المقدمة
الصباح، يقال عنه أنه يكون دائما بداية يوم جديد مليء بالتفاؤل و النشاط، الناس تنهض الى عملها أو دراستها في حين يبقى ال**الى نائمين و الخمول يغلف كل إنش بأجسادهم، قهوة داكنة مع قطعة من الكرواسون المحلى و جلسة بالشرفة المقابلة للبحر أو الحديقة، نسمة الصباح تلفح بشرتنا تزيدنا نشاطا و حبا لأن نبدأ يومنا، و نبث كل طاقتنا بعملنا أو أي نشاط يرغبه قلبنا....
الساعة الخامسة و نصف صباحا، يوم جديد يبدأه العمال بين جدران ذلك القصر الأضخم و الأشهر بالمدينة، فيلا السيد روسو رجل الأعمال الاقوى و الأكثر شهرة بمدينة نيويورك الصاخبة. إصطف العمال من نساء و رجال بذلك المطبخ أمام رئيستهم العجوز السيدة سارا منتظرين أوامرها الا أن الأخرى بقيت صامتة و عيونها الحادة تمر على وجه كل عامل و عاملة و ما إن وصلت إلى آخر عامل حتى زفرت أنفاسها بضيق شديد و إمتعضت ملامحها ببعض الغضب جعلت العمال ينظرون إلى بعضهم بقلق و الكل قد فهم ما سبب غضب سارا بكل يوم حرفيا...
"أنا سئمت منها، كل يوم نفس الإستهتار اللعين، أنا لا أدري لما ما** تركها إلى حد هذه اللحظة رغم معرفته بمصائبها، إما أن يجد لها حلا أو سأخرج أنا من هذا العمل..."
أنهت جملتها حاملة ملعقة خشبية بين قبضة يدها و خرجت من المطبخ و الشرار يتطاير من مقلتيها، تاركة العمال بالخلف بالكاد يمسكون ضحكتهم كي لا تعود سارا و تريهم معنى الأدب، لا أحد استطاع يوما أن يعبث بأعصاب سارا غير تلك النائمة بالأعلى و لا تعلم ما ينتظرها، و لا أحد أيضاً إستطاع أن يجعل سارا ترغب بأن تستقيل من عملها عداها أيضاً...
**لها، غبائها و بلاهتها أشياء لم تعد سارا تستطيع تحملها، لم يستطع أحد من العمال أن يتعبها كما فعلت مارينا تلك الشابة البالغة من العمر أربع و عشرون عاما الا أن ما يقطن بداخل جمجمتها عقل طفل لازال لم يبلغ السادسة من عمره بعد. إقتحمت سارا تلك الغرفة الزرقاء بخطواتها الغاضبة حتى إرتطم الباب بالحائط من الجهة اليمنى مفزعا تلك التي إستفاقت لتوها و الخمول باد على ملامحها المرهقة، شعرها المنكوش و بالكاد كانت تفتح عيونها السماوية محدقة بسارا التي تأرجح الملعقة الخشبية بين إصبعيها أمام نظرات مارينا لها...
"الخامسة و أربع و خمسون دقيقة، تعلمين ما يعني هذا صحيح؟، لا تزال ربع ساعة فقط على إستيقاظ السيد و أنت لا تزالين تتكاسلين أمامي بكل وقاحة، أنت تعلمين ما سيفعله إن لم يجد قهوته بمكانها و لم يجدك أنت بغرفته بوقتك المحدد مارينا، تعلمين ما سيفعله بك صحيح؟..."
أردفت سارا ببرود متحجر كان يع** تلك النار المشتعلة بحدقتيها و ذلك الغضب الذي يغلي بداخلها و هي ترى مارينا تخفض رأسها بحزن بعد أن أومأت كرد على كلامها، هي تعلم تماما ما سيحدث و تعلم أن ما** أكثر من ينتظر تلك اللحظة التي تتهاون فيها مارينا بعملها ليكون الطرد مصيرها بالأخير، دائماً ما كانت تحذرها أخته و تحثها على تنفيذ اوامره فقط حتى لا يغضب لأن لا أحد يرغب برؤية ما**ا غاضبا بيوم من الأيام و لا أحد يفضل أن يرى ذلك الجانب الأ**د من شخصيته الهادئة، و مارينا تعلم أن ما تفعله يعتبرا مغامرة خطيرة بعملها و مكانتها الخاصة بذلك القصر لكنها أيضاً باتت تتمنى أن تطرد على أن تعيش بين تلك الجدران التي تحكي قصة معاناة لا يشعر بها أحد غيرها هي....
أما سارا فما إن رأت ذبول عيناها و شحوب بشرتها شعرت بنارها تهدأ و تخمد تدريجيا و لم يعد يحتل قلبها سوى القلق مقتربة من مارينا التي بقيت على وضعيتها و لم ترفع رأسها حتى رغم جلوس سارا أمامها، لم تكن تريد أن تبين إرهاقها و تعبها الا أن كل ذلك قد بان أمام نظرات سارا لها. كانت تعبث بأصابعها ب**ت و لم تفكر حتى بقول كلمة واحدة فيما زفرت سارا أنفاسها المحتقنة و مدت يدها لتمسك بيد مارينا قائلة بحزن : مالذي تفعلينه بنفسك يا ابنتي، مالذي أقحمت نفسك به، هو لا يستحقك أتفهمين ما أقوله، هو لا يستحق أبدا ما تعانيه بسببه، حبك له محرم مارينا و أنت تعلمين أن ما** لن ينظر إليك كعاشقة، أنت بالنسبة له خادمة نحن جميعا خدم و لا نملك أية قيمة بالنسبة له، و أنت لا زلت شابة تستحق أن تعيش حياة سعيدة لا بائسة، إن هذا الحب يقتل روحك الجميلة و أنت لا تستحقين كل هذا البؤس الذي تعيشينه بسبب الحب...
قبضت مارينا على كفها مغمضة عيناها و قد إنهمرت تلك الدموع المحتقنة من بين جفنيها لتسيل على خديها و هي تهز رأسها نفيا مرارا و تكرارا، كان الوجع قد تمكن من كل ذرة بروحها، الظلام سكن كل إنش بقلبها مطفئا شعلة بهجتها و تفاؤلها، هي تعلم حقيقة أن ما** لن ينظر إليها كإمرأة مهما حدث، لن ينظر إلى العشق الذي بنظراتها و لن يسمع يوما نبضات قلبها، حبها محرم كونه لا يراها سوى كأخت ثانية بالنسبة له، هي لا تختلف عن أماندا بشيء عدا أن أماندا سيدة هذا القصر و شريكة بأعمال أخيها أما هي فليست سوى خادمة مجبرة على أن تكون خادمة شخصية لما**. و السماء تعلم كم حاولت الإبتعاد عنه و كم حاولت نسيان ذلك الحب الذي بقلبها له لكنها لم تستطع، مهما إبتعدت كان حبها له كالمغناطيس يجذبها له قسرا غير سامح لها بالفرار من ظلام عشقها له، غير سامح لها بأن تفكر بغيره أو تفكر بأن تحب غير ما**يمس الذي إمتلك روحها و قلبها، إمتلك أنفاسها و حياتها منذ ثماني سنوات حينما كانت تعتقد أن ما تكنه له مجرد إعجاب، لكن الآن تمنت لو أنها ظلت على إعتقادها و لم تفكر يوما بأن تقع بدوامة عشق محرم مع رئيسها....
"لا أستطيع، حاولت أقسم لك أنني حاولت لكنني فشلت سارا، هذا لا يتوقف عن النبض له، لا يتوقف عن الصراخ بإسمه لقد يئست من هذا الحب سارا لقد يئست، من المفترض ألا يحدث هذا من المفترض أنه يعلم أن ما** لم و لن يكون له لكنه لا يتوقف عن حبه، كان يجب أن يعلم أنّ ما** ليارا و ليس لي الا أنه رخيص ينبض لمن لا يحبه و لا يعتبرني سوى خادمة بقصره، أنا أتألم كثيراً سارا و هذا الألم يقتلني ببطء، أنا اتمنى الموت سارا أنا أريد أن أموت على أن أعيش لحظة أخرى مع هذا القلب..."
همست من بين شهقات بكائها و قطرات دموعها التي كانت تبلل وجنتيها، قطرات كانت كالنار تحرق قلب الجالسة أمامها و دموع الحزن تجمعت بمقلتيها، كانت تناظرها بقلة حيلة و لا تدري ما تفعله لتحمي تلك الشابة من الكرب و الهم الذي يثقل نبضات قلبها، حبها لما** ليس سوى وجع و قهر ينهكانها و يذبلانها، هي أشبه بوردة و حب ما** يجعلها جافة و مت**رة و هي تعلم أن هذا الحب لم و لن ينصفها مطلقا، الجميع يعلم بعشق ما** لزوجته المتوفاة والتي لم ينساها يوما، لم ينسى ذكراها يوماً و إلى حد تلك اللحظة لا يزال عشقها ينبض بقلبه، لم يحب بعدها إمرأة و لم يفكر بالزواج بغيرها كان و لا يزال وفيا إلى تلك المشاعر التي تملأ كل إنش من روحه و تعمي عيناه عن رؤية غيرها حتى بعد موتها....
رفعت سارا يدها لتمسح دموع مارينا بإبتسامة حزينة و هي تراها تجاهد لتكتم شهقات بكائها، كانت تجاهد لإيقاف سيول دموعها التي تظهر ضعفها و كم عشقها الذي يثقل كل نفس تتنفسه، مارينا رغم عفويتها و حلاوة روحها إلا أن ظلام الحب كان أكبر من طاقة إستيعابها، حب غير مباح، حب محرم على قلبها و حتى عقلها الذي لا يفكر سوى بما** و لا أحد غير ما**، قضت حياة بأكملها تتنفس عشق رجل لا ينظر لها و لو بنظرة عابرة، رجل لا يهتم سوى لأعماله و إبنته التي أسماها على إسم والدتها الراحلة، حتى إبنته لم تستطع أن تسلم من عشق والدها لزوجته، كل شيء بحياته يتمحور حول يارا و لا أحد سوى يارا إستطاعت أن تسلبه عقله و قلبه، و هي مهما حاولت أن تجذب إنتباهه لم تستطع كونه لا يراها سوى أخت، تبا و كأنها تشاركه نفس الدماء اللعينة لتكون له أختا!...
"يكفي بكاءا، متأكدة أن الجميع بالأسفل يعتقد أنني أقوم بتأديبك و لا أحد يعلم أن هاتان العينان الباكيتان نقطة ضعفي، من حسن حظك أن اليوم عطلة و ما** لا يستيقظ باكراً و بما أنك مرهقة ما يعني أنه جاء بوقت متأخر و إنجبرت على إنتظاره، فقط إلى متى ستهتمين به و هو لا يلتفت إليك، الى متى سترهقين هذه العيون البريئة بدموع حزنك، أنت تستحقين الأفضل مارينا، تستحقين رجلا يحبك و يبادلك هذا العشق الذي بقلبك، و هذا الرجل ليس ما** مارينا أتفهمين ما أقوله، ليس ماكس..."
تمتمت سارا بجدية محاوطة وجنتي مارينا بين كفيها، فيما كانت الأخرى تنظر إليها بعيونها الحزينة و لا زالت دموعها تملأ حدقتيها، لمعة عيونها قد بهتت منذ زمن طويل و قد ملأ الوجع روحها حتى نسيت ما معنى سعادة هاهي تجاهد لتصنعها بأية طريقة، تجاهد لأن تعيد نفسها الضائعة الا أن البرود و الفراغ هو ما تشعر به داخلها، تعبت من كل تلك المشاعر المميتة، تعبت من كل ذلك العشق الأ**د الذي جعل حياتها مجرد ظلام موحش و بارد، تغار من زوجته الميتة، تغار من حبه لأبنته و اخته أماندا، تغار من الهواء الذي يلامس بشرته و هي التي قضت سنوات تحلم بلمسة صغيرة له، تحلم بالكثير و هي تعلم حقيقة أن أحلامها ستبقى بخيالها و لا شيء سيتغير بحياتها، هي أحبت رجلا يقدس حب زوجته و مهما حدث لا شيء يمكن أن يغير حقيقة أنها ستضل تحبه بينها و بين نفسها و هو لم و لن يفهم أو يرى مشاعرها نحوه...
نهضت سارا عائدة إلى الخلف واضعة كفها فوق خصرها و امسكت الملعقة بين أصابعها من جديد لتبتلع مارينا ريقها و عيناها تتابعان حركة يدها، هي يستحيل أن تثق بجنون العجوز التي تقف أمامها، هي حنونة نعم و صاحبة قلب أبيض نعم، الا أن ما بداخل جمجمتها عقل لا تفكر حتى بأن تعبث معه، عقل أ**د إجرامي، بالطبع فمن يسكن بهذا القصر غصبا عنه سيصبح ذو عقل إجرامي، فسكان هذا القصر جميعهم يحتاجون إلى جلسات كهربائية، و على ما يبدو أن المصحات النفسية لا تدري بأن المجانين الحقيقين هم عائلة روسو لا غير....
"أنا سأنزل لأرى ما فعله الأوغاد بالأسفل، خمس دقائق بالضبط إن لم أجدك أمامي هذه المرة صدقيني سيصل صراخ ألمك إلى الجناح الشمالي هل فهمت؟..."
هسهست من بين أسنانها بإبتسامة باردة و عيونها المظلمة الحادة كانت كفيلة بأن تجعل الخوف يسري بعظام مارينا و التي هزت رأسها بهستيرية كرد على كلامها، ليست خمس دقائق بل خلال ثلاث دقائق هي ستكون بالأسفل، فإن حدث و إبتسمت سارا تلك الإبتسامة الباردة فلتعلم أن لا شيء جميل سيحدث بعدها، و مارينا صدقا لا ترغب بأن يصل صوت صراخها إلى جناح ما** كرامتها لا تسمح لها...
خرجت سارا من الغرفة لتقفز مارينا من سريرها راكضة بخطواتها بإتجاه الحمام لتجهز نفسها و نبضات قلبها تكاد تخرج من بين أضلاعها، الكدمات الحمراء لا زالت لم تختفي من مؤخرتها و بالكاد كانت تستطيع الجلوس بإعتدال و صدقا هي لا ترغب بكدمات أخرى تزين فخذيها، هي لا تزال تريد تجربة فستانها القصير الذي إشترته قبل يومان.
إرتدت زيها الخاص بالعمل و كان عبارة عن فستان فيروزي بياقة بيضاء اللون و سرحت شعرها البندقي بإبتسامة صغيرة على شفتيها ثم أنهت مظهرها برشة صغيرة من عطرها و خرجت من غرفتها متجهة إلى الأسفل حيث وجدت العمال كل منهم منشغل بما أمرته به سارا. من يرى إبتسامتها المشرقة و إلقائها التحية على كل العمال لن يصدق انها نفسها التي كانت تبكي غارقة بحزنها، مارينا إستطاعت أن تعود نفسها على ألا تري لأحد ضعفها، لا أحد بذلك القصر يعلم بحقيقة مشاعرها عدا سارا التي إستطاعت أن تكتشف مشاعرها من نظراتها، و غير أماندا صديقتها الحمقاء التي تذلها بحبها الا أنها أول من يساندها و يشاركها حزنها و ضعفها كون أماندا هي الأخرى نسخة من مارينا...
دخلت إلى المطبخ لتجد سارا بإنتظارها حاملة طبقا فضيا بين يديها و به قهوة اللعين ما**، إبتسمت بزيف و هي تأخذ الطبق من يد الأخرى ناظرة الى فنجان القهوة بكره و ودت لو تضع به قطرات من السم لعله يموت و ترتاح هي من حبه الداعر لزوجته يارا، فليلحق بها و يكمل قصة عشقه بالقبر لا أن يحرق قلبها و يمزقه لأشلاء و هي تراه يقدس صورة إمرأة غادرت الحياة قبل سنوات عدة...
سرعان ما خرجت من المطبخ متجهة الى الدرج بخطوات بطيئة متكاسلة و لا رغبة لها في الصعود و رؤية وجهه اللعين الذي يضعف مشاعرها، لا رغبة لها بأن ترى تلك العيون الرمادية الناعسة التي تجعل من نبضات قلبها تكاد تخرج من بين أضلاعها، لا رغبة لها بأن تسمع ذلك الصوت الرجولي بنبرته الخاملة، هي لا ترغب بأن تنفجر و تصرخ بعشقها له كونها تعلم و متيقنة أنه لا يستحق أيا من مشاعرها، و تعلم أيضاً أنه إن عرف و لو بذرة واحدة من حبها له هو لن يبقيها بقصره ثانية أخرى....
أخفت حبها، أخفت نظراتها الا أن قلبها كان يفضحها، رجفة يدها و إرتعاش نبرتها أمامه أشياء لم تستطع أن تسيطر عليها، عشقها له فات حدود توقعاتها و فات حدود تخيلها، أصبحت غريقة عشق قاتل لم يرحمها، عشق لم ينصفها و لم يجعلها تعش يوما من الفرحة، عشق أ**د محمل بالهموم و الأوجاع كالموج الهائج و هي أشبه بقارب صغير وسط ذلك المحيط الهائج، لا أحد ينقذها و لا أحد يرأف بحالها و يحميها، ما** سيبقى حلما بالنسبة لها، حلم بعيد صعب المنال و تعلم أنها بحياتها لن تصل إلى قلب ما** كون قلبه أيضا دفن بقبر زوجته يارا....
وصلت أخيرا إلى جناح ما** و وقفت أمام تلك البوابة البيضاء تراقب نقش إسمه بعيون تلمع بوهج من العشق، مجرد رؤيتها لحرف إسمه إزدادت خفقات قلبها ضجيجا حتى باتت تسمع نبضاتها بأذنيها، كانت تجاهد لكي لا ترفع يدها و تمرر أصبعها على ذلك النقش، كانت تجاهد لألا تهمس بإسمه حتى بينها و بين نفسها كونها تعلم أنها محرم عليها حتى التفكير بأن تنطق إسمه كاملا، فنبرتها دائما ما تفضحها و تظهر تلك الرعشة بنطقها لإسمه.. سيدي، سيد روسو، ذلك ما تعودت على قوله لسنوات عدة، و هو لم يهتم أو حتى يسألها لماذا لا تناديه بإسمه كالأغلبية و كأنه هو الآخر لا يرغب بأن تناديه بإسمه، كون حتى إسمه محرم عليها كحبها....
مدت كفها المرتجفة لتمسك بمقبض بالباب مبتلعة غصتها و ألم إحتل يسار ص*رها فاتحة الباب ببطء شديد و كالعادة كان الظلام يبتلع الجناح بأكمله و لا يمر شعاع من نور من بين الستائر المغلقة، لفحة من الهواء البارد مرت على طول عمودها الفقري ما إن خطت أول خطواتها داخل الغرفة، شعور بعد الراحة راودها فجأة و صوت بداخلها يحثها على الخروج من الجناح دون أن تلتفت خلفها الا أن خوفها من سارا كان أكبر، تقدمت و هي بالكاد ترى وسط ذلك الظلام الدامس ثم ضغطت على مقبس النور لتضيء الغرفة أخيرا و صرخة فزع خرجت من بين شفتيها مسقطة الطبق أرضا حينما وجدت ما** لا يبعد عنها سوى خطوة يناظرها بعيون باردة غير مهتمة و الإحمرار يحاوط جفنيه، أخفض بصره ببطء ناظرا إلى قهوته التي سالت على الأرضية ليبتسم بسخرية رافعا أبصاره إليها من جديد متمتما ببرود : صباح الخير لك أيضاً مارينا...
رفعت يدها إلى ص*رها متنفسة بصعوبة و هي تناظره بلؤم شديد، رغم انها لم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها بإفزاعها بذلك الشكل إلا أنها لم ستستطع بتاتا أن تتعود على تصرفاته المرعبة، هي حتى لم تشعر متى إقترب و لم تستمع حتى إلى صوت خطواته و كأنه كان ينتظرها بمكانه فقط ليفزعها، إبتلعت ريقها فجأة حينما قلص تلك الخطوة بينهما داعسا بقدمه على زجاج الفنجان محطما ما تبقى منه لتسرع بالنظر إلى قدميه و الرعب إحتل قلبها بأكمله معتقدة أنه حافيا الا أنه طمأنها بإرتدائه لحذائه و لتوها فقط إستوعبت أنه لم يغير ملابسه منذ الأمس، حالته المبعثرة و ملامحه المرهقة كانت دليلا على أنه قضى ليلة أخرى من ليالي حزنه على يارا. دمعت عيناها و بالكاد منعت نفسها من أن تضحك ساخرة على قلبها الذي لا يزال ينبض له رغم معرفته بكل هذا، لا يزال ينبض بضعف و خضوع لحبه الذي لم و لن يشعر به ما**، لن يشعر بأنين قلبها و صراخ وجعه طالبا ببعض الرحمة و الاهتمام منه، هو لن يهتم لشيء عدا أنه يقتل نفسه بحبه ليارا و يقتلها هي بعدم شعوره بحبها...
"صباح الخير سيدي، أنا آسفة إعتقدت أنك ما تزال نائما، لم، أنا لم...."
إبتلعت كلماتها و تسارعت أنفاسها محدقة بعيناه القريبة منها، كان لا يبعد عنها سوى إنشات كانت كفيلة بأن تجعلها تشعر بأنفاسه التي تداعب وجهها، شعرت و كأن الأ**يجين إنقطع عنها فجأة حينما أخفض رأسه مسندا جبينه على كتفها متكأ على الحائط بكفيه و يحاصرها بين ذراعيه، عيونها توسعت فجأة و شعرت و كأن الشريان النابض بعنقها سينفجر بأي لحظة حاله حال قلبها الذي يكاد يتوقف لشدة نبضه من قربه منها، رغم حالتها الا أنها شعرت بتعبه الشديد و أنفاسه الثقيلة، بدا و كأنه يصارع لأن يبقي الهواء بداخل ص*ره، كل إنش بها كان يرتجف و هي تشعر به يخفض يده اليمنى ليحاوط خصرها و بدا كأنه يحاول إحتضانها الا أن صدمتها لم تجعلها تستوعب ما يحدث...
"مارينا، أنا أحتاج ... أنا أحتاجها بشدة، هل كان يجب أن أقع بحبها المؤلم لروحي، لماذا لم تشعر بي كما أشعر أنا بها، لماذا أنا من أشعر بحبها و هي لا تشعر بذرة لعينة من عشقي لها، هل أنا ظالم مارينا؟ هل لأنني حاولت حمايتها أصبح داعرا ظالما؟..."
تمتم بوجع رافعا رأسه لتقابل حدقتيه المرهقتين سماء عيونها الدامعة، كانت تناظره ب**ت رغم صياح قلبها، علمت انه يتألم بسبب حبه ليارا و كيف انه لم يستطع حمايتها من الموت و لم يستطع أيضاً نسيانها حتى بعد موتها، كانت تراه يصارع شيئا بداخله و نظراته تنتقل بين حدقتيها عابس الملامح و أصابعه تقسو على خصرها، هو ليس بخير و لم يكون يوما بخير من بعد وفاة يارا، هي كانت جزء من روحه و الآن روحه باتت تسكن قبر زوجته منذ خمس سنوات. منذ خمس سنوات كاملة تغيرت حياة ما** بأكملها للأسوء و لا شيء يمكنه إعادة روحه القديمة، كان قاسيا و أصبح أقسى، كان قاتلا و أصبح س**حا، كان مدمنا على حب يارا و الآن بات مدمنا على الم**رات لينساها، كان ما** الذي يحب الحياة رغم ما عاشه من بؤس بماضيه و الآن بات ما** آخر يكره النفس الذي يتنفسه، ألمه يمزق قلبها و حزنه كالنار تحرقها، كانت تجاهد لتمنع نفسها من رفع كفيها لتمسك يده او تحاوطه بحضن منها، تيبست كل عضلة بجسدها مع إقترابه منها و إسناده لجبهته ضد خاصتها لتغمض عيناها بأنفاس متسارعة فيما ابتسم هو بإستهزاء قائلا : أنا آسف مارينا، أعلم أنني أزعجتك بحديثي التافه لكن أنت الوحيدة من تفهمين مشاعري، ربما ما أفعله قلة أدب لكن أماندا أخبرتني أن حضنك دافئ و حنون كقلبك، أنا آسف لأنني مقصر بحقك كصديق و.... أخ أيضاً لكنني منشغل كثيراً مارينا، أحاول أن أسيطر على أفكاري الا أنني لم أعد أستطع كبحها طويلاً، لم أعد أستطع ماري...
إرتجف قلبها فاتحة عيناها ببطء مع نطقه لإسمها بتلك الطريقة التي سلبتها أنفاسها، نبضات قلبها باتت مسموعة لأذنها و هي تراه مغمض العينان و إبتسامته لا تزال تعلو ثغره، إرتخت ملامحه و إنزاح العبوس و لم تعد ترى سوى تفاصيله الرجولية التي ف*نت قلبها قبل عيناها، تمنت لو تلمس وجنتيه الملتحية، تمنت لو تلمس بشرته العسلية، تمنت لو تلمس تلك الرموش الكحلية التي تخفي خلف جفونه قمران فضيان أفقداها عقلها، تمنت لو تمرر إصبعها على كل تفصيل سلبها أنفاسها الا أن امنياتها خيال بعيد عن الواقع. أخفضت بصرها لتخفي نظرات عشقها له حينما فتح هو حدقتيه ناظرا إليها بألم هامسا : غادري، تبا لك مارينا لما أتيت، لما أتيت لترين ضعفي، غادري أتوسل إليك أن تغادري حالا...
رفعت أنظارها إليه عاقدة حاجبيها بوجع و هي تشعر به يقسو على خصرها لترفع يدها ممسكة بقبضته و حينها فقط إستوعب ما** أنه يؤذيها ليعود إلى الخلف خطوة و قد إكفهرت ملامحه من جديد و ظهر الرجاء بعيناه يطالبها بأن تغادر الغرفة بأكملها، لم يكن يرغب يوماً بأن يرى أحدا ضعفه و مارينا رأت ما يجعله يزداد كرها لنفسه، هو لم يستطع أن يتخلص من مشاعر الضعف التي تستولي عليه بمجرد تذكره لمن تؤلم روحه، و رؤية مارينا له و هو بأسوء حالاته ضعفا تمزقه لألاف الأشلاء...
إنحنت حاملة الطبق ثم غادرت الجناح بأكمله تاركة إياه بمفرده وسط صور يارا التي تملأ جدران غرفته و حرفيا كانت تركض بذلك الممر الطويل و كأنها تهرب من مشاعرها، تهرب من الوجع الذي يلاحقها ليغرس سكينه البارد بقلبها، كل حرف قاله يتردد بعقلها مسمما روحها و هي ليس بيدها فعل شيء عدا ال**ت كما فعلت لمدة ثماني سنوات كان ال**ت هو عدوها الدائم، لم يكن ال**ت حليفها يوما كونه لا يدل سوى على ضعفها و قهرها، بكل مرة تستمع فيها إلى أوجاعه يكون ال**ت إجابتها على كلامه، عقلها يصيح من جهة و قلبها يصرخ من جهة أخرى لكن ل**نها يمتنع عن البوح بربع من خزان الكلام الذي فاض بداخلها، لكن ما يضحكها رغم كل شيء هو قوله أن يارا لا تشعر به، هي تعلم أن رئيسها مجنون لكن لم تعتقد أن يصل درجة جنونه بيارا أنها يجب أن تشعر به و هي نائمة بحفرة طولها متران....
كانت تركض دون وجهة محددة و كأن عقلها توقف بتلك اللحظة و لم تعد تفكر الا بكلام ما** عن يارا، و كأنه يعرف بحقيقة مشاعرها و يتعمد إيذائها بذكره ليارا و كأنه تحذير على أنه لن يحب غيرها لا الآن أو بالحياة الأخرى، سيضل قلبه ينبض عشقا ليارا و سيضل تفكيره بيارا و لا أحد بإمكانها أن تحتل يوما مكانة يارا بحياته، يارا، يارا، يارا و لا غير سواها...
"ا****ة عليك ما**، ا****ة عليك و على قلبي الرخيص..."
همست بكره من بين أنفاسها المتسارعة و قد توقفت عن ركضها أخيرا فيما كان ص*رها يعلو و يهبط بجنون، وقفت على بعد أمتار من الدرج و كان بنيتها أن تهدأ من أنفاسها قبل أن تنزل إلى الأسفل، أن تهدأ من نبضات قلبها المتسارعة و أن تمنع تلك الدموع العالقة برموشها من أن تنهمر و تنساب على خديها، لم يكن الوقت مناسبا لتظهر ضعفها و قهرها من حقارة ما** و قلبه الاعمى الذي لم يشعر بعشقها، كم ترغب بأن تغرس بداخله سيخا حاميا لعله حينها يشعر بالنار التي تتآكل قلبها بسببه، لعله حينها يستفيق من جنونه بإمرأة ميتة و يشعر بنبضاتها التي تكاد تموت بسببه هو، لا تصدق أن رجلا بضخامته و قوته يذوب بعشق إمرأة غادرت الحياة و لم يعد لها أثر، ما** إستطاع أن يفوز على وفاء الكلاب بحبه ليارا...
عضت شفتيها لنوبة الضحك التي إجتاحتها من بعد ما فكرت به و بتلك اللحظة لم تتخيل سوى ردة فعل ما** إن علم بأنها قارنته بالكلب، يا إلهي كم سيكون تعليق رأسها أمام بوابة قصره مريحا لنفسه حينها، و رمي باقي جثتها إلى الكلاب سيعلمها معنى أن تقارن وحش نيويورك بالكلب....
"هل أخيرا فقدت قبلتك الأولى مع الزعيم أم أنه فعل معك أكثر من مجرد قبلة..."
جائها ذلك الصوت الهامس بأذنها مفزعا إياها لتلتفت إلى أماندا التي تقف خلفها بإبتسامتها الخبيثة و عيونها الفضية الماكرة التي شابهت عينا أخاها، كانت تقوم بثني أكمام سترتها مظهرة الوشوم التي تغطي ذراعيها لتقوس مارينا شفتيها بعبوس محدقة بها من الأعلى إلى الأسفل و كالعادة هي لا ترتدي سوى البدلات النسائية و الأحذية المغطاة ذات الكعب العالي، أمسكت ذراعها محدقة بذلك الوشم الجديد الذي رسمته على جلدها لتقطب حاجبيها بحزن شديد ممررة إصبعها على بشرتها هامسة : أجنحة م**ورة؟ لما تفعلين هذا بنفسك أماندا....
جذبت أماندا يدها ببطء مبعدة حدقتيها عن مارينا التي كانت تناظرها بألم يبرق بمقلتيها، كانت ترى بقايا روح من**رة بداخلها، ألم اماندا كان أعظم و أكبر من ألمها الذي لا يسوى شيئا أمام أوجاعها، كذب من قال ان الأغنياء يعيشون براحة، و كذب من قال أن المال يشتري كل شيء لأن المال الذي إمتلكته أماندا بحياتها لم يستطع أن يشتري شيئا واحدا لطالما تمنته الا و هو النسيان، نسيان الحب الذي دمر قلبها و أحرق روحها بدرك الجحيم، كلاهما وقعا فريسة لأنياب العشق الذي لم يرحمهما و لم يرأف بهشاشة قلبيها، و كل منهما يحاول أن يحارب هذا الحب بطريقته كل منهما يريد ان ينسى حبه الموجع لمن لا يستحق حبه، أماندا التي إختارت طريق مواجهتها لمن تحب و أعلنت الحرب على قلبه، أما هي فقد اختارت طريق ال**ت و التكتم عن أوجاعها كونها تعلم أنها ليست قوية كأماندا و لا تملك الجرأة لأن تعبر عن ربع من عشقها لماكس...
"إعتقدت أنني عصفورة حرة لتوها تعلمت كيف تحلق بأجنحتها، إعتقدت أن الطيران بسماء الحب شيء جميل مارينا، لكنني لم أعتقد أن صياد قلبي و قاتلي ينتظرني بالأسفل، الأجنحة التي كنت متلهفة للتحليق بها هي من كانت سبب موتي، هي من كانت سبب **رة قلبي، السماء لم تكن يوما تشبيها للحب مارينا، الحب هو مجرد مشاعر قاتلة تخترق قلبك كرصاصة بندقية، هل فهمت الآن ما معنى الأجنحة الم**ورة، هذا لكي أتعلم ألا أحلق بخيالي بعالم بعيد عن واقعي ماري..."
أردفت بإبتسامة هادئة محاوطة وجنتي مارينا بين كفيها، و ما أبهر مارينا أن لا ضعف أو حزن كان يظهر بنبرتها و لاشيء يظهر بعيونها عدا الصفاء و كأنها تعودت على أن تلك المشاعر لا تستحق أن تشعر بالحزن عليها، ما حدث لها إعتبرته درسا قاسيا يعلمها الا تقع بالحب مجددا، ألا تفكر مجرد تفكير بأن تسمح لذلك القلب بأن ينبض من جديد، هي تعلمت أن لا مشاعر بعالمها و تعلمت أيضاً أن الضعف يجعلها كغزالة أمام الأ**د، لذا كان يجب أن تتعلم كيف تصبح نمرة لتواجه معشر الأ**د، تعلمت أن تقاتل بغريزتها لا بعواطفها و تعلمت أيضاً الا تسمح لأي كان بأن يعلم نقطة ضعفها، الحب رغم أنه أوجعها لفترة من الزمن الا أنه أيضاً اعطاها دروسا قاسية تفيدها بحياتها....