إستقاما بعيدا عن باب الفندق، ثم إلتفت كلاهما إلى الآخر.
سأل ما**:
- ماذا الآن؟
تتقدمت ريما خطوتان نحو المدخل.
- من يصافح يد الموظف أولا، يحجز الغرفة لنفسه.
- سباق إذا؟
- نوعا ما.
وقف في وضعية الاستعداد.
- هل أعُد؟
- لا حاجة للعد.
رمته بابتسامة واسعة مصطنعة، ثم إنطلقت جريا نحو باب الفندق.
- ماذا؟ أ هي جادة؟
لحق بها جريا بدوره و بلغها لحظة مدّت يدها إلى مقبض الباب، فأمسك بمع**ها.
- بما أنك غششت فسأغش كذلك.
رماها بنفس إبتسامتها، ثم دفعها بلطف و أبعدها عن طريقه، فتح الباب، ثم دخل مهرولا. لحقت به جريا، قفزت و لفّت ذراعها حول رقبته، ثم سحبته للأسفل فأفقدته توازنه و أكملت طريقها نحو مكتب الاستقبال. إستعاد ما** توازنه بعد أن كاد يتعثر، فلاحظ أن ريما إقتربت من هدفهما.
- يا لها من.. آه..
ثم هرع ركضا نحو الهدف دون أن يستهدفها هذه المرة.
وصل كلاهما في نفس الوقت، و إرتميا على المكتب، ثم أمسك كل منهما بيد من يداي الموظف الذي تفاجأ و إتسعت عيناه ذهولا. إتجه إنتباه نزلاء الفندق إليهما في تلك اللحظة، بعضهم يضحكون، و آخرون يتساءلون عن ما يحدث.
سحب ما** يد الموظف اليمنى، و سحبت ريما يده اليسرى، ثم قالت و هي تلتقط أنفاسها:
- لقد سبقتك. أنا صافحته أولا.
أجابها و هو يلتقط أنفاسه أيضا:
- أنتِ تمسكين باليد الخطأ! نتصافح باليد اليمنى يا آنسة.
- لم نتفق على أي يد نصافح. لقد إتفقنا على أن أول من يصافح الموظف يأخذ الغرفة.
حاول الموظف سحب يديه إليه.
- من فضلكما.. هلا تفلتان يداي؟ أتوسل..
ثم سحب يديه بقوة و في إنزعاج
- إليكما!
رتب بذلته.
- أنتما! هذا كثير!
إعتذر ما** من تصرفهما، أما ريما فسألت:
- أ يمكنك أن تجيبنا بصدق؟ من وصل إليك أولا؟
تن*د الموظف مستسلما.
- آسف جدا، لكن عائلة حجزت الغرفة.
إتسعت عينا ريما.
- أنت تمزح؟ صحيح؟
- آسف لكن.. كانت الأم تحمل طفلا في عامه الأول، و كان متعبا للغاية. لم أستطع رفض طلبهم لحجز الغرفة. كما أنني في الواقع.. ظننت أنكما لن تعودا.
عمّ ال**ت لمدة تعابير الخيبة المختلطة بالمفاجأة تسيطر على ملامح الزبونين.
تن*د ما**.
- ماذا الآن؟
- يمكنكما البحث عن شقق صغيرة للإيجار. كما أن هناك بيوت صغيرة للإيجار أيضا على الشاطئ. و أنصحكما بأن تسرعا.
****
خرج الاثنان من الفندق خائبين.
إلتفت إيان مبتسما لريما.
- حظا موفقا.
ثم حمل حقيبته على ظهره و حقيبة ملابسه في يده.
- حظا موفقا لك أيضا.
إبتسمت له إبتسامة صغيرة سريعة، ثم حملت حقيبتيها و همّت بالمغادرة. إفتر ثغره عن ضحكة مكتومة عندما لمح طريقة مشيها الظريفة و هي تحمل حقيبة ملابسها بصعوبة.
- عنيدة! و مضحكة!
ثم عضّ على شفته السفلى لثانية.
- و ظريفة.
****
وضعت حقيبتها أرضا لحظة توقفت أمام أحد الدكاكين التي تطل على شاطئ البحر. دخلت و ألقت التحية على البائع، ثم سألته:
- أ يمكنني أن أسألك سؤالا يا سيدي؟
تبسم لها البائع
- تفضلي يا آنسة.
- سمعت أن هناك بيوتا للإيجار هنا، فهل يمكنك أن تدلني عليها؟
- بالطبع يا آنسة. المكان قريب من هنا.
خرج من الدكان و طلب منها أن تتبعه، ثم أشار لها بسبابته إلى موقع البيوت.
- إنها هناك. أغلب البيوت تطل على الشاطئ. و هناك أخرى بنيت على الشاطئ. لكن من الصعب أن تجدي منزلا فارغة في هذا الوقت من السنة. قد تكون محجوزة كلها.
- كان علي الحجز قبل القدوم.
- أسرعي و حسب. قد تكونين محظوظة.
تبسمت للبائع ثم أومأت له.
- شكرا لك سيدي.
- إنه واجبي يا آنسة.
ثم ودّعت البائع بعد أن شكرته، و غادرت. تمتمت لنفسها ضاحكة في سخرية:
- أنا؟ محظوظة؟
تأففت.
- إلهي.. ماذا أفعل الآن؟
أسرعت في خطواتها أكثر و هي تجر حقيبة ملابسها، و القلق يصاحب تقاسيم وجهها ال**بس. و بعد دقائق من السير و البحث، وصلت أخيرا إلى مبتغاها.
كانت البيوت على الشاطئ مبنية بالخشب، و مزينة بالقش و أوراق الأشجار. و كانت بعض المصابيح معلقة عند النوافذ و عند المداخل. إستمرت ريما في المشي بين المنازل و هي تفتش بينها على واحد فارغ، لكن كل البيوت بدت محجوزة. فبعضها يستلقي مستأجروها خارجها و هم يستمتعون بالجو الدافئ و المشمس، بينما كان الآخرون داخلها يظهرون من خلال النوافذ المفتوحة. ثم أخيرا أثارت أحدى البيوت إنتباهها. كان مغلق الباب و النوافذ، و لا أحد يحوم حوله. أسرعت في خطاها لتتأكد و تسأل عن ما إذا كان البيت محجوزا أم لا. و ما أن وقفت أمام المدخل، حتى شعرت بشخص يقترب منها. إلتفتت إليه، فاتسعت عيناها و همست لنفسها:
- ماكس..
- إنه البيت الوحيد الغير المحجوز.
إبتسم لها ثم أشار لرجل متقدم في السن يصعد الدرج و المفاتيح في يده.
- و أنا سبقتك إليه.
ضغطت على أسنانها حتى إحتدّ فكها، ثم أشاحت بوجهها بعيدا دون أن تقول شيئا. فتح الرجل الباب، ثم أشار لهما بالدخول متبسما.
- تفضلا. إنه بيت صغير يناسب المتزوجين حديثا. ألقيا نظرة عليه. سيعجبكما.
حاولت ريما تصحيح ملاحظة الرجل قائلة:
- الأمر.. ليس.. نحن لسنا..
لكنه دخل دون أن ينتبه لما كانت تحاول قوله. إلتفتت إلى ما** فبادلها بنفس النظرة المرتبطة و المنحرجة على وجهها.
- يمكنك الدخول.. إن أردتي رؤية الشقة.
أشاح ببصره في تردد ثم صعد السلالم المؤدية إلى الباب و هو يحك مؤخرة رأسه. راقبته ريما إلى أن دخل، رفعت كفيها إلى خديها فشعرت بحرارة جسدها ترتفع.
- يا إلهي.. ما هذا الموقف المحرج السخيف!
أخفت وجهها بكفيها متمتمة:
- عيناه جميلتان للغاية!
ثم صفعت خذيها بلطف مرارا.
- إلهي!
****
عندما دخلت، لاحظت وجود مطبخ صغير مفتوح يقابل الباب، و على يسارها بابان. الأول باب غرفة صغيرة بها سرير لشخصين و خزانة متوسطة الحجم، مرتبة و مزينة تغلب عليها الألوان الصيفية، و زينة مقتبسة من التقاليد القديمة للجزيرة. و أما الباب الثاني، فيؤدي إلى حمام بسيط للإستحمام و مرحاض. كان البيت أشبه بشقة بسيطة لطيفة.
- ما رأيكما؟
أجاب ما**:
- أحببتها.
إبتسم صاحب البيت ثم قدم المفاتيح للشاب.
- أتمنى لكما عطلة ممتعة.
- شكرا لك سيدي.
- أراكما لاحقا.
- إلى اللقاء.
ثم خرج اصاحب المنزل، و لم يبقى بداخله سوى ما** و ريما. كانت لاتزال تتفقد البيت متفادية التحدث و حتى النظر إليه، بينما كان هو يراقبها آن ذاك.
تحدث أخيرا بعد أن تردد طويلا:
- يمكنك.. البقاء هنا إن شئتي.
ردّت على كلامه دون أن تلتفت إليه.
- لو كنت مكانك لما دعوتك لدخول حتى.
قهقه في **ت.
- لا حاجة لتخبريني بذلك. حوت عنيد!
إلتفتت إليه أخيرا.
- توقف عن مناداتي بذلك.
- أنت من وصف نفسك بالحوت العنيد!
تجاهلته هذه المرة و لم تجب، فأضاف قائلا:
- يمكنك البقاء. و غرفة النوم لك. لكن بشرط.
رفعت كلا حاجبيها.
- ما هو؟
- أن تدفعي ستون في المئة من الأجرة.
ضحكت في دهشة.
- الآن فهمت!
- ما رأيك إذا؟
وقفت تحدق بعينيه و هي تفكر في ما إقترحه. إبتسم إليها، ثم سأل مجددا آملا أن تجيبه.
- إتفقنا؟
*****