قناع الحب

1038 Words
الصفحة 2: قناع الحب وسقوط الضحية في السادسة عشرة من عمري، ذلك السن الغض الذي تتفتح فيه أحلام الفتيات كأزهار الربيع، لم أكن أملك دليلاً يرشدني في ممرات الحياة الوعرة، بل كنت أملك قطيعاً من الندبات وجوعاً عاطفياً ينهش أطراف روحي. في تلك المرحلة الحساسة، حيث تكون المشاعر جياشة والقلوب بريئة إلى حد السذاجة، ظهر هو فجأة في حياتي. لم يكن مجرد شاب عابر يلقي بتحية أو يبتسم ابتسامة عادية، بل كان بمثابة الإعصار العنيف الذي اقتلع كل ما تبقى في داخلي من طمأنينة، وهدم جدران الثقة المهتزة التي حاولت جدتي جاهدة أن تبنيها في قلبي لسنوات طويلة. في البداية، ولأنني لم أذق يوماً طعم الدفء الأسري المتكامل، ظننت بغباء طفولي أن الأقدار قد ابتسمت لي أخيراً بعد طول عبوس، وأن السماء قد استجابت لصلواتي الخفية وأرسلت لي هذا الشخص ليكون لي المنقذ والمأوى، والشخص الذي سيعوضني عن حنان الأب وعطف الأم اللذين حُرمت منهما وافتقدتهما طوال حياتي. ارتميت في تلك العلاقة بكل ما أوتيت من جوارح ونقاء، وكنت مستعدة على الدوام لفعل المستحيل وتحدي المستحيل لمجرد إرضائه، مدفوعة بيقين واهم بأنني وجدت أخيراً ملاذي الآمن الذي سيحميني من قسوة العالم. من أجل لقائه الغالي على قلبي آنذاك، كنت أتحايل يومياً بذكاء وتوتر على جدران بيتنا الصارمة والمنغلقة. كان الخروج من المنزل يشبه محاولة الهروب من سجن شديد الحراسة؛ فأعمامي كانوا يفرضون رقابة مشددة وصارمة على كل خطوة أخطوها، وكانت عائلتي لا تسمح لي بالحرية أو التحرر أبداً. ورغم ذلك، كنت أخاطر بمواجهة أعمامي وعواقب غضبهم الكارثية التي قد تدمر حياتي لو كُشف أمري. كنت أحارب عائلتي والتقاليد والمجتمع والعالم بأسره، فقط من أجل أن ألمح طيفه لدقائق معدودة، مضحية بسلامتي وأماني، وكنت في غمرة ذلك الخوف أخاف عليه هو أكثر من خوفي على نفسي، وأقلق باستماتة من أن يصيبه مكروه أو أذى بسببي أو بسبب عائلتي الصعبة. لقد كنت مستعدة للتضحية بسمعتي ودراستي واستقراري في سبيل أن يحصل هو على الراحة، متناسية تماماً أن العلاقات التي تبنى في الظلام والخفاء لا يمكن أن تثمر إلا شتاتاً وندماً حارقاً. لكنه، وبكل أسف ودناءة، لم يكن يرى في كل تلك التضحيات الجسيمة والدماء الحارة التي أحارب بها من أجله سوى فرصة ذهبية للاستغلال وصيداً سهلاً يقع بين يديه. كان يملك شخصية نرجسية حادة وبارعة في التلاعب النفسي وغسيل الأدمغة. بذكائه الخبيث، عرف نقاط ضعفي بدقة، واكتشف سرياً ذلك الجوع العاطفي العميق والحرمان من حنان الوالدين الذي ينهش روحي، فقرر بلا رحمة أن يملأ ذلك الفراغ بجرعات مسمومة من الابتزاز، والسيطرة، والتحكم المطلق. لم يمض وقت طويل على بداية هذا الوهم حتى بدأت الأقنعة المزيفة تتساقط قناعاً تلو الآخر، وبدأت أتحول تدريجياً، ودون أن أشعر، من حبيبة يراعي مشاعرها إلى ضحية مستغَلة ومستباحة بالكامل في يده. تحولت إلى طفلة مطيعة تنفذ الأوامر دون تفكير، مدفوعة برعب دائم من أن يهجرني ويتركني وحيدة في هذا العالم كما فعل والداي من قبل. بدأ استغلاله المادي يظهر بوضوح وبوقاحة تامة؛ فقد كان يتعمد التباكي والشكوى من ضيق الحال، ويطلب مني نقوداً وأموالاً مراراً وتكراراً وبصفة مستمرة. ورغم صغر سني وقلة حيلتي، ورغم أنني لم أكن أملك مصدراً للمال، كنت أتحايل على ظروفي الصعبة، وأقتطع من حيازة يومي وأتدبر الأمر بأي طريقة كانت لأعطيه ما يطلب، ظناً مني بنية صافية وسذاجة متناهية أن هذا العطاء المالي والتضحية هما جوهر الحب الصادق، وأن مساندته واجبة عليّ كشريكة لحياته المستقبلية. لقد عرف نقطة ضعفي الكبرى، وتأكد تماماً أنني أصبحت غارقة في حبه إلى درجة الهوس والعمى العاطفي، فصار يلهو بقلبي كالدمية. ولأن تفكيري كله أصبح متمحوراً حوله وحول كيفية نيل رضاه وتجنب زعله، بدأت أهمل نفسي إهمالاً شديداً؛ فصرت لا آكل جيداً، وانعزلت عن العالم، وفقدت شغفي بالحياة، ولم أعد مهتمة بمظهري ولا بصحتي، بل أصبح وجودي كله معلقاً بكلمة رضا تخرج من فمه أو رسالة يرسلها لي بعد طول انتظار وتمنّع. كانت الأموال التي أعطيها له بمثابة ثمن مزيف أدفعه لأشتري به لحظات عابرة من الاهتمام الكاذب. ولم يكتفِ هذا الوحش النرجسي باستغلالي مادياً وعاطفياً فحسب، بل بدأ يشن حرباً نفسية شعواء لتدمير كياني وكسر كبريائي وتقديري لذاتي. كان يتعمد بدم بارد وجفاء مستفز التقليل من شأني في كل مناسبة، ويخبرني صراحة وبدون أدنى مراعاة لمشاعري بأنني فتاة عادية ولست جميلة على الإطلاق، بينما كان يفيض هو وسامة وجاذبية ويستحق ما هو أفضل مني. كان يقارن نفسه بي دائماً ليثبت لي أنه يتفضل عليّ بقبوله البقاء معي. زرع هذه الفكرة الخبيثة والسامة في عقلي الصغير الغض حتى تشربتها تماماً وصدقتها بكل جوارحي، وصرت أنظر إلى وجهي في المرآة بكراهية وخجل، واعتقدت حقاً أنني قبيحة ولا أستحق أن يراعي أحد مشاعري. وانتهى بي الأمر بسبب هذه العقدة النفسية إلى وضع كمامة على وجهي بشكل دائم ومستمر حتى داخل البيت وخارجه، أخفي خلفها ملامحي هرباً من نظرات الناس، ولأنني استحييت من وجهي الذي أقنعني هو بأنني يجب أن أخجل منه وأواريه عن الأنظار. لقد سلبني هويتي، وجعلني أرى نفسي مسخاً لا يستحق الحياة إلا تحت ظله المظلم وسخريته الجارحة. في غمرة هذا الجحيم النفسي المستمر وهذا السقوط الحر في بئر الهوس به، كان الضحية الأكبر بعد روحي وجسدي هي دراستي وتعليمي. لقد كان همي الوحيد في تلك السنين، والهاجس الذي ينام ويستيقظ معي في كل ثانية، هو كيف أرضيه، وكيف أجعل مزاجه جيداً، وكيف أمنع غضبه وتجاهله القاتل لي. غبت تماماً عن دروسي، وفقدت تركيزي واهتمامي بالكتب والمستقبل التعليمي، وخسرت بسببه مساري الدراسي اللامع؛ فقد تحولت مقاعد الدراسة في نظري إلى مكان بارد لا معنى له إن لم يكن هو راضياً عني. لقد كان الوقت الذي ضاع في التفكير فيه وفي تلبية طلباته اللامتناهية هو الوقت الثمين الذي كان يجب أن أستغله في بناء نفسي، وتطوير ذاتي، والتركيز على مستقبلي الأكاديمي، لكنني بدلاً من ذلك كنت أهلك نفسي بيدي، وأحرق طاقاتي وشبابي في محراب وهمٍ كان هو المستفيد الوحيد منه، وكان يعجبه كثيراً ويرضي غروره المريض أن يراني ذابلة، ضائعة، ومستعدة لتقديم الغالي والنفيس لمجرد أن يبتسم في وجهي. لقد تحولت طموحاتي إلى رماد، وأصبحت أحلامي محصورة في نيل رضاه والدوران في فلك نرجسيته التي لا تشبع أبداً. لقد نجح في تحويلي من فتاة حنونة مليئة بالحياة إلى مجرد ظل باهت، كائن يتحرك بلا إرادة، فاقد للأمان وللثقة ولكل مقومات الشخصية المستقلة. كنت أرى جدران السجن تضيق عليّ، لكنني لم أكن أملك الشجاعة لكسر القيد، لأنني كنت أتوهم أن الحياة بدونه هي الموت الحقيقي، بينما الحقيقة التي اكتشفتها بعد سنوات طويلة من الألم والدموع، هي أن البقاء معه كان هو الموت البطيء الذي يمتص نضارة شبابي يوماً بعد يوم، ويتركني جثة هامدة تتنفس الوجع والخيبات المتتالية. عشت في زنزانة من صنعه، أعبد جلادي وأظنه منقذي، حتى تلاشت ملامح براءتي تماماً واستحالت حياتي إلى سواد حالك كقلبه المظلم.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD