح اتجوز واحدة معاها فلوس والتاني رمالك ورقة عرفي ومعرفتيش هو فين لغاية دلوقتي! حلو الجواز مش كده؟!" رمقتها بلوم وتهكم امتزجا على وجهها الغاضب ثم تركتها لتشعر هيام للمرة المليون أنها أخطأت بكل شيء تجاه ابنتها وتجاه نفسها!
⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢
"آه" أطلق آنة وهو يدلك عنقه وبالكاد أستطاع الرؤية أمامه فترك ذلك التصميم الذي يعمل عليه منذ أسبوع ونهض متناولاً هاتفه ثم تفقد الوقت به ليجد الساعة قاربت على السابعة صباحاً ليتن*د في إرهاق، هو لم ينم منذ يومان وأمامه اليوم العديد من الأشياء عليه فعلها!
توجه لمطبخه ليصنع بعض القهوة التي يتمنى أنها ستساعده، نظر لتلك العُلبة التي تحتوي مسحوق القهوة وهو يقرأ عليها تحذيراً أنها تسبب الأرق ليبتسم ابتسامة جانبية مُتهكمة، هو حتى لا يثق بحبات البن المطحونة!
وضع القهوة بماكينة تحضيرها وانتظر حتى تنضج بينما ذهب نحو المبرد ليخرج احدى مشروبات الطاقة ويتناوله، رغبته في النوم شديدة للغاية وليس أمامه حلاً آخر سوى ما يفعله، فهو لديه الكثير حتى ينتهي منه ولا عزاء لجهازه العصبي الذي إذا استمر على هذا المنوال سيتدمر لا محالة!
تفقد جدول مواعيده للغد وها هو قد وقعت عيناه للتو على أكثر ما كان يحاول تجنبه منذ مغادرتها إياه ولكنه أستسلم في النهاية بالتفكير بالأمر مرة أخرى!
لقد تأكد أنه هو ووليد ليس لهما علاقة بموت زوجها، إذن ما الذي تريده تلك المرأة ذات الحدقتان اللاتي لا يعلم ما لونهما حقاً؟ لماذا كذبت عليه بأنها قد سرقت ساعته؟ هل هذا يعني أن هناك أمراً ما تود التعرف عليه من خلاله أو تريد إستغلاله بأي طريقة من الطرق لذا أخبرته أنها قامت بسرقة ساعته دون أن تُدافع عن نفسها؟ لولا أنه من وضع الساعة بحقيبة يدها دون أن تلاحظ لكان صدق أنها قد سرقت الساعة عن قصد!
وكيف لها أن تفعل ما فعلته به؟ أين لها بتلك القوة الجسدية؟، بالرغم أن قوامها نحيل لتستطيع التغلب عليه هكذا بمنتهى السهولة، لوهلة ابتسم متهكما لو أن تلك المرأة معه يوماً ما ستتحول الليلة لحلبة من المصارعة العنيفة!
إذن، هناك شيئاً وراءها، لا يستطيع تقبل أن هناك إمرأة على وجه الأرض كل ما تريده هو مشروع خيري من أجل زوجها السابق، ربما تبدو تلك المرأة غريبة للغاية عليه، ولم يتعامل مع مثلها من قبل ولكن هناك نوعاً من الحماس يتملكه كلما طرأ نوعاً جديداً من النساء على حياته، البعض منهن يتخيلن أنفسهن على نفس مقدار ذكاءه، البعض منهن يريدن قضاء الوقت معه، بعضهن تود علاقة جنسية جامحة، وأخريات يتصورن أن شهاب الدمنهوري قد يُصبح زوجاً لهن، هناك غادة، وزينة، وغيرهن، لكن تلك المرأة من نوعاً آخر لم يتعرف عليه بعد، ولكن قد راقه الأمر وسيرى ما نوعها هي الأخرى!
ملامحها التي تختلف، المرأة بمكتبه، غير المرأة التي جلست لتتناول الطعام، وبالطبع هي ليست تلك المرأة التي تقص قصة لفتاة صغيرة بطلها هو نفسه، هي المرأة التي تعلم أنه يوقع بالنساء ويكرههن، تعرف عنه شيئاً أو آخر، حسناً ليرى ما الذي تعرفه، تلك المرأة التي غادرته بمنتهى الثقة وملامح الإنتصار سترى رجل لم تتعرف عليه بعد، ليرى هو إلي أين ستصل تلك الحركات الدفاعية عندما يتحول هو الآخر من شخص رسمي عملي إلي رجل لم تره أمس بتاتاً، كما تحولت هي من ساذجة إلي غ*ية بإعتقادها أنها تعاملت معه بذكاء.. لقد راقته تلك اللعبة السخيفة ولن يترك هذه المرأة حتى يتحول مصيرها إلي نفس مصير تلك النساء اللاتي سبقنها!
لا تكترث بما يملكه من أموال، أذعنت بالسرقة، تتظاهر بذلك المشروع الخيري الذي يتأكد أنه مجرد سراب وكل ما تريده هو أمر آخر تماماً ولكنها لا تعلم أن شهاب الدمنهوري لا يكون خاسراً أبداً، شهاب دائماً ينتهي بم**ب من كل شيء، أتنتقم لزوجها؟ هل احدى صديقاتها ضحية من ضحاياه؟ أهناك سبباً وراء محاولاتها ومثابرتها بأن تلتقيه سوى فكرة ذلك المشروع؟ سيعرف كل شيء في غضون سويعات.. لم يتبقى الكثير على كل حال!
ارتشف من قهوته التي حملها بيده وهو يتوجه حيث غرفة الملابس الخاصة به ليقوم بإختيار ما سيرتديه اليوم عند مقابلتها وبعدها توجه ليستحم، فكر قليلاً بملامح تهكمية **ت وجهه، أيقولون أن الإنطباعات الأولى تدوم؟ حسناً.. سيعمل اليوم على ترك إنطباعاً فريداً من نوعه لأن كل ما حدث أمس بينهما سيمحيه من ذاكرة كلاً منهما للأبد!
⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢
"إيه ده إياد، جاي بدري أوي يا حبيبي" حدثته هديل بهدوء وملامح بدا عليها الأرق والإرهاق
"صباح الخير يا ماما"
"صباح الخير يا حبيبي، عامل إيه؟"
"تمام" تن*د إياد وهو ينظر لوالدته هديل ليتفقدها في حُزن "مش ناوية تسيبي المستشفى بقى وترجعي البيت؟"
"وأسيب أختك كده، مش هاقدر" حدثته بآسى ليزفر هو في ضيق على حالتها
"يا ماما بس أنتي مش بترتاحي وبتنامي على الكنبة طول الليل و"
"متقلقش عليا، أنا كويسة والله، امبارح بس مجاليش نوم" قاطعته بإبتسامة ثم نهضت وتوجهت نحوه لتُمسك بذراعه "ما تيجي كده تعزمني على كوباية نسكافيه حلوة واحكيلي أنت وأسما عاملين إيه؟"
"تمام يا ماما، الحمد لله" أخبرها بينما دفعته هي ليتوجها نحو باب الغرفة التي تمكث بها أروى منذ شهور
"شاهي مدلعاك مش كده" ابتسمت في وهن وهي تحاول أن تمازحه ولكن ملامحها الحزينة التي حاولت أن تُخفيها كانت واضحة للغاية وقد أدرك إياد أن والدته منذ ذلك اليوم يبدو أنها قد تغيرت للأبد!
تشعر وكأن رأسها تتهشم، وما الذي سمعته ذلك، ما الذي يفعله إياد مع أسما؟ وما الذي تقصده والدتها هديل بذلك الحديث عن خالتها شاهندة؟ ومنذ متى وهديل لا تصرخ بإياد؟ لقد كانت تمازحه للتو!
فتحت عيناها لتشعر وكأنها لم ترى الضوء من قبل في حياتها ليزداد وجع رأسها أكثر وحاولت التركيز بصعوبة في محتويات الغرفة حولها لتدرك أخيراً أنها بالمشفى، منذ متى وهي بالمشفى؟ يوماً أم اثنان؟! ولماذا تشعر بالآلم الشديد في جسدها؟ ولماذا عقلها مشوش للغاية؟ ما الذي حدث منذ أمس؟
أين سليم؟ أحقاً ذهب لزينة ليخلصها من السجن بالنهاية؟ أشهاب هو من أحضرها إلي هنا بعد أن القاها بتلك الطريقة أمس؟ هذا الحقير لن تتركه دون أن تنتقم منه على كل ما فعله معها! هي تتذكر لقد سقطت من على ذلك الجسر! ولكن ما الذي حدث بعدها؟! أخذ الصداع يزداد برأسها إلي طريقة لا تستطيع تحملها لتجد الدموع تتساقط من عيناها وحاولت التحرك بسريرها لتجد هديل تدلف بنفس الوقت ولكن لم تنظر إليها فالآلم الذي تشعر به كان أكبر من كل ما يحدث حولها واستمعت لصوت هديل يصرخ بشيء ما وهناك شيئاً ربما ارتطم بالأرض ولكن كل ما تريده هو أن يتوقف ذلك الآلم بأي طريقة ممكنة!
⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢ ⬢
#يُتبع . . .