طريق بلا عودة

459 Words
الفصل الثاني: الدخول إلى المسلخ (أروقة مديرية الأمن العامة) ​انفتحت البوابة الحديدية الضخمة لمديرية الأمن العامة في بغداد، لتعلن دخول فاضل عباس إلى عالم آخر تماماً، عالم معزول عن أي قوانين بشرية، أو دساتير، أو منطق إنساني. بمجرد توقف السيارة، أُنزِل منها بعنف مصحوباً بشتائم وإهانات لفظية قاسية، وأُحيطت عيناه بعصابة قماشية سوداء حسمت صلته بالضوء والعالم الخارجي. كانت الخطوات الأولى داخل الرواق الرئيسي للمديرية مصحوبة بأصوات غريبة ومرعبة حُفرت في ذاكرته؛ صرخات مكتومة تخرج من غرف مغلقة، أنين متواصل لسجناء معذبين، وقع أقدام ثقيلة للعساكر في الممرات، ورائحة رطوبة خانقة ممزوجة بالدم، والتعرق العفن، والمطهرات الرخيصة. ​أُدخل فاضل إلى غرفة التحقيق الأولى، وحين رُفعت العصابة عن عينيه، وجد نفسه غارقاً في ضوء أبيض ساطع وموجه نحو وجهه مباشرة، وأمامه مكتب ضخم يجلس خلفه محقق ذو ملامح صارمة وجافة، يحيط به عدد من الجلادين ذوي البنية الضخمة، المستعدين لتنفيذ أي أمر بالضرب أو التعذيب. لم يكن هناك وقت للمقدمات أو الأسئلة الروتينية؛ فاجأه المحقق بإخراج محفظته الشخصية التي صودرت منه فور اعتقاله، ونثر محتوياتها على المكتب بعنف. كانت قصاصات الورق الصغيرة التي كتب عليها شعاراته المناهضة ممددة أمامه كدليل إدانة قطعي لا يقبل الشك أو التأويل. ​انطلقت الأسئلة كالقذائف المتتالية: "من حركك؟ من يقف وراءك؟ إلى أي تنظيم أو حزب سري تنتمي؟ أين تلتقون؟ ومن هم بقية أفراد الخلية؟". حاول فاضل في البداية التمسك بإنكار وجود أي تنظيم، مؤكداً بنبرة مرتجفة أنه تصرف بمفرده تماماً وبدافع انفعالي شخصي، وأنه لم يشارك هذه الأوراق مع أي شخص آخر. لكن هذه الإجابة الصادقة لم تكن تقنع المحققين؛ فقد كانت الأجهزة الأمنية تبحث دائماً عن "مؤامرات كبرى" وشبكات سرية واسعة لترفع بها تقارير تبرز كفاءتها أمام القيادة العليا وتثبت ولائها المطلق. ​حين رفض الاعتراف بالسيناريو الذي يريده المحقق، بدأت آلة التعذيب الجسدي المنظم بالدوران فوراً وبلا رحمة. أُمر بخلع حذائه وجواربه، ورُبطت قدماه بحبل متصل بعصا خشبية غليظة فيما يُعرف في أدبيات السجون العراقية بـ"الفلقة". انثالت العصي والسياط الجلدية الغليظة على باطن قدميه العاريتين بلا توقف. كان الألم يتدفق كتيارات كهربائية حارقة تخترق جسده بالكامل وتصل إلى دماغه، مستخرجة منه صرخات حادة حتى بحت حباله الصوتية تماماً، دون أن تحرك هذه الصرخات أي جفن أو ذرة رحمة لدى الجلادين الذين كانوا يعتبرون صراخ الضحايا جزءاً اعتيادياً من روتين عملهم اليومي. ​لم يقتصر الأمر على الفلقة؛ بل تنوعت الأساليب بمرور الأيام لتشمل الصعق بالكهرباء في أطراف جسده والمناطق الحساسة، والتعليق من المعصمين إلى السقف لساعات طويلة (التعليق المروحي) حتى تكاد الكتفان تنخلعان من مكانهما ويصبح التنفس عبئاً مستحيلاً. في إحدى جولات التحقيق القاسية التي استمرت حتى الفجر، تعرض لضرب مبرح ومستمر على وجهه ورأسه بأيدي الجلادين وبأعقاب مسدساتهم حتى تفجرت الدماء بغزارة من أنفه وفمه، وأُجبر بعد انتهائها على البقاء متصلباً في زاوية الغرفة ووجهه ينزف طوال الليل دون حراك، وحُظر عليه تماماً مسح الدم أو غسله، كنوع من الإذلال النفسي وتعميق الشعور بالهزيمة والانكسار أمام سلطة السجان.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD