الفصل الأول: شمس بغداد التي غربت فجأة
كانت العاصمة العراقية بغداد في منتصف ثمانينيات القرن العشرين تعيش حالة فريدة وعميقة من الانفصام والتوتر المكتوم الذي يكاد يخنُق الأنفاس. من جهة، تحافظ المدينة العريقة على ألقها الخارجي وحيويتها المعهودة؛ إذ تكتظ مقاهي شارع الرشيد التاريخي وشارع المتنبي بالمثقفين، والأدباء، والشعراء، وتشهد قاعات العرض الفني والمسارح نقاشات حامية الوطيس حول الحداثة، والتجريب، وأدب المقاومة، بينما يضج الحرم الجامعي في الجادرية بحركة آلاف الطلاب والطالبات وضياء نهر دجلة القريب الذي يلف المدينة بذراعيه. ولكن من جهة أخرى، كان هناك إيقاع ثقيل، جاثم، ومرعب يفرض نفسه بقوة السلاح على كل تفاصيل الحياة اليومية والخاصة؛ إنه إيقاع الحرب العراقية الإيرانية المستعرة في الجبهات، وطبولها التي لا تكف عن القرع العنيف في وسائل الإعلام الرسمية، من راديو وتلفزيون وصحف حزبيّة.
في هذا الجو المشحون بالترقب الخوف، والشك الصامت، كان الشاب فاضل عباس يخطو خطواته الواثقة في أروقة كلية الهندسة بجامعة بغداد. كان طالباً يمتلك ذلك المزيج الخطير والفريد من الذكاء الأكاديمي الحاد، والوعي الثقافي المبكر، والحس الإنساني المرهف، وهو المزيج الذي غالباً ما يدفع صاحبه إلى التساؤل، والتدبر، وإعادة النظر في زمنٍ كان السؤال فيه يُعد خطيئة كبرى تقود صاحبها إلى غياهب السجون أو حبل المشنقة. لم يكن فاضل منتمياً إلى أي تنظيم سياسي منظم، سواء كان يسارياً أو دينياً، ولم يكن يحرك أفعاله توجيه حزبي أو إيديولوجي معين، بل كان يحركه دافع داخلي بحت، ورفض غريزي وأخلاقي للواقع الدكتاتوري الشمولي الذي يراه يبتلع أحلام جيله يوماً بعد آخر.
كان يرى رفاقه وإخوته في مقاعد الدراسة يُساقون واحداً تلو الآخر، فور تخرجهم أو حتى أثناء دراستهم، إلى جبهات القتال الساخنة في شرق البصرة أو جبال كردستان. يعود بعضهم في توابيت خشبية بسيطة ملفوفة بالعلم، ويعود آخرون مشوهين أجساداً ونفوساً، وفاقدين لأطرافهم أو لعقولهم، بينما تظل الماكنة الحزبية الحاكمة تطالب بالمزيد من التضحيات البشرية، وسط أناشيد حماسية تملأ الفضاء وشعارات ضخمة تمجد "القائد الأوحد" و"معركة القادسية الثانية". كان هذا التناقض الصارخ يغلي كالمِرجَل في صدر فاضل. كيف يمكن لبلد غني بالثقافة، والنفط، والتاريخ، والعقول الفذة أن يُقاد نحو محرقة بشرية مستمرة لا نهاية تلوح في أفقها؟ وكيف يمكن لجيل كامل من المهندسين، والأطباء، والأدباء، والفنانين أن يتحولوا مجرد أرقام جافة في قوائم الخسائر اليومية؟
وفي ليلة من ليالي عام 1986 الحزينة، وتحت تأثير مشاعر الغضب المكتوم والخوف على مستقبل يراه يضيع ويتفتت أمام عينيه، اتخذ فاضل قراراً عفوياً وخطيراً غيّر مجرى حياته إلى الأبد. جلس في غرفته المظلمة مستغلاً هدوء الليل، وأمسك بقلم وقصاصات صغيرة من الورق، وبدافع من الرفض التام، بدأ يكتب شعارات مناهضة للنظام الحاكم. كتب بعبارات صريحة، قاطعة، ومباشرة تخلو من اللبس أو المواربة: "يسقط صدام" و"يسقط العفالقة". لم يكن يملك مطبعة سرية، ولا منشورات منظمة، ولا شبكة توزيع تحت الأرض، بل كانت مجرد أوراق صغيرة وضعها بعناية في محفظته الشخصية، كمن يحمل قنبلة موقوتة في جيبه دون أن يدرك حجم انفجارها أو بشاعة الشظايا التي ستصيب جسده وحياته. كان يظن، بسذاجة الشباب ونقائه، أن كلمات مخبأة في جيب معطفه قد تمنحه شعوراً داخلياً بالحرية والكرامة، أو ربما كان ينوي إلصاقها على أحد جدران الجامعة كنوع من الاحتجاج السري الفردي ضد الخوف الجماعي.
لكن في عراق ذلك الزمان، لم تكن الجدران وحدها هي التي تملك آذاناً، بل كانت حتى النظرات، والهمسات، والملامح، والابتسامات تخضع للرقابة الصارمة من قبل منظومة أمنية متغلغلة في كل مفاصل المجتمع والدولة. يبدو أن جرأته في بعض النقاشات الفكرية العابرة داخل الحرم الجامعي، ورفضه غير المعلن للانخراط في الأنشطة الحزبية والاتحادية الإجبارية، قد جعلته تحت مجهر "العيون" والتقارير المكتوبة من قبل بعض زملائه في الدراسة، الذين تحولوا إلى مخبرين لصالح الأجهزة الأمنية مقابل امتيازات دراسية أو مادية تافهة.
مرت تسعة أيام أو عشرة على كتابته لتلك الشعارات، كانت أياماً عادية وهادئة في ظاهرها، داوم فيها على محاضراته بانتظام، لكن المقادير كانت تُطبخ على نار حامية في أقبية مديرية الأمن العامة. وفي اليوم العاشر، بينما كان يسير في باحة الجامعة متوجهاً إلى إحدى قاعات المحاضرات، قطعت طريقه خطى ثقيلة وسريعة لرجلين يرتديان ملابس مدنية اعتيادية، لكن ملامحهما الجافة والباردة ونظراتهما الحادة كانت تفضح هويتهما الاستخباراتية فوراً. اقترب أحدهما منه، ووضع يده على كتفه برفق مصطنع حمل في طياته كل معاني التهديد والموت، وقال بنبرة هادئة وباردة: "أنت فاضل عباس؟ تفضل ويانا خمس دقائق وترجع". كانت هذه الجملة هي التعويذة السحرية المرعبة التي اقتلعت آلاف العراقيين من حيواتهم اليومية، ولم يعد معظمهم أبداً. عرف فاضل في تلك الثواني المعدودة أن حياته كطالب هندسة، وأحلامه بالاستقرار، ومستقبله قد انتهت كلها، واقتيد بعنف إلى سيارة بيضاء كانت تنتظر خارج أسوار الجامعة، وانطلقت به بسرعة جنونية نحو المجهول، تاركة خلفها شمس بغداد الدافئة.