الفصل الاول
إهداء
إلي أشقائي الرجال الرجال الذين فرشوا لي انفاسهم كي أسير بخطى متزنة على شوك دون جراح.
********
انطفت شمس صدقه فجلست بعتمة روحها في ركن من أركان المدينة الجامعية تندب حبها مشيعة جثمان ضحكته في نعش الخيانة, الخيانة تلك الكلمة الع***ة التي تتغذي علي الدموع فتثمر فقدان الذات والإحساس بالنقص،الآن تذوقت من مائها المرير، تمنت لو أن التقویم يعطيها فرصة تكرار هذا اليوم كما تمنح المنظومة التعلمية التي تنتمي اليها، طلابها الراسبين إعادة الامتحان، مؤكد كانت منعت نفسها من الذهاب إلي ذاك النادي، وبذلك لا تري عماد حبيبها الخائن في قميصه الأحمر المصبوغ بدم ضحاياه و بنطاله الذي اسود من كثرة ذنوبه قابعا مع فتاة علي أريكة الخداع ، قابضا علي يدها ، شاهرا سلاح التسبيل، على مريء ومسمع منها، وبذلك ستسير مركبة حبها دون الارتطام بالحقيقة المرة التي تجرعتها، وستحمل شهادة من مدرسة حبه ليس لها علاقة بالواقع تماما كما الطلاب، الذي تنتمى اليهم. دخلت عليها "سارة فانقطع حبل أمنياتها واتصلت روحها بالبكاء ، احتضنتها سارة وربتت علي ظهرها بحنان وهي تشد من أزرها قائلة: ولا يهمك يا هاجر، ولا تزعلى نفسك عليه، ده ولد مدعي وكذاب وياما حذرتك منه ، صدقيني ما يستحقش دمعة واحدة من دموعك الكتيرة دي"
ابتلعت مرارتها ولملمت حبالها الصوتية قائلة : المشكلة ان انا بحبه، بحبه اوي يا سارة، بحبه وماقدرش اعيش من غيرة لحظة واحدة، تفتكري يا سارة إيه اللى يخلي واحد ي**ن واحده بتحبه وتخلص له ومسخرة حياتها من أجل اسعاده؟! أجابتها بأسف: مش كفاية أنك تحبي وتخلصي مع واحد زي عماد بيحب حبك ليه وانصياعك ويخلص لغريزته أكتر ، ماکنش لازم تديه حجم أكبر من حجمه الشكل ده يا هاجر ، لازم تعرفي آخره ايه من الاول، عماد واحد شغله الشاغل أن يلعب بقلوب البنات، وانا حذرتك منه كذا مرة، فرحان بعضلاته المنفوخة وعايش دور المنقذ للبنات ودور الحنين أن لازم الأمر ودور الحمش، وكل واحدة يسبك حبكة درامية عليها، لحد ما تقع في دباديبه زي حالاتك وماتقدرش تسغني عنه بالشكل ده، حتى بعد ما تشوف خيانته بعينيها وهو صعلوك اساسا وشحات وماحيلتوش حاجه، اسالينى انا، اعرفه كويس من تلات سنين وشاهدة على كل مصايبه هنا في الجامعة، وبره الجامعة.
انغرزت تلك الكلمات في قلب هاجر التي تعرف تلك الحقائق ومع ذلك تعجز ولا تستطيع مقاومة قلبها الضعيف الذي لا يملك من امره شيئا في هذا الحب، فقط يقبع في ص*رها ويضخ دما وحبا لعماد، مهما قالوا عنه ومهما سمعت بل ورأت بام عينيها، تتكالب عليها الذكريات، فتتذكر مواقفهما معا، كيف كان عماد لطيفا نبيلا معها في كل خروجه لهما، بل وكيف كان كل كلامه حب ورومانسية وحديث عن الاحلام والمستقبل الذي حتما سيجمعهما معا، كانت تحلق بجناحين كلما سمعت منه ذلك، ورغم وجود شيء يكمن في داخلها لا يستطيع أن يصدقه، إلا أنها كانت تكذب كل شيء، وتصدق فقط ذلك الأعمي الذي يقبع داخل ص*رها يضخ دما وحبا لعماد، لا شيء يرحمها من جلد الذكريات، ولا شيء يعفيها من مرارة الفقد، ولا الشعور بالخيبة الكبيرة من قلبها، والخذلان، الخذلان الذي عرفته الان عن قرب، الان عرفت معني أن يخذلك أحدهم بعد أن استثنيته من الجميع، واختارته عن الجميع ، وكنت لا تريد من الدنيا سوى رضاه، فقط رضاه، في حين انك لا تساوي عنده شيء، ولا تفرق معه في شيء، ظلت هاجر هكذا في قصة جلد الذات هذه، وهي ملقاه في مصلى المدينة الجامعية، حتي اقنتعتها سارة، بأن عليها بأن تتمسك ولا تعطى الأمر أكثر من حجمه، فقط عليها أن تقوي قلبها وتأخذ قرارا بعدم العودة ثانية، تجربة مريرة مرت بها أو مرت فيها، وسينتهي الأمر مهما كان صعبا ومتعبا وثقيلا في بادئ الأمر، فقط عليها أن تدرك، أن الرجل الذي أحبته بكل صدق ومن كل قلبها، ما هو إلا رجلا خائن لا يستحق حبها، والان عليها أن تترك مصلي المبني وتصعد مع سارة لغرفتهما في الاعلى، لتمارس حياتها بشكل طبيعي، تاكل وتشرب وتذهب إلى الجامعة وتذاكر، وتنسي وجود هذا الوعد بهذه الصورة على الأقل وتركز فيما جاءت مغتربة من بلدها من اجله، إلا وهو تعليمها ودراستها، كانت هاجر تستمع لنصيحة سارة، وهي تهز راسها دون كلام، تأمل أن تفعل بما تنصحها، لكن في قرارة نفسها كانت تعرف وتعي أنها لم ولن تستطيع، لكنها ستحاول، حاولت أن تقم من مكانها بعد إلحاح سارة الشديد عليها، مسحت دموعها وعدلت من حجابها الموضوع على راسها، ثم استندت على حائط المصلى، وحينها شعرت أن الأرض من حولها تخلت عن جاذبيتها ، فلم تشعر بنفسها، بل وثقل رأسها وتشوشت رؤيتها حتي ارتطمت بالأرض.
*******
نزلت في منطقة المرج بالقاهرة، وهي منطقة شعبية زحمة، تختلط فيها اصوات عديدة وتتشابك فيها الناس على اتفه سبب، علاوة على أن موقف سيارات الأجرة الخاص بالمكان لا يحتمل، ملغم بالتكاتك وسائقيها، وسيارات الميكروباص وسائقيها، الكل يتعامل مع المارة الذين يسيرون في الشارع على أنهم مجموعة جنيهات، فيتقاتلون من اجلها، لدرجة تجعلك لا تستطيع أن تمشي أمن في هذه المنطقة، بالإضافة إلى وجود النشالين المحترفين، والمسئولين الذين يلحون بشدة وبدرجة تجعلك تلعن لهم سابع جد، كان ذلك المنظر هو ما استقبلها عند نزولها القاهرة، حاولت أن تخرج من هذا المكان المخيف المقلق، لكنها وقفت فيه تنظر حولها احتضنتها الحيرة فاحتضنت حقيبتها، سارت في اتجاه مع طريق طويل لتكتشف في النهاية أنه مسدود، مؤكد أنها ضلت طريقها، فعادت لتسلك طريق اخر، وهي تخبط في المارة ، فينظرون إليها بعضهم يستغربها وبعضهم يجدها صيدا سهلا في شراء شيء أو اخذ اي شيء منها، فتتحول عيونهم لحفر جائعة، فتختبئ من نظراتهم خلف حجابها الواسع الطويل الذي يمازح کعب حذائها، حيث كانت ترتدي جلبابا يشبه جلباب الصلاة، وعليه حمارا واسعا يصل إلى بعد نصفها، لا تعرف ماذا تفعل بعد ذلك لتحمي جسدها من النظرات، تسير بخطى مهزوة لا تميز طريقها تماما، ولا تريد أن تستعن بأحدا من المارة لعدم ثقتها في أحد أو لخوفها من الناس الموجودة في هذه المنطقة، حتى النساء منهم، كانت وجوهن لا تطمئن لها، بقيت كذلك و كلما ازدحمت الشوارع ازدحمت رأسها بالمخاوف، وهي لازالت تخف و تخجل أن تستوقف أحدا لتسأله عن الطريق، أخذت تلوم نفسها علي إصرارها علي السفر بمفردها، فلم تسمع بنصيحة أخيها بأن تنتظره لنتهى من عمله وسوف يسافر معها، لكنها استعجلت، ولربما كانت في قرارة نفسها تريد أن تثبت لنفسها بل ولكل من جوالها أنها تستطيع الاعتماد على نفسها بما يكفي، بل وتستطع أن تقضي حاجتها بنفسها دون الاعتماد على احد، لو كان والدها الشيخ ابراهيم موجود في الدار وقتها كان قطع رأسها لو فكرت أن تسافر من سوهاج للقاهرة بمفردها وبدون محرم، لكن الظروف خدمتها وكان الشيخ مسافرا إلى محافظة اسيوط للمرعاة مصلحه هناك، فالرجل يعمل في تجارة الاخشاب وينتقل كل يوما من بلد إلى آخر ، أوكل الأمر لابنه الكبير وابن اخيه، كلاهما عليهما أن يسافران معها لتصل إلى مكان سكنها بأمان في القاهرة، بل كان الشيخ رافضا من الأساس فكرة سفر وغربة بنت في مكان مثل القاهرة ممتليء بالغريب والقريب والجميل والق**ح ولا أحدا يميز فيه اصحاب الأصول والاخلاق من أصحاب المصالح ، والكل هناك معرض للخسارة في البني ادمين بل والانتكاسة منهم وابنته طيبة وعل نيتها ولا تستطع أن تصلب طولها في مواجهة هذا المكان، إلا أن افرد باقي العائلة لاموه على قراره هذا فالبنت لها مستقبل حيث ستصبح دكتورة صيدلانية بعد أن التحق بكلية الصيدلة هذه الموجودة في القاهرة، حتى اخوها وقف في صفها وحاول مع والده بأن لا يضيع مستقبل اخته، فمجموعها الكبير في الثانوية العامة يؤهلها بأن تلتحق بكلية الصيدلة، ولكن التنسيق ضيع عليها فرصة المكان القريب وأبعدها لمكان بعيد مثل القاهرة، بل ونصحوه مدرسين ابنته بأن يلحق ابنته ويغربها لمدة عام واحدا فقط في القاهرة وبعد ذلك يمكنها التحويل للكلية في جامعة بلدها سوهاج، فليتحمل الشيخ ابراهيم هذا العام كما يكون ، ويصرف نظر تماما عن الحاق بنته بكلية العلوم لمجرد قربها في المكان، وأخيرا اقتنع الشيخ ابراهيم بكلام الوسطاء وتحت الضغط ، أما غير ذلك فلا، أما عن رأيها هى ورغبتها هي فكانت مختلفة تماما، فهي في قرارة نفسها تتمنى أن تلتحق بكلية الفنون الجميلة حيث أنها تجيد النحت على الاشياء بشكل مبهر للجميع ، فكانت تحلم أن تدرس وتكمل في هذا المجال، لكن حينما عبرت عن رغبتها تلك، لامها الجميع ورفض قرارها، فكيف لها أن تترك كلية قمة مثل كلية صيدلة، وتلتحق بكلية عادية مثل كلية فنون جميلة، ثم ماذا تبقي بأن أن تتخرج منها، وما فكرة النحت التى تض*ب في رأسها الساذج هذه ، ماذا تعنى مهنة نحاته وكيف اصلا ستعمل في هذه المهنة التى لا قيمة لها على الأقل في بلدانهم ، غير أن هناك بعض الأقاويل التى تقر بحرمانيتها، فهي تصنع تماثيل شبيها بتماثيل كفار قريش الذي جاءت وقت عليها وعبدوها من دون الله وهنا هاج وماج الشيخ ابراهيم الذي نهى الموضوع السخيف هذا و**ر لها التماثيل والأشكال التي كانت تنحت فيها، بل وحذرها بأن لا تعود لمثل هذه السذاجات والكلام الفارغ مرة اخري،والا طير رأسها من على جسدها، خافت مكاسب وأبدت السمع والطاعة لكل أسرتها وتركت هذه الفكرة من راسها تماما، وإن كانت تبكى دما بدلا الدمع لذلك، كان ابوها الشيخ ابراهيم يتسائل مين أين أتت بهذه الفكرة من الأساس ومن الذي علمها إياها ولفت نظرها لها وهي فكرة غريبة عنهم تماما،فلا يوجد أحدا في العائلة بل ولا في البلد كلها عمل في النحت من قبل، وحدها أمها تعرف السر، فمكاسب منذ كانت طفلة صغيرة كانت تنظر بشغف ليد خالتها التى تتقن فن النحت تماما كالفنانين العالميين، فكثيرا ما صنعت تماثيل أو تارات أو إشكالا مختلفة ومتعددة من البيئة حولها، ولكن خالتها هذه لم يسبق لها الالتحاق بمدارس، ولم تعرف حتى أن لديها موهبة وعليها تنميتها وتطويرها أو الحفاظ عليها، كل ما كانت تدركه خالتها أن نحتها لشيء اى شيء على الخشب أو على الحجر أو حتى الطين يحسن حالتها المزاجية ويخرجها من الضيق الذي ينتابها بعض الأحيان بل ويشعرها أنها فعل
ت شيء يذكر، أو أن لديها ما يميزها عمن حولها
