الفصل ٣

1390 Words
أيقظتها أشعة الشمس المتسللة من نافذة، ففتحت جفنيها بصعوبة، ثم مددت ذراعيها و هي مستلقية على ظهرها، ثم شردت في سقف الغرفة لمدة قبل أن أن تنهض و تجلس. مسحت وجهها بكفيها، ثم تجولت ببصرها في الغرفة. إلتقطت هاتفها ثم تفقدت الساعة. كانت تشير إلى الثامنة و النصف صباحا. قامت من على الفراش، رتبت شعرها، ثم إرتدت سترة فضفاضة طويلة على الص*رية و السروال القصير اللذان كانت ترتديهما. خرجت من الغرفة، ثم هرعت إلى الحمام. حركت المقبض لتفتح الباب، لكنه كان مغلقا. تأففت، أطبقت جفنيها في إنزعاج لثانية، ثم دقت الباب. - متى ستخرج من الحمام يا سيد ما**؟ أجاب ما** من خلف الباب، بعد أن توقف صوت تدفق المياه. - أنا أستحم الآن. قليلا بعد. ثم عاد صوت إنهمار المياه. قلبت ريما عينيها ثم دخلت المطبخ المفتوح. فتحت الثلاجة الصغيرة و أخرجت منها بعض الخبز و الجبن و قنينة عصير إشترتها أمس في طريق عودتها إلى البيت، ثم أعدّت لنفسها شطيرة، و جلست لتناول فطورها. أخذت بضع قضمات، شربت من عصيرها، ثم غادرت المطبخ مسرعة نحو الحمام، و هي لاتزال تحمل في يدها ما تبقى من الشطيرة. دقت الباب للمرة الثانية. فأجاب ما** بعد **ت. - دقيقتين و سأخرج. - منذ متى و أنت في الحمام؟ أسرع. لا أستطيع التحمل أكثر. علي قضاء حاجتي. - قلت قليلا بعد! طرقت مرتين، حركت مقبض الباب، ثم عادت تطرق. - أسرع و إلا سأدخل. أجاب في إنفعال. - قلت سأخرج! انتظري قليلا. هدأت لوهلة و هي تحدق بالباب. لم يعد صوت المياه المنهمرة من رأس الدش يسمع، فدقت مجددا. - أخرج وحسب. سأنظف الحمام. - سأخرج. سأخرج قلت!! إنتظرت لثلاث ثواني لا أقل و لا أكثر، ثم عادت إلى تحريك المقبض. و في تلك اللحظة فتح ما** الباب على مصرعه و صاح بها، فتراجعت بضع خطوات و أطبقت جفنيها بإحكام مشيحة بوجهها. - ها هو ذا الحمام! لقد خرجت. إرتحت الآن؟! أسرعي وقضي حاجتك تلك التي لا تنتظر. رفعت بصرها إليه في تردد ثم إعتذرت متلعثمة عندما وقعت عينيها على شكله المثير. شعره الكثيف المبلل، رموشه المبعثرة بشكل لطيف، شفتاه اللتان إشتدّ إحمرارهما بعد حمام ساخن، و عضلات ص*ره المزينة بقطرات من الماء. خرج من الحمام ثم أسرع نحو ملابسه التي تركها على حقيبته. كانت ريما تحاول أن لا تحدق به، فتتحسس جبينها بأصابعها تارة، و تشيح ببصرها تارة. - أ لن تدخلي؟ لما كنت تزعجينني إذا؟ إلتفتت إليه كالمتفاجئة، ثم أجابت متلعثمة و هي تتجول في المكان بعينين مرتبكتان: - صحيح.. فقط.. أنا.. سأدخل.. ثم دخلت الحمام مهرولة. كانت على وشك إغلاق الباب، إلا إن ما** أمسك بمقبض و دفعه، ما جعلها ترفع عينيها المتسعتين المتوترتين إليه. - م.. ماذا؟ مدّ يده إلى الشطيرة التي كانت في يدها و أخذها منها. - سآخذ هذه. لا يمكنك أكلها و أنت تستحمين! أليس كذلك؟ وقفت تحدق بعينيه الحادتين اللتين إزدادتا ظرافة عندما إبتسم إليها، رغم أن إبتسامته كانت مصطنعة منه ليستفزها. - شكرا لك! ثم غادر موقفه و هو يمضغ اللقمة التي قضمها. أغلقت ريما الباب خلفها، ثم تصنمت للحظة. - يا إلهي.. ما هذا الذي يحدث معي؟ أراحت كفّها على ص*رها. - قلبي! **** فتحت باب الحمام بحذر، أطلّت بعين واحدة لتتأكد ما إذا كان ما** لايزال بالبيت، لكن لم يظهر له أثر، فخرجت ثم هرعت إلى الغرفة. و في تلك اللحظة نفسها عاد ما** للبيت، فتجمدت قدماها مكانهما عندما لمحته يدخل. تقدم نحوها و هو يمد لها كوبا. - قهوتك المفضلة. تفضلي. - لما إشتريتها؟ تعلم أنني لن آخذها منك! تبسم ضاحكا. - أعلم ذلك. لكنني إشتريتها لأنني أخذت بعضا من الخبز و الجبن خاصتك من الثلاجة. لذلك خذي قهوتك و إعتبريها ردا للدَّين. أطالت النظر إلى الكوب، ثم إسترقت نظرة مرتبكة إليه. مدّ يده إلى مع**ها و رفعها إليه بلطف، ثم وضع الكوب في كفّها. - أتمنى أن تكفي عن عنادك هذا. سأكون ممتنا لك حقا. حوت عنيد. رفعت عينيها فتعانقت نظراتهما. تبسم لها إبتسامة لطيفة، فأطرقت برأسها قليلا. كانت بؤبؤتاها مشوشتان، و تتحركان في توتر واضح. إستدارت إلى الغرفة و هي تتحسس مؤخرة عنقها، ثم أسرعت في خطاها نحوها. دخلت ثم أغلقت الباب خلفها. وقف ما** يراقبها في إستغراب في البداية، ثم إفتر ثغره عن ضحكة صغيرة من ردة فعلها الغريبة. **** مر على مكوثها في الغرفة أكثر من ساعتين تقريبا. كانت متربعة على السرير، تسند ظهرها للوسادة و هي تكتب، تمزق الأوراق، و تشطب على ما لم يعجبها من سطور. وضعت القلم جانبا، تن*دت في إستسلام، ثم أسندت رأسها للوسادة، و أطبقت جفنيها لمدة. - إلهي.. رأسي يؤلمني! ثم تفحصت صفحات دفترها و شرعت تقرأ ما كتبته قبل قليل. "لطالما سمعت بالغريب الذي تتعانق عيناك بعينيه وسط حشد من الناس. الغريب الذي يجعل قلبك يتوقف لثانية ثم يهتز لدقائق بجنون. ذلك الغريب الذي يعجب به عقلك، و يرقص له قلبك. ذلك الغريب الذي يمر بجانبك و يختفي من حياتك للأبد. ذلك الغريب الذي لن ينساه عقلك، و لا قلبك." أدارت الصفحة، ثم قرأت. "لقد منحني الغريب فرصة. منحني فرصة لأتقرب منه. منحني فرصة لأتعرف عليه. ذلك الغريب." تمتمت لنفسها: - لماذا أكتب عن ما** هكذا؟! أنا لست معجبة به بالطبع! أغلقت الدفتر ثم رمته جانبا على السرير. - أُقسم أنني جننت تماما! علي الخروج من هنا. أسرعت نحو حقيبة ملابسها، فتحتها و بحثت فيها طويلا، ثم أخيرا أخرجت منها سروال جينز قصير أزرق سماوي، و قميص ذو أكمام قصيرة أبيض مزين برسوم عبارة عن ورود صفراء و بنفسجية. إرتدت القطعتين، أدخلت ثوب القميص في السروال من الأمام لتسمح للحزام بالظهور، و تركت القميص متدليا من الخلف، رتبت شعرها المصفف على شكل كعكة أمام المرآة، ثم حملت محفظة ظهرها، و غادرت الغرفة. **** كانت تتجول بين الدكاكين التي تُطِل على شاطئ البحر و تتأمل ما بها من بضائع بسيطة، عندما لمحت فساتين صيفية معلقة خارج أحد المحلات. توقفت لتتفقدها، فخرجت فتاة شابة من الدكان و رحّبت بها. كان لها شعر مجعد أ**د طويل، و لها بشرة سمراء و ملامح جميلة. كانت ترتدي قميصا قصيرا أحمرا بدون أكمام، و تنورة قصيرة ملونة تكشف عن رشاقة جسدها المنحوت. كانت تضع حول عنقها بضع قلادات و سلاسل، و بضع أساور وخواتم في كل من يديها. تبسمت الشابة إبتسامتها عريضة ثم سألت و هي تسند كتفها إلى باب المتجر. - هل أستطيع مساعدتك يا آنسة؟ بادلتها ريما بنفس إبتسامتها. -لا بأس، شكرا لك. فقط.. أثارت الفساتين إعجابي فتوقفت لأتفحصها. أمسكت الشابة بمع** ريما ثم سحبتها إلى الداخل بلطف. - تفضلي و تفقدي ما في الداخل أيضا. هزّت ريما رأسها موافقة ثم دخلت و جالت ببصرها في المكان، و صاحبة المحل بجانبها طوال الوقت. - إسمي صوفي. إلتفتت ريما إلى صاحبة المتجر التي قدمت نفسها لتو، ثم إبتسمت. - و أنا ريما. - تشرفت بمعرفتك ريما. إكتفت الزبونة بإيماءة، فسألت البائعة: - أنت هنا لقضاء العطلة؟ - صحيح. و أنت من سكان الجزيرة، أ ليس كذلك؟ أجابت صوفي ضاحكة و هي تشير إلى شعرها ثم ملابسها. - واضح، أ ليس كذلك؟ أومأت ريما ضاحكة، ثم عادت إلى تفقد التنانير و الفساتين. - سيكون هناك حفل الليلة على الشاطئ. هل ستحضرينه؟ - حفل؟ هزّت صوفي رأسها مؤكدة. - يجب أن تحضري. ستستمتعين كثيرا. - لا أدري.. إستقامت البائعة أمام زبونتها، و تفحصت جسدها بعينيها من رأسها نزولا إلى قدميها، ثم من الأسفل إلى الأعلى. - تحتاجين فستان شاطئيا مثيرا و بعض الزينة و تصفيفة شعر مجنونة، و ستصبحين محط الأنظار في الحفل. إفتر ثغر ريما عن إبتسامة مرتبكة. - في الواقع.. لست ممن يحبون أن تتجه الأنظار إليهم. ربتت صوفي على ذراع ريما. - لا بأس بذلك. لكنك ستحضرين الحفل، أ ليس كذلك؟ أجابت ريما في تردد: - ر.. ربما.. إتسعت إبتسامة صوفي ثم أشارت إلى أحد الفساتين الصيفية المعلقة يمينها. - هذا أفضل فستان في المتجر، و أنا متأكدة من أنه سيناسبك. ثم أخرجته و ناولته لزبونتها. - ما رأيك أن تجربيه؟ أومأت، أخذت الفستان من البائعة، ثم دخلت غرفة تغير الملابس لتجربه. و بعد دقائق معدودة من الغياب، خرجت و هي تحاول إنزال الثوب لتغطي به ساقيها. كان الفستان قصيرا و بدون أكمام، لونه أصفر فاتح، و له فتحة واسعة عند الظهر، و أخرى متوسطة الوسع عند الص*ر. - تبدين فاتنة! إهتزت إبتسامة ريما و كادت تختفي مرارا. - الحقيقة.. لا أشعر بالراحة في هذا الفستان. و كأنني لا أرتدي شيئا. - دعيني أحزر. لست معتادة على إظهار جسدك؟ ألقت نظرة سريعة على الفستان على جسدها، ثم هزّت رأسها هزّة سريعة. - الجميع يرتدون ملابس صيفية هنا، لذلك حاولي نسيان أمر جسدك. إرتدي الفستان و إستمتعي بالحفل. إكتفت بإبتسامة صغيرة، فأضافة صوفي قائلة: - كما أن جسدك رشيق و مثير! لماذا تخجلين من إظهاره؟ إحتفظت ريما بالابتسامة على ثغرها دون أن تقول شيئا، ثم عادت إلى الغرفة لتغير ملابسها. و عندما خرجت، وضعت الفستان على منضدة الاستقبال، فشرعت صوفي في طيه. - أنت لا تضعين زينة على وجهك، أ ليس كذلك؟ - لا، لا أضع زينة. - يجب أن تشتري بعض المساحيق. لا يمكنك الذهاب إلى الحفل من دون زينة. سأدلك على محل ممتاز تشترين منه. عندما إنتهت صاحبة المتجر من طيّ الفستان، غلّفته في كيس لأجل زبونتها، ثم قدمته لها بعد أن دفعت ثمنه، ثم دلتها على موقع محل مساحيق التجميل القريب من متجرها. فتحت ريما شفتيها لتتحدث، لكن صوفي سبقتها و سألت: - إذا، أراك في الحفل؟ إكتفت ريما بهزّ رأسها رغم أنها لم تكن متأكدة من أنها ستذهب بالفعل إلى الحفل، ثم ودّعت البائعة وغادرت المتجر. تمتمت لنفسها و هي في طريقها إلى محل مواد التجميل: - و كأنني سأرتدي هذا الشيء. لما إشتريته؟ تن*دت. - كانت لطيفة معي في نهاية الأمر. *****
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD