أمسكها من ملابسها ليرفعها قليلًا مردفًا بـ نبرة خطرة :
- كيف تجرؤين علي صفعي أيتها الحمقاء ؟
هتفت بـ تحدي تنطق به عينيها :
- لأجل وقاحتك أيها الوقح .
هزها بـ قوة و هو يقول بـ شراسة :
- لم تري حتي الآن وقاحة آنسة " ميرل " .
صاحت بـ حنق و هي تض*ب منكبه بـ قبضتها :
- إسمي " ميرال " و ليس " ميرل " يا فاشل .
أطلقت عينيه الشرر و هو يرد بـ إستفزاز :
- لا يهم لأنني لا أعير لشخصك أي إهتماك ، كل ما أعرفه عنكِ هو أنكِ حمقاء قصيرة القامة .
صرخت بـ غضب و هي تدفعه بـ كل ما أوتيت من قوة :
- و أنت وقح و تشبه عمود إنارة الشوارع .
يريد أن يلكمها لكمة ت**ر لها أنفها الشامخ ذلك الذي يثير غيظه أو يقوم بـ صفعها علي فمها المكتنز صفعة قوية حتي تتأدب و ت**ت قليلًا لكن منعه عن ذلك تدخل والده و هو يقول بـ حزم :
- " آمن " يكفي .
ألتفت له بـ تعابير شرسة تستوطن وجهه و هو يتنفس بـ غضب ثم نظر مرة أخري لـ " ميرال " ، رفعت حاجبها له بـ تحدي لـ يزمجر هو غيظًا منها .. تلك المتعجرفة ، سليطة ا****ن ، و قصيرة القامة ، أفلتها بـ عنف لتتراجع عدة خطوات للخلف بـ تعثر و هي تشهق بـ جزع خوفًا من أن تقع ، أشهر إصبعه في وجهها مردفًا بـ وعيد :
- إعلمي أنني لن أدعك و سأخذ بـ ثأري .. تذكري ذلك " ميرل " .
ثم أستدار راحلًا من المكان بـ خطوات واسعة غاضبة ، سبته من تحت أنفاسها بـ غيظ ثم صرخت بـ حنق :
- و أنت إعلم أنني لن أمكث هنا لـ ساعة أخري ، و إسمي هو " ميرال " يا غ*ي .
= هدأتي الآن قليلًا ؟
أردف " ياسر " بـ هدوء ، لـ تلتفت له
" ميرال " مطالعه إياه بـ ذهول كأنها أنتبهت للتو بأنه كان موجود ، إبتسمت بـ خجل و هي تطرق رأسها متشدقة ببعض الحرج :
- قليلًا .
إبتسم لها بـ لطف و هو يطالعها بـ تركيز كبير ، يدرس ملامحها المألوفة جدًا له ، لوح بـ يده قائلًا بـ إعجاب و هو يقوس فمه للأسفل :
- " زُبيدة " رقم إثنان .. تشرفت بـ لقاءك جميلتي ، أنا " ياسر " أكون الأخ الأصغر لـ جدتك " فاطمة " .
ضحكت بـ خفة و هي تقول :
- متأكدة من هذا ، فـ أنت أيضًا تبالغ كـ جدتي في كوني شبيهة " زُبيدة " .
بادلها الضحك و هو يضع يديه في جيب بنطاله القماشي مردفًا :
- بـ التأكيد ستغيرين رأيك بنا بعد دقائق ، و الآن تفضلي الجميع يجلس في غرفة أبي .
تعالت دقات قلبها حماسًا لـ رؤية تلك النادرة الملقبة بـ " سيف الدين " أو " سيڤ " كما كانوا يطلقون عليه منذ آمد ، أصطحبها " ياسر"
للداخل و ما أن خطت داخل الغرفة حتي قُطعت الأنفاس و توقف الزمن بـ النسبة لـ أحدهم ، لا يسمع سوي صوت أنفاسه الثقيلة و صوت جهاز قياس نشاط القلب الرتيب ، و لا يري سوي حبيبته الأولي و الأخيرة تدلف لـ غرفته بـ إبتسامة صغيرة خجولة أنقلبت لـ قلق و جزع فور أن رأت " هدي " المغشاه عليها ، تابعها بـ أعينه الزرقاء القاتمة و هي تركض نحو والدتها لـ تفيقها بـ هلع و هو لا يكاد أن يصدق عينيه ، أهي حقًا علي قيد الحياة ؟
لكن هذا مستحيل تلك التي أمامه شابة في ريعان شبابها تكاد أن تصل لـ أوائل عقدها الثاني ، دقائق كان يتابعها فيها بـ **ت حتي أفاقت " هدي " و أطمأنت عليها لـ يهتف حينها بـ صوت غزاه الشوق :
- " زُبيدة " !
ألتهت في والدتها و نست ذلك العجوز التي كانت متحمسة لـ رؤياه ، رفعت حاجبيها بـ ذهول عندما قال إسم جدتها الكبري تزامنًا مع رفعها لـ وجهها لـ تقابل أعينه الزرقاء الهائجة المتمعنة بها ، نقلت " فاطمة ناظريها بين والدها و حفيدتها بـ تركيز .. فـ الآن بـ التأكيد هو يظن أنها " زُبيدة " ، هتفت بـ هدوء و هي تشير لـ حفيدتها بـ فخر :
- إنها حفيدتي يا أبي .. " ميرال " .
ضحكة خافتة ص*رت منه تبعها إبتسامته المتسعة و هو يقول بـ عدم تصديق :
- " ميرال " !
جذبتها " هدي " من كتفها حتي تدنو منها لـ تقول ببعض الرهبة و هي تحرك بؤبؤيها بـ خوف في المكان :
- ماما طلع عندها حق يا " ميرال " .. لو تشوفي الصورة هتلاقي إنك شبهه " زُبيدة " الخالق الناطق ، دا غير " آمن " دا هو كمان نسخة طبق الأصل من جدي .
زاد ذهولها أضعاف مُضعفة حتي بات جليًا علي ملامح وجهها لـ تتابع والدتها بـ حذر خائف :
- دا مش طبيعي أبدًا .. أنا بدأت أخاف و قلبي مبقاش مطمن للموضوع !
= " هدي " بطلي وشوشة شوية .
هتفت " فاطمة " بـ صرامة و تحذير لـ إبنتها لـ تنكمش الأخيرة علي نفسها بـ حنق و خوف من ذلك الذي يجول بخاطرها ، تمتمت بـ خوف يخالج روحها :
- يا رب أسترها و متطلعش الورقتين دول ليهم دعوة بـ الموضوع .
لم تكن تكترث بهما فور أن رأتهما منذ أعوام في علبة مجوهرات والدتها عندما كانت تنظفها ، ظنت حينها أنه تخريف لأنه كان بـ النسبة لأي شخص كلام غير منطقي ، لكن الآن بعدما رأت
" آمن " إلي جانب تلك الصورة بدأ الشك يتأكلها في كونه هو و إبنتها طرفان في تلك .. اللـعـنة التي تحدثت عنها " زُبيدة " !
***
رأته .. ألتقت به للمرة الثانية في ذلك المكان ، كان مُركز أنظاره عليها كأنه في المكان لـ أجلها ، ظل هكذا دقيقة .. دقيقتان .. ثلاث و هي تتابعه بـ إهتمام حتي أختفي كـ الزئبق ، كـ قطعة معدن أختفت في بئر سحيق !
زفرت بـ تمهل و هي تنزلق علي سريرها ، يمكن أن تكون صدفة لا أكثر و يمكن أن تكون لا ، لكن الأحسن لها الآن أن تكف عن التفكير به و تشغل عقلها بـ شئ آخر غير ذلك الضابط المختل و الغامض .
أحاطت نفسها بـ شرود و قد أتخذ عقلها حينها ميعاده اليومي لـ يقوم بـ " تقلبة المواجع " عليها حيث يقوم بـ تذكيرها بـ أيامها مع خطيبها السابق و زوج شقيـقتها الحالي ، حكايتها كانت تُشبه حكاية أميرة أو كل بطلة رواية .. تعيش أجمل أيام حياتها مع حبيبها ثم بسرعة تتحول أيامها لـ مأساه بسبب دخول عنصر ثالث في الحكاية و ياللكارثة إن كان عنصر أنثوي ، و قد كان فعلًا .. لن تقول أنها لم تتوقع و أنها تلقت ض*بة في ال**يم من شقيقتها الوحيدة و هكذا مثلما تفعل البقيات لكنها تعترف بـ أنها كانت تتوقع لحظة مثل تلك من تأليف و إخراج
" أمجاد " .
الإستراتيجية الأولي تقربت من " رامز " بـ شكل ملحوظ ، الإستراتيجية الثانية قالت الأكاذيب و الأهاويل في حقها حتي أظهرتها شيطان متجسد علي هيئة إنسان ، أما الإستراتيجية الثالثة فـ كانت إظهار نفسها كـ الملاك البرئ الذي يحاول إصلاح عيوب شقيقتها حتي تكتمل زيجتها .. و هو صدقها ، كان ضعيف حتي يقاوم أو يحاول إصلاح تلك العيوب الوهمية ، كان حبه لها هش لـ درجة أنه لم يحاول حتي أن يتخطي أول عقبة في طريقهم .. لم يكن مثل أبطال الروايات يحارب و يثابر حتي يظفر بـ حبيبته ، بل كان كـ بطل من ورق ليس له قوة و لا روح للمحاربة ، حركة صغيرة من شخص ما يمكن أن تمزقه ، تقطعه إلي أشلاء ، تركها بـ كل بساطة و ذهب إلي مكان لا تعلمه ، صرخت و بكت و توسلت له بـ أن يبقي لكنه لم يرمش له جفن .. لم تنل حتي ذرة شفقة منه تُبقيها علي قيد الحياة ، جعلها تعيش أشهر في حالة إكتئاب و إنفصال عن الواقع بسبب تركه لها ، تعذبت نعم ، تألمت نعم و لكن قلبها الذي تحطم لـ أشلاء صغيرة كان جزء صغير منه يُناديه يناجيه بـ أن يأتي .. تعلمون و بدون مبالغة إنه لأمرٌ طبيعٌي لـ فتاة أحبت بـ كل جوارها ، فتاة تخلت عن الكرامة و الكبرياء لـ أجل الحب ، عشقت و أخذت تعطي و لم تكترث بـ الأخذ ، أحبت رجل من قلبها .. أحبت رجل من ال**يم !
عدة أشهر أخري و عاد و كانت فرحة كُبري لها تزينت كـ عروس بـ ليلة زفافها و أرتدت أجمل و أثمن ما عندها و خرجت له .. لـ تتجمد ضحكتها و تغيب تزامنًا مع غياب شمس ذلك اليوم ، لـ تتلبد مشاعرها و تصبح متلبدة المشاعر ، لـ تُقتل روحها و يبقي جسدها هو الشارد في الدنيا ، عاد نعم لكن عاد لـ أخري و أي أخري ، عـاد لـ " أمجاد " بـ دون خجل أول إحراج يطلب شقيقتها من أبيها ، يضع يده في يد والدها للمرة الثانية لكن تلك المرة ليست عليها بل علي مُهلكتها و مُدمرة كيانها ، لا تستطيع نسيان تلك النظرة الشامتة في أعينها عندما كانوا يقرأون الفاتحة ، لم تهتم لـ مشاعرها و لا لـ لإحساسها .. كأنها أقتنصت فرصة طلبه لها تهرول موافقة و بـ الطبع والدها لم يرفض و كيف و لا و هي بكريته .. حبيبته و مدللته الأولي " أمجاد " فـ حسم الأمر و وافقت علي خطيب شقيقتها السابق ، تلك اللحظة تغيرت لـ أخري تغيرت لـ " سديم " ، فتاة ذات قلب أ**د .. كئيبة .. كارهه للكل حتي بما فيهم والديها ، أصبحت علي ما هي عليه ، أصبحت شبح أ**د يركض خلف السعادة و لا يقوم بـ لحاقها .
- بـس كـفـاية !
صرخت بـ عذاب و هي تضغط علي رأسها علها تتوقف عن تذكيرها بـ تلك الذكريات السوداء ..
***
تسير علي الرصيف بـ محاذاة البحر و هي تضع يداها في جيب بنطالها الواسع المخروق بـ ما يُعرف بـ البنطال الـ " بوي فريند " و هي تبتسم بـ نعومة ، أخذت نفس عميق من رائحة البحر القوية ثم جلست علي إحدي المقاعد المرتفعة بـ جانب " بئر مسعود " ، رغم إزدحام المكان حولها بـ الوافدين علي المكان إلا إنها لـ حٍد ما تحب الإزدحام .. تعتبر الناس ونس في الحياة فـ هي تسير بـ مثل " الجنة من غير ناس ما تنداس " !
هب بعض النسيم الصيفي علي المكان لـ يداعب خصلات شعرها و وجهها الصافي لـ تغمض عينيها بـ إستمتاع حقيقي و هي تبتسم بـ إتساع .
- إلا القمر منين في إسكندرية ؟
فتحت عيناها بـ صدمة و ذهول من ذلك المتحدث الوقح ، و الأدهي أن يقف أمامها بـ كل وقاحة ينتظر الرد و هو يحدجها بـ أعين ماكرة ، هبطت من علي الرصيف لـ طالعته من أعلاه لـ أسفله بـ نظرات غاضبة و حانقة ثم هتفت بـ نبرة
" ردح " أصيلة و هي تلوح بـ بيدها في الهواء :
- القمر من المجموعة الشمسية يا روح أمك !
رفع حاجبه مغمعمًا بـ إبتسامة صغيرة :
- اله اله اله ، مع إنك شكلك بنت ناس بس طلعتي شلأ و أنا الصراحة بـ موت في الشلأ .
حسنًا تعترف الآن أنها وضلت لـ أقصي مراحل غضبها فـ هو يهينها و يغازلها في نفس الوقت لا تعلم أي عتهه هذا لكنه قادر علي إزعاجها و إغضابها ، تن*د بـ هدوء مصطنع ثم أنحنت ملتقطه حذائها من قدمها متمتمة بـ هدوء :
- مش كنت تقول كدا من الصبح يا عم ؟
أنتصبت فجأة واقفة ثم أنهالت عليه بـ الض*بات الموجعة من حذائها الثقيل وسط تهليلات الجمع الغفير المتجمع حولهم !
_ يُتبع _