المقدمة والفصل الأول من ظلال العشق بقلمي حنين أحمد
(مقدمة)
تبرعت بالذهاب للبحث عنه لتناول العشاء علّها تحظى ببضع
لحظات معه.. كانت تعلم أنه مع تلك المرأة يجل**ن بالحديقة
بإحدى مشاهدهما العاطفية التي تؤلم قلبها, وكلما رأتها تلك المرأة
تُظهر لها كرهها بشكل لا يقبل الجدل أبدا..
حاولت أن تتحاشاها ولكن الأخرى كانت لها بالمرصاد, تُسمِعهَا
من الكلمات ما يمزّق قلبها ويهدر كرامتها..
تحاول التمسك بآداب الحديث التي نشأت عليها بمنزل عمها
ولكن تلك المرأة لا تدخر جهدها لتُخرج أسوأ ما بداخلها..
أخيرا وجدتهما يجل**ن بالقرب من المسبح, كانت تجلس بأحضانه
بكل ما للكلمة من معاني.. حاولت تجاهل ما رأته مقنعة نفسها أنه
ليس لها الحق بالشعور بالألم أو الاحتجاج على ما يفعلانه..
اقتربت منهما ببطء كأنها تقاد إلى الذ*ح وهي تبتلع غصة
استحكمت بمنتصف حلقها..
همّت بمناداته ليصيبها الخرس عندما سمعتهما يتحدثان عنها!
كلمات قليلة شطرت قلبها الفَتِيّ إلى نصفين, كلمات جعلتها تفر
هاربة قبل أن يلاحظا وجودها بالقرب منهما,دلفت إلى المطبخ
بخطوات متعثرة وبكلمات قليلة أخبرت والدته أنها لم تجده في
الجوار ثم انسحبت وهي تتعلل بقلق خالتها عليها لتأخرها..
خرجت تُخفي ألمها وحزنها وجرح قلبها, خرجت تكبح دموع
عينيها ودموع قلبها تأبى التوقف عن الهطول..
وقررت الهرب ووضعت القرار محل التنفيذ رغم أن ذلك يؤلم
قلبها.. رغم أن روحها تعاني في ابتعادها عن كل أحبابها..
ورغم أنها لم تكن يوما ممن يفضلن الهرب..
ولكنها هربت..
فقد توقف قلبها عن التوسّل إليها لتظل قريبا ممن عشقه وبدأ
العقل في إصدار الأوامر واتخاذ القرارت بالابتعاد عن الجميع وأولها
هو..
وعقلها أخبرها أن تهرب بعيدا علّ البعد يداوي جروح قلبها..
وهربت.....
طوال سنوات استمرت بالهرب مبتعدة عن كل ما يذكرها به..
تحاول أن تقنع نفسها أنها نسيته وأنه كان مجرد لمحة من لمحات
المراهقة..
فهل ستعود الهاربة أم ستظل مستمرة بهربها للنهاية؟!
*****
(الفصل الأول)
بعد اثنتي عشرة سنة
خرجت من سيارتها الصغيرة ووقفت تستند عليها وهي تتأمل الحي
الذي غادرته منذ سنوات طويلة هاربة من جرح قلبها..
نظرت إلى منزل عمها وابتسمت, يبدو أن خالتها استطاعت أخيرا
أن تقنع عمها أن يقوم بتجديده..
وفكّرت أن خالتها هي من تفوز دائما بالنهاية مهما تمنّع عمها عن
فعل ما تريده..
رغما عنها وجدت عينيها تتجهان للمنزل المجاور, نبض قلبها بقوة
وارتجفت عندما رأت خيالا يرتكز على جدار الشرفة الأمامية
وفكرت هل ما زالت تلك عادته عندما يجافيه النوم؟!
يجلس بالشرفة يرتشف كوبا من القهوة التركية التي يعشقها والتي
عشقتها هي لأجله..
ألم تغيّر زوجته العزيزة عاداته؟
ألم تجعله يكف عن كل ما كانت تشاركه هي إياه؟!
عضّت على شفتيها وقلبها ينبض بعنف وهي تحاول إشاحة بصرها
عنه ولكنها لم تستطع فأغمضت عينيها حتى تجبرهما على التخلّي
عن عشقهما القديم..
عنّفت نفسها بقوة وهي تهتف داخلها:"كفى سجى,كُفِّي عن
ذلك.. فلم تعودِ تلك المراهقة الغ*ية التي وقعت بحب جارها
الوسيم المغرور.. لقد أصبحتِ امرأة ناضجة في السادسة
والعشرين ولد*كِ عمل خاص بكِ فانسي خيالات المراهقة
الساذجة وركّزي بحياتك التي عملتِ جاهدة لتبنيها"
زفرت بقوة وهي تجبر نفسها على التقدم من منزل عمها الذي
غادرته وهي في الرابعة عشرة من عمرها..
دلفت من بوابة المنزل الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان والحب,
والذي غادرته بلحظة ضعف هاربة من ضعفها الخاص هربت
لتداوي جراح قلبها الصغير المجروح لتواجه أشياءا لم تكن تخطر
ببالها أبدا..
قرعت الجرس ليتناهى إليها صوت مرح ابنة عمها وهي تتسابق
على الدرج مع مهاب شقيقها كعادتهما كلما قُرِعَ جرس المنزل..
ابتسمت بحنين وهي تفكر أنهما لم يتغيرا لازالا يشا**ان بعضهما
البعض, لازالا قريبان من قلبها رغم السنوات التي قضتها بعيدا
عنهما بالإكراه..
فقد مُنِعَت حتى من التواصل مع عمها وخالتها وأولادهما,
حُرِمَت من التواصل مع كل البشر الذين عرفتهم طوال أربعة
عشر عاما أو بمعنى أدق حُرِمَت من مص*ر السعادة بحياتها كما
حُرِمَت من أشياء أخرى كثيرة..
لم تترك نفسها للذكريات المريرة فهي قد خرجت من طوقها منذ
زمن طويل ورغم ذلك لا تستطيع منع المرارة التي تشعر بها كلما
تذكرت ما عانته طوال السنوات السابقة والتي قضتها بعيدا عن
منزل عمها وخالتها..
أجبرت نفسها على التوقف والعودة من مرارة الماضي والتركيز
على الحاضر والمستقبل فقط..
وابتسمت وهي تسمع صوت مهاب ابن عمها والوحيد الذي
يعلم بحضورها الليلة.. مهاب لم يكن فقط ابن عمها وخالتها الذي
يكبرها بعام واحد بل كان أخيها بالرضاعة أيضا, كان الأخ الذي
تمنّت الحصول عليه, كان أقرب لها من مرح شقيقته والتي
تصغرها بعامين..نشأت بينهما وتشبعت بحبهما واهتمامهما
لتغادرهما هاربة وينقطع التواصل معهما بالإكراه في أشد الأوقات
احتياجا لهما..
ومن خلف الباب سمعت صوت مهاب ينهر مرح عن فتح الباب
وهو موجود فابتسمت لتلك الذكرى التي أبت أن تغادرها بعد كل
تلك السنوات..
فكلما كانت تتعالى الطرقات على باب المنزل كان يتعالى صوت
الشجار بين مهاب ومرح, فهو يأبى أن تفتحه أيا منهما وهو
موجود..كانت سجى تطيعه بمحبه وحنين إلى شقيق مثله يحنو
عليها ويكون سندها وحمايتها وأمانها.. ولكن مرح كانت تتذمّر
دوما من تحكماته فكان صوتها يرتفع بالاعتراض على الفور ووقتها
يبدأ الشجار تاركين من بالباب يتملّكه الملل حتى تنقذه سجى
وتفتح له..
غامت عيناها وهي تتذكر ذلك اليوم رغما عنها عندما تعالت
الطرقات على بابهم لتنقلب حياتها بعدها رأسها على عَقِب..
وقتها كانت قد أتمّت للتوّ الرابعة عشرة من عمرها وكالعادة
تركتهما يتشاجران وذهبت لفتح الباب لتتجمد عندما شاهدته
و....
أغمضت عينيها تلك المرة بقوة رافضة انسلال الذكريات
إلى عقلها كالأفعى التي تنسل خِفية بين جدران المنازل!
وبتلك اللحظة فُتِحَ الباب ليظهر مهاب بقامته التي استطالت
كثيرا عن ذي قبل وهو يواجهها بابتسامة ومن خلفه مرح التي
تسمّرت مكانها من المفاجأة..
ضمّها مهاب بحنان وهو يسألها لِمَ تأخرت فأخبرته أنها مرّت على
بضعة أماكن قبل حضورها إليهم.
أما مرح فقد تلقّت منه لكزة وهو يهتف بها:
"ماذا حدث لكِ ياذات ا****نين؟ أين ل**نيكِ الآن؟"
وكأنه أفاقها بسخريته فانقضت على سجى تضمها وتقبّلها وهي
تبكي وتهتف:"كنت على يقين أنكِ لن تتركيني بمفردي وقت زفافي سجى"
هتفت سجى بمرح:
"ما بكِ مرح أصبحتِ عاطفية كثيرا هل كل ذلك تأثير حمزة؟"
ابتسمت مرح من بين دموعها وقبل أن تتحدث وجدت والديها
يلحقان بها عندما سمعا اسم سجى..
في لحظة كان عمها يضمها بحنان بالغ جعل الدموع تقفز لعينيها
وهي تفكر..
(لم أجد في منزلك وبين أحضانك سوى الحنان والحب والأمان
عمّي, لِمَ لم يكن شقيقكَ مثلك؟)
وفي اللحظة التالية..كانت خالتها تنتزعها من بين ذراعيّ عمّها
لتدفنها بحضنها هي والدموع تنهمر على وجنتيها..
تتمتم بخفوت:"حمدا لله الذي جعلني أراكِ قبل أن تسلم روحي إلى
بارئها ابنتي, حمدا لله"
كبحت دموعها بقوة وهي تمزح مع خالتها :
"من الواضح أن حمزة قد أثّر على الأسرة بأكملها,ما بال
دموعكن أصبحت قريبة؟"
قال مهاب بحب:"لقد افتقدناكِ كثيرا سجى"
سجى مازحة:"كفى مهاب وإلا ستغار زوجتك كما كانت
تفعل منذ سنوات عديدة"
ضحك مهاب عاليا وهو يرى رقية التي احمّر وجهها من الخجل
والغيظ معا وهي ترمق سجى بغيظ مضحك وتهتف:
"ألا زلتِ تذكرين سجى؟ حسنا اعترف أنني كنت غ*ية"
ضحكت سجى وهي تقول:
"لا حبيبتي لم تكونِ غ*ية بل كنتِ عاشقة"
وأتبعت قولها بغمزة من عينيها وهي تتابع:"وأتمنى أن تكونِ لازلتِ
كذلك.. فأنا لست طيبة كخالتي ولا بلهاء كمرح, لو علمت
أنكِ أغضبتِ أخي يوما فلا تلومي إلا نفسك"
ضمّها مهاب بفخر وهو يهتف:
"لقد جاءت أختي التي ستأخذ بحقي منكِ رقية"
وكزته رقية بجنبه وهي تهتف:"وماذا فعلت لك سيد مهاب؟"
مال عليها مهاب هامسا:"سرقتِ قلبي ولم أستطع استرداده يوما"
احمرت وجنتيها وهي تشيح بوجهها عنه فيما تعالى الضحك
والمزاح بينهم وسجى تنظر إليهم بسعادة وتهتف بداخلها:
"لقد عدتِ إلى مكانك الطبيعي سجى, أنتِ بخير وبأحضان
عائلتك أخيرا, لن يخيفك أو يؤذيكِ أحدا بعد الآن!"
*****
دلفت إلى غرفة مهاب التي أصبحت غرفتها كما أخبرتها خالتها
بعدما انتقل مهاب للطابق الأعلى عند زواجه منذ ستة أشهر..
ابتسمت بسخرية وهي تفكر كم كانت تدلف إلى غرفته خلسة
حتى تشاهد حلمها الأ**ق من الشرفة فغرفة مهاب تقابل
غرفته..وها هي بعد كل تلك السنوات تقطن في تلك الغرفة التي
حلمت مرارا أن تقطن بها فقط من أجله, حملت الغرفة ذكرى
الاهتمام الوحيد الذي حظيت به منه منذ اثنتي عشرة عاما عندما
فتحت الباب لترى .... "والدها"
ذلك الوالد الذي تعرفه جيدا من مذكرات والدتها الراحلة!
تراجعت إلى الخلف بخوف ليعقد هو حاجبيه في استياء ظاهر وقبل
أن تنطق بكلمة وجدت من يسألها:"هل أنتِ بخير سجى؟"
رفعت عينيها لمص*ر الصوت الذي طالما غزا أحلام يقظتها قبل
نومها لتجده ينظر إليها باهتمام ربما للمرة الأولى على الإطلاق
وقبل أن تجيبه وجدته يدلف إليها ويمسك بذراعها ويضعها خلفه
في حمائية كادت تتسبب في توقف نبضات قلبها من السعادة..
وهو ينظر إلى والدها ويسأله:"من أنت؟ وماذا تريد؟"
لتجيبه من خلفه بصوت خافت:"إنه والدي"
التفت إليها بدهشة وهو يسألها:
"والدك؟! هل هو على قيد الحياة؟!"
أجابه والدها بسخرية:"كما ترى"
انقطعت الذكرى بالإعصار الذي اجتاح الغرفة ولم تكن بالطبع
سوى مرح..
" أين ذهبتِ يافتاة؟"
"يا إلهي مرح.. ألا زلتِ تنقضّين على الغرفة هكذا دون أن تنبّهي
ضحيتك؟ كان الله بعون حمزة ستصيبينه بسكتة قلبية بالتأكيد يوما
ما"
هتفت بها سجى وهي تضع يدها على قلبها بدراما مرحة لتجيبها
مرح عابسة:"يبدو أنني سأكون مزحة العام"
ضحكت سجى وهي تضمها إليها قائلة:"لا ليس كل العام حتى
تتزوجي فقط حبيبتي, يا إلهي مرح لا أصدق أنك ستتزوجين حمزة
من بين كل الناس"
أجابتها مرح بحالمية:"ولا أنا أصدق.. أخيرا سجى أخيرا تحقق
حلمي وسأزف لحبيبي"
"حسنا.. حسنا.. قبل أن تشردي في مغارات العشق دعيني أعلم
ما الذي ينقصك حتى نرتب مواعيدنا ونقوم بشراء كل مايلزم قبل
موعد الزفاف"
وقبل أن تجيبها مرح علا رنين هاتفها لتهتف برعب ضاحك:
"يا إلهي لقد نسيت مهاتفته تماما.. سيقتلنى حمزة بالتأكيد"
قهقهت سجى وهي تدفعها إلى خارج الغرفة وهي تهتف:
"حسنا اذهبي لتُقتَلِي بغرفتك حتى أبدل ملابسي ونبدأ بحصر كل
ما ينقصك يافتاة"
سمعت صوتها وهي تهم بغلق الباب تتوسله الغفران أنها نسيت
مهاتفته واتخذتها حجة لنسيانها..
فهزّت رأسها ضاحكة وهي تتمتم.."لن تتغير مرح مهما نضجت
ومهما مرّت السنون"
علت تنهيدتها وهي ترتب ملابسها بالخزانة وتساءلت..
تُرَى هل ستشعر يوما بذلك الشعور؟
هل سيقع بحبها رجل ينسيها العالم بأكلمه؟
هل سيتحقق حلمها بوجود واقع أفضل من كل خيال عاشته؟
أم ستظل دوما تتعلق بظلال عشق قديم؟!
******
نهض مبتعدا عنها وهو ينظر لها باستياء ظاهر وهي تلتقط
الشرشف لتغطي جسدها ونظراتها تحمل شيئا يتغاضى عنه دوما..
كلما لمسها شعر بالاشمئزاز من نفسه لما يفعله ورغم ذلك يحاول
تفريغ ما به من شحنات بها ولماذا لا يفعل وهي لا تمانع ما يفعله
معها أبدا رغم أنها تعلم بل هي على يقين أنه لم يحبها يوما
ولن يفعل..
فكيف يحبها وقلبه ملك لأخرى خ*فت أنفاسه من أول نظرة كما
يحدث بالروايات الرومانسية والتي لم يكن يصدقها يوما حتى حدث
له ذلك!
التقط سيجارة من العلبة الموضوعة فوق المنضدة المجاورة للفراش
ثم رمقها بنظرة ساخطة وهو يراها تحاول أن تداري نفسها عنه
وكأنها لم تكن بين أحضانه منذ قليل تعرض نفسها عليه بكل
وقاحة..
"لن تكوني أنثى كاملة أبدا مهما فعلتِ"
قال باستياء وهو يشعل سيجارته ويضعها بفمه ساحبا عدة أنفاس
منها بتلذذ قبل أن ينفثهم بقوة وهو يتابع شاردا:
"لن تكوني مثلها أبدا.. لن تستطيعي إسعادي كما كانت هي تفعل
هي وحدها من استطاعت تحريك مشاعري وجعلي أشعر برجولتي
معها.. هي وحدها الأنثى الكاملة بنظري"
ضمّت نفسها بذراعيها با*****ة تنظر إليه ينفث دخان سيجارته
والتي عرفت من رائحتها أنها غير بريئة على الإطلاق وهي تفكر
بألم أنه سينتهي بعد قليل من معايرتها ككل مرة يكون بها معها
وكأنها ليست زوجته.. وكأنها إحدى فتيات الليل اللاتي يقضي
معهن وقته ولا يهتم حتى بإخفاء آثارهن من عليه..
ورغم فضول الأنثى الذي يشتعل بداخلها لمعرفة من تلك التي
سلبت لب زوجها وجعلته يتحدث عنها بتلك الطريقة الحالمة إلا
أنها لم تجرؤ يوما على توجيه ذلك السؤال إليه..
وتابعت العمل بنصائح والدتها حتى تستميله إليها تغيّر بشكلها
وترتدي ملابس لم تفكر يوما بارتدائها, تفعل أشياء لم تفكر يوما
بفعلها, تستمع إليه بخنوع وتبتعد عن كل الناس حولها فقط من
أجله.. هو حب حياتها, هو من ظلت أيام وليالي تحلم باليوم الذي
ستتواجد به في منزله وبين أحضانه..
وماذا حدث؟!
تحقق الحلم وتحول لأب*ع كابوس من الممكن أن تعيشه..
اكتشفت أنه لم يحبها قط, بل لم يفكر بها كزوجة حتى وأن زواجهما
كان من تدبير والدتها.. ومهما فعلت من أجله لا يلتفت إليها ولا
يشعر بها.. يتعامل معها كما يتعامل مع فتيات الليل خاصته!
إلى متى فدوى ستظلين في هذا العذاب؟
إلى متى ستظلين ضعيفة وخانعة هكذا؟! تتقلبين على جمر ولا أحد
يشعر بكِ.. ابتلعت غصتها وهي تفكر أنها لا تستطيع الابتعاد
عنه رغم قربه الذي يحرق روحها!
استمعت إليه يتابع حديثه عن تلك التي سلبته قلبه وعقله ولا يأبه
حتى لجرح شعورها.. فكيف يتحدث عن أخرى وهو كان معها
قبل قليل؟!
سخرت من نفسها بمرارة:
"وهل كان معكِ حقا فدوى؟ أم كان ينفث بكِ نيرانه التي تكاد
تحرق روحه وأنتِ راضية بكل ما يقدمه لك بل أنتِ من تبادرين
أيضا!"
تابع حديثه غير عابئ بزوجته التي تجلس بجانبه تنظر له بحسرة
ينفث دخان سيجارته ببطء ويضع يده على قلبه شاردا بملامح
تلك التي سلبت لبّه:"لم أحب سواها ولم أستمتع سوى معها,
جربت كل أنواع النساء والم**رات ولكنها وحدها كانت تهديني
لذة لم أشعر بها مع سواها, تشعل النار بجسدي فلا أشعر بالارتواء
منها, هي إدماني الذي لا أريد الإقلاع عنه! هي ذنبي الذي لا
أريد التوبة عنه! هي وحدها من ملكت قلبي وجسدي وروحي
أيضا!"
شرد مسترجعا تلك اللحظات التي كانت فيها بين ذراعيه يمتلكها
متلذذا بكل لحظة معها, مشاعره المتأججة برغبته فيها والتي تزداد
يوما بعد يوم رغم كل محاولاته لكبحها, حتى محاولاته الواهي
لنسيانها كانت عذابا لذيذا له ورغم كل تلك السنوات التي
ضاعت بعيدا عنها رغما عنه لم يستطع أن يناسها قط..
قست عيناه بشدة وهو يتابع غير آبه بتلك التي تجلس بجانبه
ودموعها تنهمر على وجنتيها من المهانة التي تشعر بها وهي تسمع
زوجها يتحدث عن أخرى بتلك الطريقة التي تؤلم قلبها:
"ولكنه اختطفها مني.. ذلك الو*د خ*فها وأبعدها عني ولن
أرتاح إلا عندما أجدها مرة أخرى ووقتها....."
لمعت عينيه بقوة أخافتها وهو يقول:
"وقتها...لن يبعدها عني أحدا مهما كان"
*******
هل ندمت يوما على قرار اتخذته وتمنّيت العودة بالزمن حتى
تغيره؟!
هل شعرت يوما بالضعف حد الذل؟!
هل وقفت يوما بمفترق طرق لا تعلم أي طريق عليك أن تسلكه؟
هل شعرت يوما بالتشتت بين أمرين أحدهما مؤلم والآخر أشد
إيلاما؟!
ربما كان الضعف سمة الأنثى والندم رفيقها, ولكن إذا كان من
تذوق مرارة الذل والمهانة, من شعر بالندم حد الموت, هو رجل..
وليس أي رجل بل هو....
"ما بك أزاد؟ لِمَ أنت مستيقظ حتى هذا الوقت؟"
أفاق من شروده على صوت شقيقته ليلتفت لها ببطء ينظر إليها
بحب وحنان..
لقد كبرت شقيقته الصغيرة وأصبحت شابة جميلة تسر النظر
وأصبحت تقوم بدور الأم له رغم وجود والدته وقيامها بدورها
على أكمل وجه..
ابتسم لها وهو يشير إليها لتقترب وهو يهتف:
"وأنتِ عِطر لِمَ لازلتِ مستيقظة؟ أليس لد*كِ دراسة بالغد؟"
ابتسمت له بمكر وهي تقول:
"نعم لديّ ولكني لم أستطع النوم فجئت لأراك أنت أيضا لم
تستطع النوم فلا تغير موضوع الحديث وقل لي لماذا يجافيك النوم
هذه الأيام؟"
رفع حاجبيه وهو يهتف بجدية مصطنعة:"هل تراقبيني يافتاة؟"
نظرت له بغيظ هو مصر على تغيير الموضوع حسنا..
ستجاريه فقط حتى تعلم ماذا به..
"لا لا أراقبك أزاد فأنا أراك صدفة وأنا بطريقي لشرب الماء
ليلا.. والآن ماذا يحدث معك؟"
ترددت قبل أن تقول:"هل أنت نادم على الانفصال عن...."
قاطعها بحدة:"عِطر.. أظنني أوضحت سابقا ألا يذكر اسمها بهذا
المنزل, ثم أن هذه أمور الكبار ولازلتِ صغيرة عليها.. هيّا اذهبي
لتنالي قسطا من الراحة قبل موعد المدرسة"
نظرت له بحزن قبل أن تقترب منه وتطبع قبلة على وجنته وهي
تهمس له:"لا تغضب مني أزاد.. أحبك كثيرا أخي"
ربت على وجنتها بحنان قبل أن يقول:
"وأنا أيضا صغيرتي أحبك كثيرا"
تبعها بعينيه قبل أن يشرد مرة أخرى متذكرا فتاة أخرى كانت
قريبة من عمر شقيقته, فتاة أحبته وأنكر هو هذا الحب وعاملها
بلامبالاة أقرب إلى القسوة.. فتاة تجرّأت يوما على وضع رسالة
بين كتبه تبثه عشقها الدافئ ليبعدها عنه بعدها بقسوة غير مبالي
بالجرح الذي سببه لها..
فتاة ربما أحبته بصدق, ربما لم تكن مجرد أوهام مراهقة بالنسبة
إليها, ربما كان يحتاج فتاة بمثل دفئها بحياته,ربما كان عليه الاستماع
لصوت قلبه الذي ارتجف من صدق كلماتها, ربما كان عليه
الرضوخ لنبضاته التي كانت تعلو برؤيتها لتعلن عصيانها على كل
تحكّم له بها, ربما كان عليه أن ينظر أبعد من مظهرها الذي لم يكن
مشجعا على الحب, وربما كان عليه أن يكون أقل غرورا مما كان..
ولكن ربما تلك لم تكن بحساباته وقتها, كان مغرورا ويعترف..
كان ينظر للناس من علو وكأنه أكثر سموّا منهم وكأن عِرقه التركي
أثّر عليه فكان الغرور سِمَته والتكبر أسلوب حياته..
وكأنه كان لابد له من تذوق الغدر والذل حتى يشعر بقيمة تلك
الحورية التي أضاعها من بين يديه..
تُرى كيف هي الآن؟ ربما تزوجت ونسيته!
ربما لم يعد بالنسبة إليها سوى ذكرى باهتة لحياة ماضية!
ربما.....
ربما يجد مثلها تعوضه وتنقذه من الذل الذي يتعرض له على يد
أقرب الناس إليه.
*****
أخذت حماما سريعا وارتدت منامتها القطنية التي يزينها رسم
"لتويتي" الصورة الكارتونية الشهيرة وارتدت عليها إسدال الصلاة
وخرجت إلى الشرفة ببطء وكأنها تخشى أن تجده بشرفته كما كان
يحدث في الماضي ولكنها هذه المرة لم تجد أحدا..
سخرت من نفسها:"هل تظنين أنكِ ستجدينه بانتظارك سجى؟
ألم تخبرك مرح أنه تزوج؟ تزوج تلك المرأة التي طالما كرهتك
وأهانتك! تزوج من عزة دونا عن كل النساء اللاتي أحطن به"
ابتسمت بسخرية وهي تفكر:
"وهل كنتِ لتسعدي لو تزوج سواها؟ لقد تزوج وانتهى
الأمر..حصل على عائلة وكان بانتظار طفل في آخر مرة ذكرته
مرح في أحاديثها قبل أن تمنعي نفسك من ذكر اسمه صدفة
في أحاديثك مع مرح كما كنتِ تفعلين طوال الوقت..
ولِمَ الدهشة سجى؟! هو ليس صغيرا بالسن.. فبعد شهرين تماما
سيتم السادسة والثلاثين من عمره"
ويالسخرية القدر..
فبنفس اليوم ستتم هي السادسة والعشرين..
ابتسمت بسخرية مريرة فقد كان توافق أيام ميلادهما هو الشيء
الوحيد الذي ربط بينهما..
تذكرت الاحتفالات التي كانت تقيمها له عزة بالنادي والتصاقها
به على الدوام وادعائها أنها خطيبته أمام الجميع وعدم ممانعته
لذلك..حقا إن العشق يصيب الرجال بالحماقة والغباء
ألم يعلم أنه ليس الوحيد بحياتها؟!
بل كان هناك الكثير والكثير وقد شاهدتها مرارا في أوضاع غير
لائقة..ربما كانت السبب في إشعال البغض بقلب عزة لها وربما
كانت تكرهها دون سبب وربما.....
انتفضت على رنين الهاتف الذي ارتفع فجأة فأخرجها من أفكارها
لتدلف إلى الغرفة وتلتقطه وهي على يقين من هوية المتصل..
ابتسمت وهي تجيبه:
"مرحبا"
"مرحبا عزيزتي, كيف حالك؟ وكيف وجدتِ الجميع؟"
"الجميع رائعون وأنا سعيدة للغاية.. لم أظنك مستيقظا حتى هذا
الوقت؟"
"لم أستطع النوم حتى اطمئن عليكِ"
"لا حرمني الله منك, أنا بخير لا تقلق.. لقد عدت لقواعدي سالمة
وهذا بفضلك بعد الله تعالى"
"بل أنتِ هي القوية صاحبة العزيمة سجى, حسنا حبيبتي لن أطيل
عليكِ حتى تأخذي قسطا من الراحة أراكِ بعد يومين, إلى اللقاء"
ابتسمت بحب وهي تقول:
"إلى اللقاء"
نهاية الفصل