الفصل الرابع: مجتمع الظلال (رفاق الدرب نحو المشنقة)
لم تكن مديرية الأمن العامة مجرد معتقل فردي معزول، بل كانت عبارة عن شبكة معقدة وضخمة من الزنازين الجماعية والانفرادية التي تضم أطيافاً واسعة ومتباينة من المجتمع العراقي في تلك الحقبة. حين كان يُسمح لفاضل أحياناً بالانتقال من الزنزانة الانفرادية إلى زنزانة جماعية بسبب الاكتظاظ الشديد، أو حين كان يستمع إلى الهمسات والأحاديث الخافتة عبر الحيطان السميكة، تعرف عن قرب على "مجتمع الظلال"؛ وهم السجناء الذين جمعهم المصير المشترك خلف هذه القضبان.
اكتشف فاضل بذهول أن السجن وتهم "معاداة الثورة والنظام" لا يفرق بين طبقة اجتماعية وأخرى، ولا بين متعلم وجاهل، ولا بين غني وفقير. التقى داخل تلك الممرات بشخصيات تركت في وجدانه ونفسه أثراً عميقاً لا يُمحى أبداً، وعاش معهم لحظاتهم الإنسانية الأخيرة قبل أن يُساقوا إلى حبل المشنقة. ومن أبرز هؤلاء:
الأخوان من بيت العبايشي: شابين في مقتبل العمر، يتمتعان بأخلاق عالية وهدوء جم، اعتُقلا بتهم كيدية لُفقت لهما تتعلق بالتخريب الاقتصادي ومخالفة قوانين السوق الصارمة التي وضعها النظام آنذاك. جرى تعذيبهما بشكل وحشي ومنظم لانتزاع اعترافات تبرر مصادرة أموال وممتلكات عائلتهما التجارية. كانا يواجهان مصيرهما ومحاكمتهما بشجاعة صامتة وكرامة تامة حتى نُفذ فيهما حكم الإعدام.
حسين مهر: مستشار الطيران العراقي اللامع، الرجل المثقف والخريج من جامعة أكسفورد البريطانية العريقة، والذي كان يمتلك عقلاً استراتيجياً فذاً وخبرة دولية واسعة. لم يشفع له علمه، ولا مكانته الأكاديمية، ولا خدماته الجليلة التي قدمها لبناء مؤسسات الدولة؛ فقد جلبته الشكوك والتقارير الحزبية الكاذبة إلى نفس المسلخ، حيث جُرد من كل ألقابه واعتُبر مجرد سجين عادي ينتظر الموت في زاوية رطبة.
الشاب علي: زميل زنزانته القريب، الذي كان يفيض حيوية، وطاقة، وأحلاماً بالمستقبل رغم العذاب. كان يتحدث مع فاضل طوال الليل بصوت خافت عن خططه لما بعد الخروج، وعن والدته وعائلته التي تنتظر عودته بفارغ الصبر لتزويجه. ولكن في ليلة من ليالي السجن الباردة، انفتح الباب الحديدي بعنف، ونُودي على اسمه الثلاثي، فخرج ملتفتاً بابتسامة حزينة ولم يعد أبداً.
كان غياب الحصانة لأي فرد في الدولة هو الميزة الأبرز لنظام صدام حسين، وهو الأمر الذي وثقه فاضل بدقة بالغة في شهاداته. لم يكن أحد، مهما بلغت درجته الحزبية، أو رتبته العسكرية، أو حتى قربه وصلته العائلية من السلطة الحاكمة، آمناً من غضبة النظام أو تقارير المخبرين. يتذكر كيف كان المعتقلون القدامى يتحدثون بذهول عن مسؤولين كبار في الدولة وأقارب مباشرين لعائلة الرئيس نفسها، كانوا يُساقون إلى هذه السجون وتُهدم بيوتهم بالجرافات ويسجنون لسنوات بمجرد أن تُحوم حولهم شبهة بسيطة تتعلق بعدم الولاء المطلق، أو منافسة أصحاب القرار الحقيقيين. كان الجميع بلا استثناء عبارة عن حطب جاهز للاشتعال في أي لحظة لتدفئة عرش السلطة وحمايته.
كانت اللحظات الأكثر قسوة ورعباً في حياة السجن الجماعي هي لحظات "السوقية"؛ وهي اللحظات المخصصة لنقل السجناء لتنفيذ أحكام الإعدام. كانت هذه العمليات تحدث دائماً في الهزيع الأخير من الليل أو في الفجر الباكر، حيث الهدوء التام يلف المديرية. يبدأ الأمر بصوت وقع أقدام ثقيلة وسريعة للحراس في الممر الرئيسي، يليه صرير المفاصل الحديدية للأبواب الضخمة. في تلك اللحظة، يمسك جميع السجناء في كل الزنازين بأنفاسهم، وتتسارع دقات قلوبهم إلى حد الجنون؛ فكل شخص يعلم أن اسمه قد يكون التالي في القائمة المكتوبة على ورقة المحقق. وحين يُنادى الاسم الثلاثي لأحدهم، ينهض المحكوم ببطء، ينظر إلى رفاقه نظرة وداع أخيرة مليئة بالدموع والصمت، وغالباً ما كانت تنطلق من الشفاه وصايا حزينة ومؤثرة تطلب من الباقين ألا ينسوهم.
كان السجناء الذاهبون إلى الموت يلتفتون إلى فاضل عباس بالخصوص، باعتباره الشاب الجامعي الأصغر سناً والذي قد يجد طريقاً قانونياً أو عائلياً للنجاة والإفراج بمرور الوقت، ويوصونه بعبارات حُفرت في أعماق قلبه: "إذا خرجت يا فاضل، إذا كُتبت لك الحياة ورأيت الشمس مجدداً، ابحث عن أهلنا.. أخبرهم أننا لم نكن خونة ولم نبع الوطن.. أخبرهم كيف عشنا وكيف متنا.. لا تدعهم ينسوننا". هذه الكلمات لم تكن مجرد وصايا عابرة، بل كانت صكوك أمانة تاريخية وأخلاقية ثقيلة الوزن، حُكم على فاضل أن يحملها طوال ما تبقى من عمره كرسالة مقدسة لا يمكن التخلي عنها.