الناصرية – الفندقلم يكن فندقاً ذا خمسة نجومٍ بالتأكيد، لكن بالنسبة لمن أمضى أسابيعاً في خيمة وسط الصحراء فإن الحمام حتى يعتبر من الكماليات. تركت إليزا الماء البارد المنعش يدلّك عنقها وكتفيها. رحّب جسدها بالقشعريرة وسرت سلسلة من الرعشات المريحة على طول ظهرها.
يدرك المرء مدى أهمية بعض الأمور حين يفقدها.
مضى أكثر من عشر دقائق قبل أن تتخذ قراراً بالخروج. كان البخار قد تكاثف على المرآة التي من الواضح أنها لم تعلق بشكلٍ صحيح. حاولت إصلاح ذلك لكنها ظلت تعود إلى الوضعية المائلة بمجرد تركها، فقررت تجاهلها في النهاية. أخذت تجفف الماء من على جسدها بمنشفةٍ صغيرةٍ وهي تنظر إلى نفسها نظرة إعجاب. لقد عُرض عليها العمل كعارضةٍ أو ممثلةٍ حين كانت أصغر بعدة سنوات. ربما كان بإمكانها أن تصبح مغنية أوبرا شهيرة في السينما أو زوجة لاعب كرة قدم، لكن المال لم يكن يثير اهتمامها كثيراً. كانت تفضل أن تتعرق وتأكل التراب وتدرس المخطوطات القديمة وتزور الأماكن المنسيّة. كانت المغامرة بالنسبة لها تعني الدماء والمشاعر المتعلقة بالعثور على قطعة أثرية قديمة، واستخراج بعض البقايا التي تعود إلى آلاف السنين. لا يضاهي ذلك أي شيءٍ آخر.
اقتربت أكثر من المرآة لتنظر إلى الخطوط القصيرة البغيضة عند حواف عينيها. توجهت يدها تلقائياً نحو حقيبة أدوات التجميل وسحبت منها الكريم المضاد للشيخوخة. "إنقاصٌ واضحٌ للتجاعيد خلال أقل من أسبوع". دهنت وجهها به بحذر وحدقت في نفسها باهتمام. هل كانوا يدعون تحقيق المعجزات؟ لكنهم قالوا أنّ التأثيرات لن تظهر قبل سبعة أيام.
ابتسمت ابتسامةً ساخرةً من نفسها، ومن كل النساء الأخريات اللاتي سمحن لأنفسهن لا شعورياً بأن ي**عن بدعايةٍ كهذه.
أشارت ساعة الحائط فوق السرير إلى 7:40 مساءً. لن تتمكن أبداً من التجهز خلال عشرين دقيقة فقط.
جففت نفسها بسرعةٍ تاركةً شعرها الأشقر الطويل مبتلاً قليلاً، ووقفت أمام خزانة الثياب الخشبية الداكنة التي عُلقت بداخلها الثياب الأنيقة القليلة التي تمكنت من جلبها. في مناسباتٍ أخرى كان اتخاذ القرار بشأن ارتداء أكثر ثوبٍ ملائمٍ للمناسبة يستغرق منها ساعات، لكن في تلك الليلة لم يكن أمامها كثيرٌ من الخيارات. اختارت ثوباً أ**داً قصيراً دون تفكيرٍ مطول. كان ثوباً جميلاً ومثيراً بالتأكيد لكنه لم يكن مبتذلاً، وكان خط الرقبة فيه مغرٍ سيبرز حتماً بنيتها الفاتنة. أخرجته وألقت به على السرير بحركة رشيقة من يدها. إنها 7:50 مساءً. ربما كانت امتيازات المرأة تسمح لها بالتأخر، لكنها كانت تكره ذلك.
نظرت من النافذة لترى سيارةً رياضيةً ذات لونٍ داكنٍ لماع أمام باب الفندق مباشرةً. كان هناك شابٌ يرتدي ملابس عسكرية هو السائق على الأرجح يستند على غطاء المحرك ويستغل فترة الانتظار بتدخين سيجارة.
فعلت ما بوسعها لتجميل عينيها بقلم الكحلة والمسكرة ودهنت شفتيها بالحمرة على عجل، وبينما حاولت توزيعه بشكلٍ متساوٍ مرسلةً قبلاتٍ في الهواء ارتدت أقراطها المفضلة لتجد نوعاً من الصعوبة في العثور على الفتحات مجدداً.
مرّ وقت لا بأس به منذ أن خرجت في أمسيةٍ كهذه لآخر مرة، فقد أجبرها عملها على السفر حول العالم ولم تستطع إنشاء علاقةٍ مستقرةٍ مع أي أحد، إذ كانت علاقاتها تنتهي عادةً في غضون أشهرٍ قليلة. لطالما تجاهلت غريزة الأمومة الفطرية التي شعرت بها منذ أن كانت طفلة، أما الآن ومع النضج البيولوجي فقد ازداد إدراكها لذلك. ربما حان الوقت المناسب للتفكير جدياً بتأسيس عائلة.
سرعان ما أبعدت تلك الفكرة من بالها، وارتدت الثوب والحذاء الوحيد ذا الكعب العالي الذي جلبته معها، ورشت عطرها المفضل على جانبي عنقها بحركة لطيفة. الوشاح الحريري وحقيبة اليد السوداء الواسعة... لقد أصبحت جاهزة للانطلاق. أكّدت لها نظرةٌ أخيرةٌ إلى المرآة المبقعة على الحائط قرب الباب أن مكياجها لا تشوبه شائبة، فغادرت الغرفة بلفتةٍ سريعةٍ مع ابتسامة رضا.
وبعد أن أعاد السائق الشاب إغلاق فكه الذي ارتخى بعد أن شاهد إليزا تخرج من الفندق كعارضة أزياء رمى سيجارته الثانية التي أشعلها للتو وهرع ليفتح لها باب السيارة، ثم سألها متردداً: "مساء الخير دكتورة هنتر. هلّا ذهبنا؟"، فأجابته متصنعةً أفضل ابتساماتها: "مساء الخير. نعم أنا جاهزة".
أضافت بينما كانت تصعد إلى السيارة: "شكراً لك على التوصيلة"، وهي تعرف أن تنورتها ستنزلق وتظهر من ساقيها ما يكفي لإحراج الجندي.
لطالما أحبت الشعور بأنها محط احترام.