قلم وثائر

573 Words
الفصل الخامس: صدمة النجاة والهروب الكبير من الوطن بعد أشهر طويلة ومضنية من التحقيق، والتعذيب، والانتظار المرير في غياهب مديرية الأمن العامة، ومحاكمات صورية سريعة أمام "محكمة الثورة" السيئة الصيت، والتي لم تكن تمنح المتهم حق الدفاع عن نفسه أو توكيل محامٍ حقيقي، حدث ما لم يكن في الحسبان وتجاوز كل التوقعات البائسة. في ظروف اكتنفتها الصدفة البحتة، وبعض التدخلات العائلية المعقدة، والتغييرات الإدارية المفاجئة داخل المديرية، نجا فاضل عباس بأعجوبة من حكم الإعدام الذي طال معظم رفاقه وجيله، وصدر أمر رسمي غير متوقع بالإفراج عنه وإطلاق سراحه. كانت لحظة فتح الباب الخارجي الحديدي لمديرية الأمن العامة وخروجه إلى الشارع بمثابة انتقال فوري وعنيف من القبر وعالم الأموات إلى الوجود والحياة. يصف فاضل تلك اللحظة في مذكراته بأنها كانت صدمة حسية وعاطفية هائلة لا يمكن لوصف بشرى أن يستوعبها. وقف في الشارع مذهولاً لفترة، ينظر إلى السماء الواسعة الممتدة التي حُرم من رؤيتها لأشهر طويلة، يتأمل السيارات التي تمر مسرعة، والناس الذين يسيرون في حيواتهم اليومية العادية، يشترون ويبيعون ويضحكون، دون أن يدروا أو يستشعروا أن على بعد أمتار قليلة منهم، خلف تلك الجدران الخرسانية العالية، يوجد مسلخ بشري كامل تُنتهك فيه الآدمية والكرامة في كل دقيقة وثانية. لكن الحرية في الخارج كانت حرية ملغومة ومراقبة بدقة. عاد فاضل إلى منزل عائلته، وجد الفرحة العارمة والدموع في عيون أمه وأبيه وإخوته الذين صدمهم شكله الشاحب وجسده النحيل وآثار التعذيب الواضحة على أطرافه، لكنه وجد أيضاً الخوف والرعب يملأ قلوبهم عليه وعلى أنفسهم. فالشخص المفرج عنه من مديرية الأمن العامة يظل تحت المراقبة اللصيقة من قبل عناصر الأمن والمخبرين المحليين في الحي، وتتحول عائلته وجيرانه إلى حذرين ومترددين في التعامل معه أو الحديث أمامه خوفاً من كتابة التقارير الأمنية الكيدية التي قد تعيده أو تعيدهم إلى نفس المصير. والأهم من كل ذلك، أن فاضل نفسه لم يعد ذلك الشاب الجامعي الطموح والمرح الذي دخل السجن قبل أشهر؛ فقد ترك جزءاً كبيراً وثميناً من روحه ونفسيته داخل تلك الزنزانة الانفرادية، وبدأ يعاني بشكل حاد ومستمر من الأعراض النفسية لما يُعرف بـ"عقدة الناجي" (Survivor's Guilt). كان يستيقظ كل ليلة مذعوراً ومبللاً بالعرق على وقع كوابيس السجن وصوت فتح الأبواب الحديدية، وظل السؤال المؤرق والمؤلم يلاحقه في يقظته ومنامه: "لماذا متّم أنتم جميعاً، وعشت أنا؟ بأي حق أخلاقي أتنفس الهواء النقي الآن وأتحرك بحرية، بينما رفاقي وعلي وحسين مهر معلقون في حبال المشانق أو مدفونون في رمال الصحراء المقفرة في مقابر جماعية مجهولة؟". أدرك فاضل سريعاً، ومن خلال نصائح المخلصين له، أن البقاء في العراق تحت ظل هذه الظروف الضاغطة والرقابة الأمنية الخانقة هو بمثابة انتحار بطيء ومجازفة يومية بالموت، وأن الماكنة الأمنية للنظام الشمولي قد تلتقطه مجدداً في أي لحظة ولأي سبب تافه أو وشاية جديدة. اتخذ القرار الأصعب والأكثر مرارة في حياته: الهجرة والهروب الفوري من الوطن الذي يحبه. بدأت رحلة الشتات واللجوء الشاقة والطويلة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وهي رحلة تشبه في تفاصيلها ومآسيها تغريبة الآلاف من المثقفين، والأدباء، والمعارضين العراقيين في تلك العقود. تنقل فاضل بين عدة عواصم ودول عربية وإقليمية، عابراً حدوداً جغرافية شائكة بطرق غير شرعية وخطيرة، ومواجهاً مخاطر الموت غرقاً في البحار أو الاعتقال في بلدان العبور، يحمل في حقيبته الصغيرة بضع قطع من الملابس وجبالاً لا تنتهي من الذكريات المؤلمة وأصوات الضحايا. لم يكن الهدف من هذا الهروب هو مجرد النجاة والبحث عن الأمان الجسدي والقمة العيش، بل كان البحث الحثيث عن منبر حر ومنصة آمنة يستطيع من خلالها أن يصرخ بوجه العالم، ويؤدي الأمانة التاريخية التي حُمِّل إياها من قبل رفاقه في الزنازين المظلمة. واستقر به المطاف والرحال أخيراً في المملكة المتحدة (بريطانيا)، حيث بدأ فصلاً جديداً تماماً من حياته كاتبًا وموثقاً وإنساناً يحاول لملمة شتات نفسه.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD