الفصل الأول
كان الفستان الأحمر بلا أكمام يلتف حول جسدها كخطيئة لا تجرؤ على ارتكابها، لذا دست نفسها داخل شال كثيف من الريش، محاولةً الاختباء من العيون الصاخبة في الحفل. كانت خطواتها مترددة، تكاد تسمع دقات قلبها المذعورة فوق صوت كعوبها القلقة. رفعت يدها لتعدل نظارتها الطبية، متمنيةً لو أن هذه العدسات الزجاجية تحجب عنها العالم الخارجي بأكمله.
وفجأة، اختل توازنها إثر صدمة عنيفة بكتفها كادت تطيح بها أرضاً.
"أوبس! إنها أنتِ؟ لم أتعرف عليكِ يا عديمة الفائدة!"
ترددت ضحكة "نور" المستفزة في الممر، تلك الضحكة التي طالما لاحقت رغد منذ سنوات الدراسة. نور، التي لم تغفر لرغد يوماً تفوقها الأكاديمي، كانت ترتدي ثوباً باهظ الثمن وتنظر إليها بنظرة ملؤها التشفي والتحقير، قبل أن تدير ظهرها وتدلف إلى القاعة الفاخرة بكبرياء زائف.
توقفت الأنفاس في ص*ر رغد. انحنت برأسها لثوانٍ، وبدا وكأن الزمن تجمّد في ذلك الممر الضيق.
لكن، لم تكن هناك دموع هذه المرة.
ببطء شديد، استقامت وقفتها. تلاشت الرجفة من كتفيها، وحلت مكانها برودة وثقة مفاجئة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حادة، وتمتمت بنبرة صوت واثقة: "أوف... ما هذا الحر الخانق؟"
بحركة سريعة ومستهينة، نزعت شال الريش ورشقته في سلة المهملات القريبة كأنه خرقة بالية. تلاها انتزاع النظارة الطبية لتكشف عن عينين تشعان جرأة وتحدياً. سحبت المشبك الذي يمسك شعرها، فانفجر سواده الطويل منسدلاً على ظهرها، ليغطي حدود تلك الندبة القديمة الغامضة.
أخرجت من حقيبتها الصغيرة أحمر شفاه، وبلون دموي قاطع، حددت كرزتي شفتيها.
تحولت الخطوات المترددة إلى مشية متزنة، واثقة، ومستفزة تكاد تطحن الأرض تحتها. ولجت القاعة كملكة تملك المكان، دون أن تلتفت للهمسات من حولها. كانت عيناها مثبتتين على هدف واحد: نور.
مرت بجانب إحدى الطاولات، التقطت كأساً من النبيذ بحركة انسيابية، وتقدمت بخطوات بطيئة خلف نور التي كانت تتباهى بفستانها وسط جمع من المدعوين. وبحركة بدت عفوية تماماً، مالت يدها لتسكب السائل الأحمر القاني ببطء وثبات فوق فستان نور الأبيض الفاخر.
شهقت نور برعب وهي ترى بقعة "الدم" المزيفة تتسع على قماشها، لتلتفت بغضب أعمى. تملكتها الهستيريا وهي ترى رغد تقف أمامها بابتسامة ساحرة وباردة وتهمس: "أوووبس... لم أركِ! آسفة جداً."
جن جنون نور، ورفعت يدها في الهواء بغضب عارم لتهوي بصفعة على وجه رغد أمام الجميع. لكن قبل أن تلمسها، تحركت يد رغد بسرعة خاطفة كأفعى، وقبضت على معصم نور بقوة حديدية جمدتها في مكانها. وبدون تردد، ردت لها الصفعة بقوة دوت في أرجاء القاعة الساكنة، لتترنح نور صدمةً ورعباً.
نظرت رغد حولها باحتقار، وقالت بنبرة حادة هزت المكان: "تباً لكِ، ولأمثالكِ، ولحفلتكم السخيفة!"
استدارت لتمشي نحو المخرج بكبرياء، لكن طول فستانها قيد حركتها السريعة وأزعجها. وبحركة عفوية ومجنونة صدمت الحضور، التقطت سكيناً حاداً من فوق طاولة الطعام القريبة، وبضربات قاطعة وسريعة، مزقت ذ*ل الفستان الطويل لتحوله في ثوانٍ إلى فستان قصير يمنحها حرية الحركة، ثم ألقت السكين على الأرض وتابعت طريقها للخارج بخطوات واثقة.
على الجانب الآخر من القاعة، كان هناك رجل يقف في الظل، يراقب المشهد بالكامل وعيناه تتسعان ذهولاً. إنه هيثم أغنى رجل في مدينة السهول يعد على رأس قائمة النخبة و أحد أهم عشرة رجال في القارة أسس أول شركة له عندما كان يبلغ من العمر 18 سنة لتواصل الازدهار و يصبح أغنى رجل في مدينة النور
تسمر في مكانه وهو يرى جرأتها، ولأول مرة منذ سنوات، تلاشت الملامح الصارمة عن وجهه الجاد لتتحول إلى ابتسامة مصدومة، هادئة وعميقة. كان ذهوله ممزوجاً بإعجاب سري لم يختبره من قبل؛ فهو الرجل الذي قضى حياته كلها مكبلاً بالبروتوكولات، والخطط المدروسة، والمسؤوليات التي خنقت روحه، وجد نفسه مسحوراً فجأة بتمردها البدائي. لقد شعر للحظة أن هذه الفتاة فعلت بدقائق ما تمنى هو فعله طوال عمره: أن يصبح عفوياً، يضرب بالقواعد عرض الحائط، ويمضي دون أن يلتفت وراءه.
انطلق وراءها بخطوات هادئة وموزونة، مدفوعاً بفضول قاتل ورغبة عارمة في اكتشاف هوية هذه الساحرة المتمردة التي قلبت الحفل وعالم القيود الخاص به رأساً على عقب.
خرج وراءها بخطوات سريعة مستكشفاً عتمة الليل، ليرى طيفها الأحمر يتحرك كشعلة متمردة تحت أضواء الشارع الخافتة. كانت تمشي بزهو وثقة أثارت إعجابه. وقبل أن يتمكن من الاقتراب أو مناداتها، رفعت يدها بحركة انسيابية واثقة لتوقف أول سيارة أجرة مرت بالطريق.
فتحت الباب، ودلفت إلى الداخل دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، لتتحرك السيارة وتختفي بين أزقة المدينة الصاخبة.
وقف هيثم في مكانه، وعيناه تلاحقان أثر السيارة الراحلة. تلمس شفتيه التي ما زالت تحتفظ بتلك الابتسامة المصدومة، وشعر أن فضوله قد وصل إلى ذروته. لقد رحلت المتمردة ذات الفستان الأحمر، تاركة خلفها عطراً نفاذاً وسؤالاً حارقاً سيسيطر على عقله طوال الليل: من تكون تلك الفتاة؟
تسللت خيوط شمس الصباح الباردة عبر شقوق النافذة، لتوقظ رغد من نوم عميق وثقيل كالكابوس. فتحت عينيها ببطء، لتشعر بثقل غريب يجثم على ص*رها. حاولت النهوض، لكن تجمدت الدماء في عروقها عندما التفتت بجسدها؛ على طرف السرير، كان يقبع ذلك الفستان الأحمر المخملي الساحر، لكنه لم يكن كما كان... كان ممزقاً بشكل عشوائي صارخ، وأطرافه مهترئة كأن معركة شرسة دارت بين قماشه المخملي وبين يديّ إعصار متمرد.
لم تكد تستوعب الصدمة أو تفهم كيف وصل هذا الفستان إلى غرفتها، حتى اخترق هدوء المنزل صوت صراخ حاد يأتي من الطابق السفلي. كان صوت جدتها وعمها يملأ الأرجاء غضباً.
نزلت السلالم بخطوات مرتجفة، وقلبها يقرع طبول الرعب. فور أن لمحتها الجدة، صاحت بوجهها وعيناها تتطاير شرراً:
"كيف تجرئين؟! كيف أفسدتِ حفل الشركة بجهلكِ وتصرفاتكِ الطائشة ليلة أمس؟! لقد فضحتِنا أمام الجميع!"
قاطعها العم بنبرة حاقدة وصارمة، وهو يضرب كفاً بكف:
"عقاباً لكِ على ما فعلتِهِ، لن تطأ قدمكِ شركة العائلة بعد اليوم! أحلامكِ بالعمل معنا تبخرت، سنعاقبكِ بحرمانكِ من هذا المنصب تماماً!"
شعرت رغد بالارتباك الشديد، فذاكرتها فارغة تماماً عما يتحدثون عنه، لكن خوفها من مواجهتهم جعلها تبتلع غصتها. شبكت أصابعها ببعضها، وقالت بنبرة مرتجفة تحاول استجماع شجاعتها:
"حـ.. حسناً، لا بأس.. سأبحث عن عمل في مكان آخر."