لكن للأسف نحتها لم يدم طويلا فبعد أن تزوجت نسيت هذا الأمر تماما خوفا من سخرية زوجها وأهله من ناحية من عملها هذا، وانشغالها بأطفالها الذين أتوا تبعا من ناحية اخرى، هكذا اندفنت موهبة خالتها، لكن تشاء الأقدار وتنتقل الموهبة من خالتها إلى مكاسب التي كانت تتبع خالتها كظلها وتجلس بشغف بجوارها لترى بل وتف*ن بما تنحت، ومن ثم تقلدها بل وتسير على خطاها، فمنذ ذلك اليوم الذي رأت فيه محاسن خالتها تنحت تمثالا رائعا من الطين لجدها الحاج ف*ج وكأنه هو بحلبابه الصعيدي المعروف وعمته الكبيرة بل وشارب كشاربه تماما، التمثال كان صورة طبق الأصل من الرجل، لدرجة جعلت مكاسب تفتح فمها دهشة واعجابا لما رأت، ومن ثم أخذت من خالتها الآلة التى تنحت بها وبدأت هي تنحت على طين مثلها، عندما رأتها أمها فرحت بها حيث ذكرتها بما تفعله اختها من فن، لكن لاقت نفس السخرية من باقي الأسرة بل والتعنيف والتكدير الذي يصل إلى التدمير من الشيخ ابراهيم أبيها، الذي حذر وهدد بترك هذا الكلام الفارغ والانتباة والانشغال بما ينفع وبما يفيد مثل المذاكرة وأعمال المنزل، استسلمت مكاسب لحكم ابيها، وإن كانت تفعل ذلك سرا، من وراء ابيها كلما سنحت الفرص لها، ظلت مكاسب في موقف المرج الموجود في القاهرة هائمة لا تعرف ماذا تركب لتصل إلى الحرم الجامعي والسكن الجامعي حتي أنقذها صوت المترو، وسيلة كل تائه، التى طالما سمعت عنه من أخيها وابن عمها، قصدته على الفور، مجرجرة من ورائها حقيبة ملابسها، دخلت المحطة الخاصة به، الناس زحام لا مكان لموضع قدم، شعرت أنها دخلت متاهة كانت تلتفت يمينا ويسار، تسأل عن محطة جامعة القاهرة، وبعد أن دلوها، قطعت التذكرة بسهولة رغم وجود طابور طويل، حيث ساعدها إحداهم واوقفها مكانه في الطابور، مما يسر الأمر عليها، أخذت التذكرة وسالت عن اتجاة جامعة القاهرة، وضعت التذكرة في المكينة ولكن خذلتها ماكينات التذاكر حيث تبادلت علي أكثرهن لعدم معرفتها بأماكن الدخول والخروج حتى أنقذها رجل الأمن وساعدها، لتقع في شرك السلم الكهربائي حيث رمقته بنظرة خوف ، تمتمت بآيات الله المنجيات ثم حاولت جاهدة وضع إحدي قدميها وتبعتها بالأخري ولكن باءت محاولتها بالفشل امام ترددها، خجلت من نظرات الناس من حولها، ظلت مترددة في أخذ السلم الكهربائي والناس ذهاب وإياب حتى استقبلت لكمة من الخلف من كثرة الزحام الذي ظهر فجأة بعد وصول عربة مترو جديدة جعلتها في منتصف السلم وبرغم ألمها سعدت بها وتمنت من القدر أن يمنحها باخري عند الصعود لكنه لم يستجب فمدت قدم والتصقت بالسلم ، مما جعل فردة حذائها تخلع من قدميها، كانت تتصبب حرجا أمام المارة، انزوت لمدة دقائق جانبا بعدها استقلت عربة مترو أقل ازدحما من الأخريات حيث كانت تراقبهن قبل الركوب، وتحاول أن تستقل واحدة أقل ازدحما، وأخيرا وجدت الرجال جالسين والفتيات واقفات مع قلة عددهم ، ترحمت علي زمن الشهامة والمرؤة في سرها و وزعت عليهم نظرات العتاب حتي وقعت عليها جملة من عجوز كان جالسا وهو ينظر للفتيات شذرا ويقول : ستات طماعة مافيش حاجه ماليه عينهم، إيه اللي جايبهم عربياتنا ؟! ، وكمان عايزنا نقوم ونعقدهم مكانا هم كده الحريم مفيش حاجه تملى عينهم أبدا.
فهمت إن لكل منهم عربيات، حاولت أن توضح له الأعذار لكنها تراجعت امام تجهمه ، اكتفت بالالتفات إلى الباعة الجائلين وبضاعتهم ومراقبتهم بعين الدهشة حيث شعرت بانها في سوق متحرك، لا وسيلة مواصلات ، كل شيء يباع في المترو، اكل وشرب وملابس وحتي بعض ادوات المطبخ والأواني البلاستيكية، تتشابك اصوات البائعين وتتداخل، كلا يزعق على بضاعته لبيع اكبر كم للركاب، وكثيرا ما تحدث مشادات بالكلام تصل إلي مشادات بالأيدي بين البائعين نفسهم من أجل من ي**ب لكثر، كانت مكاسب تراقبهم حيث أشياء كثيرة ودت شراءها ولكنها لم تفعل