الفصل الاول
نهارا ...
جالسة فى إحدى الملاهى على وجهها إبتسامة صغيرة تراقب صديقتها مع إبنتها الصغيرة وهى تركب تلك اللعبة ٫تراقب تلك السعادة التى تتشاركها الأم مع إبنتها ٫ رفعت نظارتها الشمسية لأعلى لتأخذ كوب العصير ترتشف منه لتتنهد مبتلعة تلك الغصة التى تتجاهلها ٫ وذلك الخوف المصاحب بألم أن تعيش بمفردها ٫ لقد تخطت الثلاثون منذ أربعة سنوات ورغم نجاحها فى عملها إلا أنها تعيش وحيده مبتعده عن عائله أبيها بالصعيد وعائلة أمها هنا ٫ نعم كان ذلك إختيارها منذ ما حدث بالماضى ليصبح كابوس أن تموت بمفردها فى الفراش دون أن يشعر بها أحد أصبح هاجسا إلا أنها تفضل كل هذا على أن تعود وتعيش بمن تلطخت إيديهم بالدماء وكانوا سببا فى أن تفقد أختها الصغيرة ٫ يالله كم تشتاق لملاكها ٫ (ملوك ) الطفلة الجميلة التى كانت تنشر البهجة وسط العائلة ٫تلك البهجة التى إختفت بإختفائها ٫ وقتها كانت بالجامعة فى عامها الأول هنا بالعاصمة وما أن عرفت الخبر وبعد شهور من البحث عنها خاصة وبعدما علمت السبب تراجعت عن قرارها بأن تعيش مع عائلة أبيها وأقسمت أن لا تعود وبقيت مع والدتها رغم أنها لن ولم تكن رغبتها ٫افاقت من تلك الذكرى على صوت صديقتها هدى : ليتلك ركبتى معانا تلك اللعبة
الفتاة الصغيرة وهى تبتسم فرحا : لقد كانت رائعة ..شعرت وكأننى أطير
إبتسمت شيماء وهى تجذبها لتقبلها : أنا من سأطير من فرط حبى لك
جلست هدى لتطلب الصغيرة أن تشترى حلوى فأعطتها هدى النقود لتذهب فنظرت شيماء للساعة لتقول هدى : هل لديك موعد أم ماذا ؟
شيماء : لا .. فقط حكم العادة
نظرت لها هدى طويلا لتقول: إلى متى !؟
شيماء : إلى متى ماذا ؟
هدى : تلك الوحدة التى فرضتها على نفسك
أخذت شيماء العصير لترتشف منه : تقصدين الراحة التى فرضتها على نفسى
هدى : شيماء من تخدعين !! أحقا تظنين أننى لا أشعر بك ...برجاءا توقفى عن تدمير نفسك
أشاحت شيماء عينيها وعلى ما يبدو أن هدى قد ضغطت على جرحها وآن الأوان فعلا أن
تتخلى عن عنادها ٫هى فعلا تعبت من وحدتها تريد أن تضيف لحياتها معنى وطعم ٫فتننهدت قائلة : أنا فعلا تعبت .. أريد أن ارتاح
إبتهجت هدى : حقا ..إذن ستقابلين ذلك الرجل وإن شاء الله خير
إبتسمت شيماء قائلة : تمهلى ..تمهلى ..من قال هذا ...نعم أنا أريد جديدا فى حياتى ولكن ليس بطريقتكم
بدى على هدى البلاهه : لا أفهم
شيماء : حسنا ..انا أريد طفلا أعيش معه ولأجله... لكن الطفل فقط
إتسعت عيناه هدى من الصدمة : أخبرينى أنك لا تقصدين الحرام
مطت شيماء شفتيها بزنق : بالطبع لا يا صاحبة عقل العصفور
هدى : إذن تقصدين ..الحقن المجهرى لتكونى أما عزباء
تأففت شيماء : أووووف ...لا وتوقفى عن تلك الإستنتاجات ..أنا سأتزوج لأجل الطفل فقط فهمتى
رفعت هدى حاجبيها بترقب : أى بعدما تصبحين حامل
اكملتها شيماء : نعم سأتطلق ..سيكون هذا شرطى من البداية
هدى بسخرية : ومن المغفل الذى سيقبل بذلك
شيماء : كثيرون ..لا تقلقى من تلك الناحية
قالتها وهى تنظر لساعتها مرة أخرى : الآن ...يجب أن أذهب
هدى : إلى أين ؟
أخذت حقيبتها ووضعت نظارتها : البنك ....
................
البنك .....
دخلت شيماء مكتبها لتجد إستاذ محمود ينتظرها ٫ ذلك الرجل الذى إقترض من البنك ليفتتح ورشة كبيرة لإنتاج الأحذية ولكن على ما يبدوا أن مشروعه قد خسر ليتراكم عليه أقساط البنك ٫ وضعت حقيبتها لتجلس على مكتبها : مرحبا أستاذ محمود
كان الرجل يبدو عليه الأرهاق ليرد : مرحبا
شعرت بالإشفاق عليه فما ستخبره به سيكون سخيفا كما يلزمها عملها فتنهدت قائلة : هل تشرب شيئا ؟
رسم الرجل إبتسامة : لا ...شكرا لك
تنحنحت قائلة : حسنا ...ما سأخبرك به سيكون سخيف
قطعها قائلا : أعلم أننى تأخرت فى تسديد الأقساط ولكن رغما عنى ..يجب أن تقدورا الوضع
شيماء : القوانين كانت واضحه وأنت وافقت عليها.. التأخير يستدعى أن نحول الأمر للنيابة
حاول محمود تمالك اعصابة ليفرك رأسه : أنا خسرت وكل ما أريده فقط مدة معينة حتى أستطيع أن اقف على قدمى من جديد
اجابته : ما أستطيع فعله هو تأخير الأجراء فقط أسبوعا ..غير ذلك ..حقا لا أستطيع
محمود برجاء : يا أستاذة أنا لدى طفل إذا حدث لى شيئا سيؤثر على مستقبله .. فقط أريد على الأقل شهر حتى أتدبر أمرى
صمتت قليلا وإنتابها فضول لتقول : كم عمر طفلك ؟
محمود : خمسة أعوام ويعيش مع أمه
أخفضت عينيها كعادتها دوما حين تفكر فى امرا ما لتقول : يعنى أنك منفصل ؟
اجابها دون إهتمام : نعم
هنا نهضت شيماء لتلف حول المكتب لتجلس امامه تنظر له قائله : أستاذ محمود أنا لدى حل لمشكلتلك أو بمعنى أصح إتفاق
قال : أتفاق ماذا ؟
شعرت بالتردد قليلا ولكنها حسمت أمرها فأرجعت ظهرها لتضع قدما فوق الأخرى لتمسح كفيها كعادتها لتخف من التوتر الذى تشعر به لتقول : قبل أى شئ ..ذلك الإتفاق سيكون بينى وبينك فقط ..
ظل صامتا فقالت بثقة وبطريقتها التى إكتسبتها من تلك المهنة وهى العرض بطريقة محترفة : انا سأتكفل بأمر المدير وسيكون معك فترة ستة أشهر إلى عام
عقد محمود حاجبيه : لا افهم ..أى معنى ذلك أن الفوائد ستزداد
قالت وهى تنظر لعينه تترقب : لا ...انا من سأتكفل بها
محمود : ولما تفعلين ؟ ..ما المقابل بمعنى أصح ؟؟
الأمر ليس بهين حقا ٫ نعم هى قوية وصلدة ولكن تظل إمرآه وتخجل تغالبت علي ما تشعر وهى تضغط على أصابعها : نتزوج أنا وأنت
رفع محمود حاجبيه : عفوا
أنزلت قدمها لترفع الاخرى : كما سمعت ..نتزوج أنا وانت وبعدما أحصل على طفل ..نتطلق
لحظات ظل محمود صامتا حتى إبتسم لينقلب الامر معه لضحك ليقول : أنتى تمزحين أليس كذلك
بصعوبة إبتلعت غصتها تركز فقط على الهدف الذى تريده لتقول : لا ... أنا إريد طفلا ومعى نقود وأنت تريد نقود ومعك طفل أى أنها منفعة متبادلة
تراجعت إبتسامة محمود وهو يشعر الجدية فى لهجة المرأة فقال : منفعة متبادلة !!!!
ثم أغمض عيناه يحاول أن يستوعب : هل ما فهمته صحيح !!
ظلت جامدة جادة : نعم ..انا اريد طفلا واطمئن لن تكون مسئولا منه ..انا من سيتكفل بكافة مصاريفه وبالطبع لن أحرمك منه
ظل ينظر لها بصدمة لتكمل هى : مقابل هذا سأعطيك المال الكافى لتقف على قدميك وسأدد أنا أقساط البنك حتى تستطيع أنت ذلك ...معك حتى موعد البنك الأسبوع القادم
هنا وقف محمود وأكتفى بكلمة واحدة : أنتى مجنونة
أغمضت عينيها لتجيب بهدوء : لن أخذ جوابك حتى الموعد القادم
ضرب كفا وذهب لتتنفس هى الصعداء لا تعلم أتندم على ما فعلت أم تخجل مما فعلت ...
___________
الاستوديو...
أنهت أيات الحلقة بإبتسامتها المعهودة ليعلو التصفيق المكان فوقفت تصافح ضيفها الضيف المشهور كما هو معتاد فى حلقة كل اسبوع الذى تقدمة فى برنامجها وقبل أن تتوجه لغرفتها بالمبنى توجهت عينيها مباشرة لذلك الشاب بين الحضور والذى لم يكن سوى فارس مدير أعمالها ٫ رأت تلك النظرة المعهودة منه منذ أن عمل معها منذ شهرين وكأنه يخبرها كما هو فخورا بها ٫ ورغم نجاحها الكبير وشهرتها الواسعة إلا انها باتت تطمئن بتلك النظرة ٫ نعم تعلم إنها حماقة الحب الذى يتبادلانه بصمت إن صح ظنها بأنه يكن لها المشاعر أيضا ولكن متى يعترف ٫ إنها حقا تحتاج لوجوده فى حياتها تحتاج لذلك الدفئ وأن تغرق فى تلك المشاعر الجميلة .. خرجت من المبنى لتجده ينتظرها أمامه
فقالت : ألم تذهب ؟!
إبتسم قائلا : أود الإحتفال معك ..تلك الحلقة ستكون حديث الناس لأيام حين تعرض
إبتسمت قائلة : لا تبالغ
إنحنى ينظر لعينيها : أتراهنين !!
إحمرت وجنتيها خجلا رغم أنها لم تشيح عينيها ٫ خليط هى نادر ذو مذاق لكل من يعرفها ٫ فبحكم عملها الذى أعطها جرأه واضحه إلا أنها مازالت تحمل الصفات المناقضة لذلك فمازالت شابة صغيرة لم تتجاوز الثلاثون بعد من عمرها ٫ وتجاربها الحياتية محدودة برغم الإنفتاح الذى من المفترض أن تعيشة بحكم مهنتها إلا أنها على عكس ذلك ٫ تنهدت قائلة بغرور مصطنع : وما الجديد ... أنا اعتدت على ذلك
نظر لها بطرف عينيه : مغرورة
ضحكت ليشاركها الضحك ليقطعهم إحدى العاملين فى المبنى : أنسة أيات مدير المحطة يريدك فى شأن هام
تعجبت وهى تفتح حقيبتها لتخرج هاتفها : ولما لم يتصل
لتكتشف أن هاتفها غير موجود : هاتفى ليس هنا
قال فارس : ربما نسيتيه بالأعلى
قالت : ربما ..حسنا سأصعد وأرى
ذهب معها ٫ بحثت بغرفتها فلم تجده لتعود لأستوديو التصوير للتفاجئ بورود حمراء و تصفيق من جميع العاملين تقريبا وهى لا تفهم حتى إستوعبت ما يحدث حين ركع فارس على ركبتيه يعرض عليها الزواج ٫ شهقت ليبتسم فرحا حين قال : هل تتزوجين بى ؟
ترقرقت الدموع فى عينيها لتومئ برأسها وهى تمد يديها ليضع الخاتم بها ٫لينهض معانقها وسط تصفيق حار وصفيرا ٫ ووسط تلك الاجواء الرومانسية ودقات قلب أيات التى لم تكن تسمع سواها كان فارس لا يسمع صوت داخل اعماقه بأنها سيجعلها تبكى دما بل الدموع لأنها وافقت على الزواج منه بل ستلعن اللحظة التى رأته فيها ٫ فقد أخذ القرار منذ زمن وسينتقم منها على ما فعلته به وبحبيبته ....
___________
يقود سيارته بصمت رهيب عكس ما كان يحدث داخله ٫ ضجيج تلك الليله التى لم ينسها يوما ٫مقتل أخته وغضب العائلة وتخطيطه للإنتقام الذى لم يكن سوى العلاج ليحتمل النيران داخله وتختفى كوابيسه وترقد أخته بسلام ٫ أخذ نفسا عميقا وأطلقه ببعض الراحه وهو يختلس نظرة لقوت الجالسه جواره لا تعلم ما حدث وما سيحدث لها بعد وصولهم ٫ شعر بتأنيب ضمير وصوت داخله يخبره ما الذنب الذى إقترفته !!
فوقت ما حدث لم تكن تبلغ سوى ثلاثة أعوام من عمرها ٫ لم تكن سوى طفلة جميلة يشترى لها الحلوى حين كانت تخرج مع جابر ٫ إشتدت يداه حول عجلة القيادة ليخفض ذلك الصوت بصورة أخته وهى غارقه فى دمائها ٫ أخته أيضا لم يكن لها ذنب ٫ إقشعر بدنه على صوتها الخجول : عفوا ..ولكن هل إقتربنا ؟
المسكينة تسأل على إقتراب المكان ولا تعلم إنها تسأل عن إقتراب موتها ٫أجابها بجمود : أوشكنا على الوصول ....
أوقف السيارة أمام البيت ٫ قلبه يقرع كالطبول ٫ينظر أمامه وصوت يأتى من اعماقه يأمره بأن يغادر حالا فإن نزلا من السيارة لا مجال للتراجع أو العوده ٫ نظر لقوت جواره ٫الفتاة عيونها لا تفهم ولا تترجم نظرته ٫ عاد ينظر أمامه وصور متلاحقه وهو يلاعبها وهى صغيرة وأخرى لأخته ٫ ضجيج يعلو من دقات قلبه وصراخ اخته وهى تستغيث به وبكاء قوت حين خطفها ٫ إختنق وإختنق حتى فتح باب السيارة وخرج يلتقط أنفاسه بصعوبة ٫ ليفك ازرار قميصه ٫شعرت قوت القلوب بالريبة ٫يبدو أمامها وكأنه يختنق ٫ترددت قليلا ولكن بالاخير نزلت هى الأخرى إلتفت حول السيارة لتقف امامه تسأله بقلق : هل أنت بخير ؟
نظر لها طويلا والصراع داخله يزداد حتى أفاق على صوت والده : براء
إنقبض قلبه بشده خاصة حين إلتفتت قوت لمصدر الصوت ٫ نظر أبيه لقوت ثم عاد ينظر له وعيناه تسأله ٫هل هى الفتاة المقصوده ؟؟
ليقطعهم صوت الخادمة وهى تستغيث :
السيدة رحيل تنزف
هنا تحرر براء من ضجيج افكاره وحيرة الإختيار ليسرع للداخل يرى زوجته ٫
تاركا قوت أمام والده .......