أمانة الحبر والرماد

433 Words
الفصل السادس: معركة القلم (أدب السجون والتوثيق التاريخي) في لندن، وبعيداً عن الأيدي الطويلة والمرعبة للأجهزة الأمنية الصدامية، وجد فاضل عباس أخيراً المساحة القانونية والسياسية الآمنة التي كان يحلم بها للتنفس والكتابة بحرية كاملة ودون خوف من "زوار الفجر". في عام 2000، وقبل سقوط النظام العراقي ببضع سنوات، بدأ بالعمل الفعلي، والمنظم، والمضني على تحويل تلك المشاهدات، والآلام، والذكريات المخزونة في أعماقه إلى مشروع كتابي وتوثيقي ضخم ومستدام. لم يكن يريد لكتابته أن تكون مجرد رد فعل عاطفي عابر، أو مجرد بكائية شخصية على شبابه الضائع، أو وسيلة لتصفية حسابات سياسية ضيقة، بل أرادها أن تكون وثيقة تاريخية وتفكيكية وتشريحية لطبيعة النظام الشمولي وآلياته في تدمير الإنسان. التقى فاضل في المهجر البريطاني بالعديد من أقطاب وشخصيات المعارضة العراقية في ذلك الوقت، وعرض عليهم مسودات من كتاباته ومذكراته المفصلة حول ما يحدث خلف جدران "مديرية الأمن العامة"، مؤكداً لهم أن التوثيق هو السلاح الحقيقي لإنصاف الشعب. وتميز المنجز الأدبي والتوثيقي لفاضل عباس، بخصائص فنية وفكرية جعلته علامة بارزة في باب "أدب السجون" العربي: الواقعية التشريحية المفرطة: رفض فاضل في كتاباته الهروب نحو الرمزية المفرطة، أو استخدام الخيال الروائي لتخفيف وطأة وبشاعة الأحداث على القارئ. كان يكتب بأسلوب تشريحي ودقيق للغاية؛ يصف أبعاد الزنزانة بالسنتيمتر، ودرجة الرطوبة وعفن الجدران، وشكل السوط وملمسه، ولون الدم الجاف، ونبرة صوت المحقق والجلاد. هذا الأسلوب الواقعي الصارم جعل القارئ يشعر بأنه يعيش التجربة حساً وحركة، ويستنشق رائحة الخوف والعفن التي تملأ أروقة السجن. التركيز المطلق على الضحايا المغمورين: رفض فاضل بشكل قاطع أن يسلط الضوء على نفسه كبطل أو كضحية رئيسية للقصة. بدلاف من ذلك، جعل من كتبه ومقالاته "مقبرة بديلة" ونُصباً تذكارياً شامخاً لأولئك الشباب والرفاق الذين أُعدموا بصمت مطبق وطُمست قصة موتهم ومظلوميتهم. كتب بالتفصيل عن الطالب البسيط، والعامل الكادح، والموظف الصغير، معيداً إليهم أسماءهم، وملامحهم، وكرامتهم الإنسانية والوطنية التي حاول النظام محوها نهائياً بجعلهم مجرد أرقام تسلسلية مبهمة في سجلات الإعدام والدفن السرية. الفهم والتحليل الفكري لآليات الطغيان: تجاوزت كتاباته مجرد سرد الأحداث اليومية والانتهاكات الجسدية، لتقدم تحليلاً فكرياً ونفسياً عميقاً لكيفية بناء وصيانة النظام الدكتاتوري؛ كيف يُصنع الخوف الجماعي، وكيف يتم تدجين المجتمع ومؤسساته، وكيف يتحول السجان العادي بمرور الوقت إلى آلة صماء مبرمجة تنفذ أبشع الأوامر دون أي تفكير أو وازع أخلاقي. كان الدافع والوقود الأساسي وراء هذا الجهد التوثيقي المضني هو فلسفته الصارمة والعميقة التي كان يؤمن بها ويرددها دائماً في لقاءاته: "إن الضحية في ظل الأنظمة الدكتاتورية تموت مرتين؛ مرة بالفناء الجسدي والمغادرة الحتمية من الحياة بفعل التعذيب أو الإعدام، ومرة ثانية وهي الأشد قسوة ومرارة بطمس ذكرها ومظلوميتها وتزوير تاريخها من قبل الطغاة. ومن هنا، كان القلم في يد فاضل عباس هو السلاح الأخلاقي والإنساني الوحيد الذي يحارب به الموت الثاني لرفاقه السجناء، محاولاً إبقاء شعلة ذكراهم متقدة في ضمير الأجيال.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD