الفصل الثانى

2019 Words
كحال الكثير من المغتربين الذين يقفلون على إنفسهم تجنبا للمواقف المحرجة والمشكلات، لجهلهم بطبيعة الأشياء في البلد الجديد التي كفرت فيها عن ذنوبها منذ الميلاد، لو لعلها هي وحدها من تشعر بذلك،هي شخصية مهزوزة كل شيء يخيفها ويقلقها حتي الشراء والبيع ، وخوفا من أن تظهر نقودها أمام الركاب الذين تنوع واختلفوا ف*نشل، حيث وصاها أخيها بذلك، خاصة في المترو، الذي تتكرر فيه حالات النشل بمنتهى البساطة، مستغلين الزحام وسرعة الصعود والنزول، بعد مرور نصف الساعة من ضجيج الباعة وكلمات المتسولين ومشاجرات الركاب و سبابهم عند الصعود والنزول انتهت رحلتها, و وصلت للمدينة الجامعية المقابلة للحرم الجامعي، وقفت بثبات كعساكر الجيش وهي تقول: أنا مكاسب ابراهيم السيد سعيد من سوهاج اللي كلمتك عني مدام صباح المشرفة : أهلا يا مكاسب اتفضلي. تقدمت بخطوات قلقة مهمهمه بكلمة "شكرا. المشرفة : إنت اتأخرت يا مكاسب في الحجز وزى ما انتى عارفه الحجز مواعيد محددة ، عشان كده كل الغرف اكتملت بس عشان خاطر مدام صباح أنا هاتصرف، تعالي معايا. دب القلق في مفاصلها , ولمعت عيناها بدمعة حائرة,لا تعرف ماذا تفعل إن لم تتصرف لها المشرفة، بخطى ثقيلة حملت حقيبتها التي اثقلها الخوف واتبعت المشرفة بخطي متوترة، وهى تدعو الله في سرها راجيه بأن يكملها على خير وبالستر. *** تجلس على السرير وتضع أمامها مقعدا عليه نصف مرآة وأمامها علبة كبيرة ممتلئة من علب وأدوات التجميل المختلفة، تنظر في المرأة بزهو وفخر بجمالها، ثم تبروز عينيها العسليتين بالكحل الصارخ فتمطر عسلا علي القلوب الظمآنة،تتحسس شفتياها المكتنزتين وتبدل أقلام الروج لتستقر علي الأحمر الزاهي، وهو بمثابة ختم تختم به على نفس القلوب، تتخلص من خمريتها ولونها القمحي الذي لا ترضى عنه، ولا يعجبها فتتخلص منه بالمساحيق ومستحضرات التجميل التي تضعها على وجهها وعلى كل ما يظهر من جسدها سوى كان ذراعيها أو رقبتها وما يظهر من فتحة ص*رها، ثم تبعثر شعرها البني الداكن فيداعب كتفيها, ترتدى كعبا عاليا لا يتناسب مع مكان مثل الجامعة، لتتمايل بخصرها المياس في ملابسه التي تختارها بعناية فائقة، كانت جيب وبلوزة، بلوزة قطن تشف ملامح جسمها تضيفها هي من عند الخصر، لتبين مدى جمالها، وكذلك التنورة، التي لا تليق ابدا بمكان مثل الجامعة التي هي ذاهبه إليها أيضا،ثم تتطيب بعطرها المميز, وتخرج من الغرفة لتقف في الطرقة أمام المرآه الكبيرة الموضوعة في طرقة السكن الجامعي، لتخ*ف نظرة اخيرة لتطمئن علي سلامة هيئتها، هي الأميرة اسما وفعلا هكذا توجت علي قلوب الرجال, فبمجرد نزولها الشارع تتساقط ضحاياها من الرجال كورق الشجر, فهي تؤمن بأن الرجال كالألوان يختلفون في الشكل لكن لهم نفس الخصائص, فمهما كان الرجل عالما أو جاهلا, عاقلا, طائشا, متزوجاً, أو اعزب، أو أي أن كان، منصبه أو ثقافته سيخر مستسلما واضعا سلاح مقاومته تحت قدميه أمام عيون أنثي مثلها حباها الله بعينين جميلتين ساحرتين بالألوان هكذا وخاصة لو مثل عينيها التي تتأثران بالشمس و الإضاءة فتتقلب ما بين العسلي والأخضر، واللون الزيتي الداكن ولذلك جعلت دستورها في الرجال " واحد للكف وثان للف وثالث علي الرف " , بل وجدت متعتها في ذلك، فكثروا عشقها واختلفوا بل وتناثروا من حولها في كل مكان، لا شيء يشغلهم أو يهمهم سوى رضا الأميرة، الأميرة التي لم يميل قلبها لأي منهم بل وفي قرارة نفسها لا تحترم اي منهم، لكن في نفس الوقت تجد متعتها في جذبهم ومن ثم تعليقهم بها، ومن ثم اذلالاهم، فلا متعة عندها تضاهي ذلك، الغريب أن لا أحد يكتشف خيانتها، ولا أحدا منهم يكتشف نواياها الخفية تلك، كي تجيد رسم الدور بشكل رائع، تفهم في لغة الجسد وفي معدن الناس، بل وتجيد قراءتهم وقراءة افكارهم، فتدخل لكل منهم من مدخله، المتدين من مدخل الدين، وحينما صارحها احداهم بأن مظهرها لا يليق، غيرت مجري كلامها بأنها تريد أن تتوب وتعود إلى الله وإلى الطريق المستقيم، وتحتاج لمن يعينها على ذلك ويقومها، بل وله الأجر والثواب! وعلى الفور سقط الرجل في شباكها مصدقا كلامها، بل ضيع وقته وجهده في تقويمه، وحينما تأكدت من سقوطه في غرامها، سحبت يدها من يده وكان شيئا لم يكن، ورغم معرفة الرجل بعدم جديتها فيما قالت ، بل ورغم معرفته بأنها غير جادة أيضا في نيتها السليمة في ارتباطها به، إلا أنه كان يبكي فراقها بالدموع ويوسط لها الوسطاء كى تحن أو تلين، وهي لا شيء إلا أنها **بت رهان صديقتها على الرجل الذي يدعي أنها صاحب دين وخلق وداعية في سبيل الله، هو مثله مثل باقي الرجال، لا شيء يشغله، لا شيء قادرا على ذهاب عقله سوى جسد امرأة ، هكذا كان ظنها في كل الرجال بشكل عام، لا تؤمن أبدا أن هذه القاعدة المعممة ظالمة جدا وليس فيها شيئا من الإنصاف، وكثير من صديقاتها حاولت نصحها بالحسنى وذكر نماذج مختلفة لما تقر وتؤمن فيه، لكنها لا تقتنع بل أخذت تتحداهم ، بل وصل بها الأمر أن تطلب منهن أن يشيروا على اي منهم، لتدخل معهن في رهان على الرجل المحترم المهذب كما يدعون، وتجزم أن في خلال أيام سيأتي راكعا تحت قدميها طالبا الرضا والسماح، الأمر الذي وصل بها، حينما حاولت صديقه لها أن أنصحها أن تمتنع عن هذا الطريق الذي تسير فيه وحتما سيؤدى إلى ملاكها وضياعها بل عليها أن تركز في دراستها ومستقبلها، وإن وجهة نظرها هذه خاطئة تماما، وأنها تعرف نماذج عدة من الرجال المحترمين القدوة الحسنة لكل من ذويهم وأبنائهم ومن هؤلاء الرجال أبيها الذي يعمل معلما لأجيال متتابعة علمهم العلم النافع وساهم في تربية اجيال، هنا قهقهت أميرة التي لم يهدأ لها بالا إلا حينما بحثت عن صفحة الرجل على الفيس بوك وارسلت له طلب صداقة، ومن ثم جرجرته ودخلت عليه من بابه، وهو باب المعلم الفاضل والمربي الناصح حتى توسعت مساحة الكلام بينهما وأخذت تشكو له من قسوة الحياة وجفوتها، ومن غدر الاصدقاء وظلم الأقارب، كانت كلماتها تلك مصحوبة بدموع واهات، فما كان من الرجل سوى تقديم الدعم والاحتواء لها وبعد مرور وقت قصير جدا تحول الدعم والاحتواء اللذان كانا ينتجان عن شفقة ومحاولة مشاركة في اصلاح بنى ادم بل ومحاولة انقاذه، إلى تعلق وتعود ومن ثم حب، حيث اعترف لها الرجل الخمسينى المحترم، بخفقان مشاعره نحوها، وانجذابها لها، لم تكتف أميرة التى كانت تقرأ رسائل الرجل وتقهقه معلنة لنفسها انا ربحت التحدى من اول جولة، بذلك، بل فتحت للرجل طريقا، من طرق الشيطان، فتاججت مشاعره وفارت، لتحسم التحدي لصالحها، فنادت على صديقتها وهي ابنه الرجل التي كانت تعتز بأبيها وتري صورة مثالية له، مما جعلها تقدمه كنموذج للرجل المستقيم لأميرة، أميرة التي يتحكم لها هذه الأسطورة على الفور، حيث احضرتها واحضرت باقي البنات، وقالت لها في تحد: انتى قولتي أن مش كل الرجاله زي ما انت فاكرة صح، ولما قولتلك كلهم كده، اتحدتيني بابوكي، الاستاذ صالح معلم اول لغة عربية وتربية اسلامية، تعالوا يا بنات، اتف*جوا وشوفوا الاستاذ صالح المعلم الفاضل والمربي الناصح بيقول ايه. ثم فتحت هاتفها واحضرت الشات الخاص بها وبين الرجل، لتقرأ بصوت عال، كلمات الرجل التي تقطر عشقا وحبا لها، بل واحتياجا، والبنات من حولها يضحكن ويقهقن، وهنا ثارت صديقتها وغضبت وهمت بصفعها على وجهها لتتأدب، لولا البنات اللأتي تدخلن ومنعوا تشابكهما، لم تستطع صديقتها تلك أن تتحمل البقاء بجوارها والنظر في وجهها بعد ما فعلت معها، حيث جعلت من أبيها القدوة الحسنة لها أضحوكة لكل من يسوي ومن لا يسوي بالإضافة إلى أنها كانت سببا قويا للاهتزاز صورة الرجل في عين ابنته التى كانت لا تكن له سوي كل الاحترام والتقدير، الان ولو كان بينها وبين نفسها تؤمن بنظرية أميرة في الرجال، خاصة بعد سقوط أسطورة ابيها، لم تعد تتحمل، فلملمت أغرضها ورحلت من تلك الغرفة التى كانت تجمعهما، بل ومن المدينة الجامعية كلها، الغريب أن ذلك احزن أميرة وضايقها، فهي لا تريدها أن ترحل ولا تريد تكديرها أو حتي مضايقتها، كل ما في الأمر، أنها أردت أن تثبت لها صحة كلامها ووجهة نظرها في الرجال، فلست هي المقصودة على الاطلاق، لذلك حاولت استبقائها واستسمحهها، لكن صديقتها رفضت، وطلبت منها إلا تتعامل معها باي شكل في الجامعة أو في أي مكان بعد اليوم، والا فضحتها أمام الجميع، وسوءت سمعتها مع الجميع وفي اي مكان، رغم ضيق أميرة من فقدان صديقتها تلك وبهذه الطريقة التى أخذت تلوم نفسها عليها، لكنها لم تتراجع عما في راسها، وعلى عن دخولها في تحديات كثيرة في هذا الأمر بعد ذلك. في هذا اليوم وبعدما لبست وتزينت حيث كانت تستعد للقاء " حسين " أحد ضحاياها وهو زميل لها في الكلية، كان حسين شابا نحيفا، لكنه وسيم ، أبيض ناصع البياض ، شعره أ**د ناعم ينسدل على جبهته، مرهف الحس، شاعرا ثقيلا ومشهورا ب*عره في الجامعة، بالطبع لم يكن حسين حبا حقيقيا لأميرة، رغم رومانسيته ورقته وحسن خلقه، كذلك لم يكن أول ضحاياها وليس اخرها، فقط كان يعجبها ويرضي غرورها، حيث كان حسين يسخر حياته لكتابة الشعر في عينين اميرة، وفي جمال اميرة، ولا يهمه شيئا سوى العمل على أرضائها بشتي الطرق، حيث كانت الفتيات من حولها يحسدونها عليه وعلى حبه لها، ومعظمهم يتمنى لو كانت هي محبوبة حسين الذي سيخلدها في قصائده، كانت هذه الحالة تزيد من ثقة أميرة وغروبها اكثر، فكانت تتفنن في اغراء حسين بطيب الكلام ورقته، لتجذبه ومن ثم تتفنن في ت***به افي ذلك اليوم كانت على موعد معه، أخذت تتزين وتستعد لمقابلته، وكأنه حبيبها الحقيقي والأوحد، هكذا كانت هي في كل مرة تقابل أحدا من معجبيها أو من محبينها، وكانت أميرة تجيد فن الكلام الطيب المنمق فلا يخرج من ثغرها إلا كل كلمة لطيفة جميلة تجعل من أمامها يذوب عشقا فيها، كانت تدرك وتعي اثر ووقع الكلمة الحسنة اللينة على قلب الرجال ولذلك تتبع هذا الأسلوب، وتلجا لأسلوب الشحتفه والمسكنة في كثير من الأحيان وتبدو كم هي ضعيفة من**رة لا يأخذها من ضعفها ولا يجبر **رها سوى ذلك الفارس الهمام الذي يجلس أمامها وكان ذلك الأسلوب أيضا من الأساليب التى تأخذ بعقل الرجال، وهي أصبحت ذات خبرة كبيرة في شد الرجال والاستحواذ على قلوبهم حتى التملك منها ومن ثم تقم بتمزيفها قطعا قطع على مهل وهي في قمة الانتشاء، لم تكتف أميرة بطيب الكلام واستغلاله بل كانت تستخدم لغة العين، بعيونها المميزة التى توقع كل من نظر فيها، فتعرف متى تقول بعينيها للشخص تعالى، ومتى تقول كذبا وتضليلا احبك، ومتى تمثل بأنها عاشقة ولهانه ضعيفة، ومتى توهم من أمامها أن هذه العينين الجميلتين لا تكذب ابدا بل وتمتلى بالصدق والإخلاص، ومتي تظهر هذه العيون حزينة بائسة تنتظر من يدخل عليها الفرح والسرور، وأخذها مما هي فيه. ******** اتجهت المشرفة إلي مبني1“ غرفة (15) طرقت الباب ولم تتلق إجابة فأخرجت مفتاحا من سلسلة مفاتيح، ففتح، ومن خلفها تتبعها مكاسب الفتاة القادمة من الصعيد المنهكة من رحلة المواصلات الطويلة. نادت المشرفة على الدادة المسؤلة عن هذا الدور، ففى كل دور من مبنى المدينة الجامعية مسؤل عنه أكثر من دادة تنظفه وتقوم بكثير من الخدمات الخاصة بالطالبات، علاوة على أنهن يعتبرن عين المشرفة اللاتي ينقلن لها اسرار الطالبات الخاصة ومشكلاتهن التي تحدث في عدم وجود المشرفة، أو حين انشغالها، أمرتها المشرفة بوضع سرير خامس في الغرفة ، ثم نادت المشرفة على مكاسب موضحة لها أن هذه غرفتها وهذا سريرها استعانت به من الخارج لأن أسرّة الغرفة مكتملة وعدد الطالبات البنات عليها كامل، ثم أشارت لمكاسب بوضع حقيبتها كما هي ومحاولة التاقلم بالحقيبة، حيث ليس لها دولاب لعدم وجود مكان يسمح بوجوده في الغرفة بالغرفة ضيقة، وهذا سيكون وضع مؤقت لحين توافر مكان في اى من الغرف، فبعض الطالبات تعمل إخلاء من بعد أول أسبوع إقامة وبعضهن من محافظات بعيدة يسجلن أسماءهن ويسددن المصروفات ولكن لا يحضرن إلا باقتراب موعد الامتحانات، فإن حدث ذلك في خلال هذا الأسبوع ستخبر مكاسب وتنقلها لغرفة مناسبة، لتأخذ راحتها وتضع ملابسها واغرضها مثلها مثل باقي الطالبات، اعتذرت المشرفة ووضحت لمكاسب أن ذلك كله بسبب تأخيرها في الحجز الذي ضيع عليها فرصة مكان مناسب للاقامة، رغم هذا الوضع الصعب، فالسرير وضع خلف الباب مباشرة لعدم وجود مكان في الغرفة، مما أعاق حركة فتح الباب، بل جعله لا يفتح الا نصفه، علاوة على أن الأمر سيكون مزعجا للغاية فلا تستطيع النوم بشكل مريح لغلق وفتح الباب مرات عديدة على مدار اليوم، غير صعوبة تواجدها بغير الدولاب الذي من المؤكد أنه يحافظ على اغراضها ويحميها من السرقة إلا أن امتنت مكاسب للمشرفة وارتسمت على وجهها ملامح الرضا والسعادة وشكرتها كثيرا على تعبها واهتمامها بها ومحاولة تصرفها باي شكل لتجعلها من ساكنات المدينة الجامعية، علاوة على أنها تعرف أن ذلك وضع لن يدوم طويلا، والمهم بالنسبة لها انها وجدت مكان آمنا في المدينة الواسعة المزدحمة المخيفة وهى القاهرة، بل وقريبا من الجامعة مما ييسر عليها في الذهاب والإياب ويرحمها من بؤس المواصلات ومن خوف الغربة، غادرت المشرفة ، وتنفست مكاسب الصعداء في رضا ثم أخرجت من حقيبتها الكبيرة مفرش سرير ثم وضعت الحقيبة تحت السرير، ثم فرشت سريرها وارتمت عليه لتستريح من أعباء السفر وضجيج المواصلات في ذلك اليوم الصعب الثقيل على نفسها. جرجرت قدميها مستندة على سارة ومازالت رأسها ثقيلة والدنيا مظلمة في عينيها، لا تعرف كيف تخفي دموعها ولا كيف تطفيء النار المنقادة في ص*رها، تحاول سارة تهدئتها وتذكيرها أن الأمر سيمر وان الشخص لا يستحق وان الله قادر سيكرمها ويعوضها بمن يستحقها ويطبطب على قلبها
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD