الفصل الثالث: سيكولوجية الجلاد وحياة البرزخ (الزنزانة والانفراد)
بعد أسابيع من جولات التحقيق العنيفة والتعذيب المستمر الذي لا يهدأ، نُقل فاضل عباس إلى الزنزانة الانفرادية، وهي عبارة عن صندوق خرساني ضيق وموحش، لا تتجاوز مساحته متراً ونصف المتر في مترين، تخلو من أي نافذة عدا شق صغير جداً في أعلى الجدار وبالكاد يسمح بمرور خيط رفيع من الضوء، وباب حديدي ضخم يحتوي على فتحة صغيرة مغلقة من الخارج يُطل منها الحارس بين الحين والآخر. كانت هذه الزنزانة هي "البرزخ" الحقيقي الذي يفصل بين الحياة والموت، حيث يقضي المعتقل وقته بالكامل وحيداً مع أفكاره، وجراحه التي تلتهب وتتعفن دون أي عناية طبية، ومخاوفه من الغد المجهول.
في هذه العزلة التامة والقاتلة، أتيحت لفاضل فرصة نادرة وعميقة لمراقبة "سيكولوجية السجان والجلاد" وتأملها عن قرب. كان يرى من خلال شق الباب الحديدي، أو أثناء نقله من وإلى غرف التحقيق، كيف يمكن للكائن البشري أن ينفصل تماماً عن إنسانيته ويتحول مسخاً وظيفياً. كان الجلادون يمارسون أبشع أنواع التعذيب ضد السجناء، يوسعونهم ضرباً وصعقاً حتى يغمى عليهم ويسقطوا في دمائهم، ثم بمجرد انتهاء "نوبة عملهم" الرسمية، يجلسون في غرفهم الجانبية المقابلة للزنازين يشربون الشاي، ويضحكون بصوت عالٍ، ويتحدثون عبر الهاتف مع زوجاتهم وعائلاتهم عن مشتريات المنزل، ومصاريف المدارس، ومخططات عطلة نهاية الأسبوع، وكأنهم لم يرتكبوا قبل دقائق فظائع تهتز لها الإنسانية. هذا التناقض المرعب أثار في نفس فاضل تساؤلات وجودية ونفسية عميقة حول طبيعة الشر البشري؛ كيف يمكن للشخص نفسه أن يكون أباً حنوناً يداعب أطفاله في بيته، ووحشاً كاسراً يتلذذ بعذاب الآخرين في عمله؟ لقد نجح النظام الشمولي في برمجة هؤلاء البشر وتحويلهم أدوات صماء جُردت من أي حس بالتعاطف أو المسؤولية الأخلاقية.
أما داخل الزنزانة، فقد كان صراع البقاء يأخذ أشكالاً يومية مؤلمة وقاسية. كان الطعام شحيحاً للغاية وسييء الإعداد إلى درجة تثير الغثيان؛ صمونة واحدة يابسة في اليوم، مع وعاء صغير من شوربة الماء الدافئ التي يطفو عليها القليل من حبات العدس أو الفاصوليا العفنة، وهي كمية لا تكفي إلا لإبقاء المؤشرات الحيوية للجسم تعمل في حدودها الدنيا لمنع الموت السريع قبل انتهاء التحقيق. قضى فاضل أشهراً طويلة بنفس الملابس التي اعتقل بها من الجامعة، والتي تحولت مع الوقت والرطوبة إلى خرق بالية تفوح منها رائحة العرق والدم الجاف والقيح، ولم يكن يُسمح بالاستحمام أو دخول المرافق إلا في فترات متباعدة جداً وبطريقة مهينة وتحت مراقبة مشددة وبماء بارد في عز الشتاء القارس.
في هذا الجو الخانق المليء بالقذارة، والظلمة، والترقب الدائم للموت، وجد فاضل عباس ملاذاً نفسياً غريباً ومتواضعاً لإنقاذ عقله من الجنون والانهيار التام. لاحظ وجود بعض النمل والحشرات الصغيرة الزاحفة على الأرضية الخرسانية الباردة لزنزانته. بدلاً من قتلها أو النفور منها، تحولت هذه الكائنات الصغيرة في نظره إلى "رفاق سكن" يشاركونه المحنة. كان يقضي ساعات طويلة يتأمل حركتها الدؤوبة، وكيف تبحث عن قوتها في هذا المكان المقفر، وبدأ يشاركها بضع فُتات من صمونه اليابس. يروي فاضل لاحقاً في شهاداته أنه طوال فترة سجنه المريرة، لم يجرؤ على قتل حشرة واحدة؛ فقد شعر أن سلب الحياة من أي كائن حيوى، مهما كان صغيراً وتافهاً، في مكان مخصص أساساً لسلب حياة البشر وإذلالهم، هو تساوق خطير مع عقلية الجلادين الذين يسلبون الأرواح بلا مبالاة. كانت تلك الحشرات الصغيرة هي دليله الحسي والروحي الوحيد على أن الحياة والحرية ما زالتا مستمرتين في مكان ما خارج هذا القبر الإسمنتي المحكم.