يُّهَا البَعيدُ عنِّي و القَريبُ من قَلبي ، البَعِيد بُعدًا جَمًّا في آخِر المَدَى و القَريب قُربَ حبلِ الوَريدِ أهدَى . أُغرمتُ بِكَ و سِرتُ في شعابك عَلى غيرِ هُدى و عَانَقَت عَينَاك مَلَامِحي في مَلحَمة الهَوى ، قد نتَجَاوز الغِيَاب و السُّهَى رَغمَ طُغيَان وُجودك في شَوق الوَغى . حُبُّنا لَظَى نَزَّاعة للشَّوى و العِشقُ لنا سَجى . رَغم إستِحالة اللِّقاء سنَبلُغُ المُنَى و مَهمَا دَفَعتنا الحَياة إلى بؤرَة الفُرَاقِ زَجى لن نَميلَ و لن نَحنَى لأنَّ آصِرَة عِشقِنَا لن تَذهَب سُدى
_
طَغَت قبضَتُه عَلى جِيدي و إلتَفَّت حَولهُ كَثُعبَان ينفثُ سمومَه عَلى جِلدي ، كدتُ أختنِقُ تحتَ حِدَّة العُقدة التي رُبطت حَولي و لكنَّه بدى شَاردًا لا يُدرك مَا هو بصَدد فعله . ليتَه يَعلمُ أننِي أحتَضرُ بينَ يَديهِ هنَا و لكن هيهَات كَيف السَّبيل إلى إعلَامه و هو بالكَادِ يعي ما يَجُول حَوله
"...أرخي وِثاقي سَتَقتلني "
لَفَظت كَلمَاتي كأنَّها آخرُ أنفَاسي و بعَجز تَشَبَّثت بيَاقة قَميصه كأنَّها ملاذي الأخير للنَّجَاة ، تَوَسَّعت عينَاه حينَ شعُرَ بِلَمَساتي تَطَأ ثَرَاه و بسُرعَة أخلَى سَبيلي. كدتُ أهوِي أرضًا فقد فَقَدت كلَّ قُوَاي أثنَاءَ مُقَاوَمتي الفَاشِلة له لولَا ذِرَاعاه اللَّتَان إنتَشَلتَاني من السُّقوط لَفَعلت ، مَرَّرت يدي على حنجُرتي حيثُ إكتَسَحني الألَم و سَعلتُ بقُوَّة و أنَا أستَرجِعُ أنفَاسي بِصعُوبَة
"أنتِ بخير ؟ يَبدُو أنَّني فقدتُ عَقلي لكنِّي لم أتَحَمَّل فكرة رؤيتِك معه "
إحتَوَت يدَاه وَجهِي و رَفَعني لأَصِلَ إلى مُستَوَاه حيثُ وَصَلتُ بِحَاري بجَوهَرَتيه السَّودَاوينِ ، نَفَضتُ عنِّي بنَانه الذي زَحَف على شفاهي و وجنتي و بخُشونة أَجبتُ
"تَكَاد تقتلني ثمَّ تَسأل ما إذَا كنتُ بخير ؟ "
غَابت عينَاه عن الوَاقع لِوهلَة و لمَحتُ دَاموسًا عَمِيقًا فيهمَا يـزدَاد سَوَادًا كلَّما إزدَاد تَحـديقه بــي ، حَاصَـرني و يـده تَسُدُّ منَـافِذَ الفِـرَار أمَــامي و تَرَجَّــاني في السُّــؤال
"أخبِريني الحَقيقَة أنَـاستَــازيـا ، هل تُحِبِّينه ؟ "
عَقَدت حَاجبَـيَّ و أَضرَبـت عن الجَوابِ فأبصَرته ينتَـهـكُ الحُـدود التِّي وَضَـعتُهَا بينَـنا و يتَوَغَّل فيَّ مُستَلذَّا إختِــرَاق دَسَاتـيـر المُـلامَسـاتِ العُـذريَّـة التّـي سَننتُـهَـا ، شِفَـاهـه رَصَـدَت صَفــَاء رَقَبتي و نَقَاءهَـا فَدَنَّــسَتهَــا و فــِي مِصيَدة قَـوَاطــعِه أخَذَتهَا بينَ الـتَّـقـبيلِ و التَّنـكـيلِ حَاصَرتهَا و فــِي لَون قَاتِمٍ غَمَــسَتهــَا
" مَهلًا ما الذِّي تَفعَله ؟"
هَمَستُ عــِندَ مَســَامِعـه حينَ بَلَغنـِي منه الأذَى و تَوَاطَأت يَدَاه مَع شفَاهه للإطَاحة بي في شِبَــاكِ الجَوَى ، إستَمسَكتُ بِقَمــِيـصه و حـَاولتُ أن أًُصدَّه دُونَ جَدوَى و أَنِيني مَاتَ حينَ هَوى . أخَذَ أنفَاسًا عَمـيقَة من الرُّبَى حيثَ حبى يمرِّغ أنفَـه و يَلثُمُ مَيَلاني و بتَخَدُّرٍ رَفَعَ رأسه من عندِي و تَـمـتَـمَ كأنَّما ظـَفَر بِـغَـنِيـمَة عُظمــَى
"هذَا العطر ، إذن أنتِ حوريَّتي ... كَانَ يجبُ أن أتَعَرَّف عـَليكِ منذ البدَاية تَمَامًا حينَ نَبَض لكِ قلبي"
تَلَألأت سمَاوَاه الحَالـكَـتانِ حينَ بـَزَغَ فيهمــَا بَدرٌ مُنِيرٌ و برَاحته ضمَّ كلتَا يدَيَّ في آنٍ وَاحــدٍ و جَمَعَهمَــا عندَ ص*ره ، رَاقَــبتُ تَصَرُّفــَاته بإستِغرَاب و في خِضمِّ دَهشَتي سألتُ
"مَا الذِّي تَهذي به هل أنتَ ثَمل ؟ "
فَحَّ و أنفَاسه الحرّى لَفَحتني ، حَرفَان جَمَعهُمـا و في كَلمَة رَبَطَهمَا و بهَا نَعتَني فإرتَجَف لَهَا قلبــِي
" ! بِكِ "
خَشــِيتُ أن يُوَاصل إستِدرَاجي و لَستُ نِدًّا لَـه لأخَالـِفَه و لا لإغرَائه كي أنـَاقشَه ، خِفتُ أن أكُونَ فريسَة سَهلَة له و ألَّا أرأفَ بنَفسِي و أدحَره بَـعِيدًا عَنِّي فلَا يَرأَفَ بي و يَـستَوطِنني و يعدَّ جَسَدِي دَارًا هُو سيِّدها فيُقيمَ بهَا أمَدًا و حينَ يَمَلُّ منهَـا يَهجُرها
" دَعني أعُودُ إلى حُجرَتي ألَستَ مُتَزَوِّجًا ؟ ألا تَخشَى أن تَكشِفَك زَوجَتك ؟ "
تَزَاحــَمت الأسئلة في حُــنجرتي و تَكاثرت الأفكَار السَّودَاويَّة برَأسي تَبتَغي أن تُعتَقَ على أراضِي لسَاني ، حَاولت التَّمـلُّص من بَرَاثـنه بِلا جَـدوَى و كُـنتُ كلَّمَا حــَاولتُ الهَرَب منه دَاهمنِي أكثَر . عَلى شَفَا شِفَاهي أرسَى زَورَق إبهَامه و بِلَمسة غَـاشِمَة وَسـوَس
" رَأيتُك تُقَبِّلينَه ، لِمَا لَا تَفعَلينَ بالمِثلِ معي ؟ "
هَمَّ بي و كِدتُ أن أهُمَّ بهِ لولَا خيطٌ من الحَاضر تَسَلَّل إليَّ وَسط سُكري بلمَساته فـأشـَحتُ بوجهي عنه و لمته عَلـَى سُوء مُعَاملته لي مستَرجِعَة شيئا من الأنَا القَويَّة التّـي لا تَرضَخُ
" هل تَستَغِلُّ مَكَانتَك للتَّحرُّش بالفَتَيَات ؟ أترُكني بِحَالي علاقتِي بمَاريو شيء لا يَخُصُّك "
رَفَعَ رُمُوشَه بتَثَاقُل و حَقَنني بنَظَرَات ذَابلة تَخِرُّ لَـهَا الجِبَال سُجَّدًا ثمَّ وَسَّع الرِّباط حَولِي بَعد أن كَان ضَيِّقًا و بِهَمسٍ تَغَلغَل في حَلَقات أذُنَيَّ تَوَجَّه لي بالخِطَاب قبلَ أن يَسمَح لي بالمُغَادرة
"حَسَنًا سأتركك لكن لا أرِيد رؤيَتَك مَعَه مُجَدَّدًا "
رَكَضتُ نَاحية غُرفتِي قبل أن يَتَرَاجَع في قَراره و لم ألتَفت إلى الخَلفِ خِشيَة أن أتَرَاجع أنَا عن قَرَارِي ، أحكَمتُ إغلَاقَ بَاب غُرفَتي و قَبعتُ أحَاولُ تنظِيمَ وَتيرة أنفَاسي التّـي إرتـَفَعت و أقسَمت ألّـا تنخـَفِـضَ . لم يُكَحِّل النَّومُ أجفَــانِي و السُّهَاد بمُجَالسته أغرَاني فأمضَيتُ ليلتِي بينَ التَّــفكِير و عُسرِ التَّدبير ، كنتُ أفَكِّرفي حَقيقة مَشَاعري تُجَاه مَاريو هذا الفتَى الغَريب الذِّي إقتَحَم حَيَاتي فَـجأة و بَات من الصَّعب عليَّ إقتلاعُه منهـَا . أكَان ذَلك الحُب أم أنَّني تَسَرَّعت في التّـقرب منه دُون أن أبحَث في عُمقِ قلبِي عن مَكانتِه بالنِّسبة لي ؟ أم أنَّني عَظَّمتُ شأنه فقط لأنَّه تَطَوَّع لمُسَاعدتي و قَرَن حَيَاته معي و أنَـا في أمَسِّ الحـَاجة لمن يَفعَلُ ذلكَ معي ؟
لم أفَارق غُرفَتي حتَّى مَسَاء الغَد ، لَيس لأنَّنِي ألتَـزمُ بأوَامـر اللَّاندغرَاف إنَّمَا كنتُ أجـهَلُ ما إذَا كنـتُ لا أريـدُ رؤيَته أم أنَّنِي أتَجَنَّب ماريو لغاية في نَفسي لا أدرِكُهَا . أخِيرًا إستَـطـَعتُ التَّـغَلُّب على الحَيرة التِّــي تَنهَــشُني و قَرَّرت مُقَابلة مَاريـو لا يـُعقَل أن أترُكَه هكَذا ، حَتَّى لو كنتُ لا أكِنُّ له مَشَاعر الحُبِّ كَمَا أوهَمتُ نَفسي وجَب عليَّ تَقدير صدَاقتنَا . أسرَعـتُ بالتّـوَجُّـه إلى السَّطح لأنَّني أيقَنتُ أنَّني سأجده هنَاك و حَتمًا كان توَقُّعي في مَكَانه ، أبصرته يتَّكأ على الحَاجز الحَديديِّ للسَّفينة يـرَاقبُ البَحر بعيون شَاردة غابَ عنها بَصيص الوَاقـع بدى مَهـمُومًا بعـض الشيء
"! مَاريو "
صَرَختُ بإسمه و قد إجتَاحتنِي سَعَادة غَامِرة للقَائي به من جَديد ، حَال سَمَاع صَوتِي إستدَار و لم تَكَد تَسَعه الفَرحة فقد سَارعَ يُعَانقنـي و يَرفَعني عن الأرضِ مُتَشَبِّثًا بي ، وَضعني من جَديد و بقلقٍ سَألَ و قد غَشَت عينَاه سُحُبٌ غَطَّت صَفاء بؤبؤيه
"أَنَاستَزيا ، أمضَيت كَامل اليَوم و أنَا أنتَظرك "
كَان سيَهمُّ بالإقتراب منِّي أكثَر بيدَ أنَّني حُلت دونَ ذلكَ و رَدَعته و في صوتي ذبذبة خَوفٍ
"مَهلًا ، المَكَان يَعُجُّ بالمُسَافرين "
إنزَاحَ بعيدًا عَنِّي و إستَـفهَمَ مُرَتِّــبًا خصلَات شَعرِي التِّـي بَعثَرتها الرِّياح
"مَاذَا في ذَلك ؟ أتَخشين أن يَرَونَا معًا ؟"
تَلَكَّأتُ في الكَلام و تَعَثَّرتُ في عَتبات الحروف التّـي شَوَّشتها دون قَصد منِّي حين حَاولتُ صيَاغة جُملة مُفيدة و لكنَّني لم أنجَح
"...لَيسَ الأمرُ كَذلك لكنَّني أُفَضِّلُ أن نَلتَقيَ في أمَاكن أقَلَّ إكتِظَاظًا"
نَظَرتُ يمنَة و يَسرَة بعد أن أنهَيتُ كَلامي و هو رَاقب تَصرُّفَاتي المُريبة بحيرة و قال
"أَخبِرينِي كَيفَ أستَطِيع أن أرَاك "
إبتَسَمتُ أحتَضن يدَه و بِصَوت رقيق إقترحتُ
" مَا رأيُك أن أدعوك إلى جَنَاحي الليلَة ؟"
إتَّسعت عيناه دَهشـة و أومـأَ بسُرعَة ليُجيبَ
"إلَهي سأنـظَمُّ إلَى الطَّبَقة المَخـمَـليَّـة"
جَذ*بته خَلفي و قُدتُ الطَّريق نَحوَ جَنَاحي كنَّا نَسيرُ بـخُطُوَات متَسَارعة تَحُفُّهَا ضحِكَاتٌ بريئة ولـمَّا توَقَّفنَا أمـامَه فَتَحتُ البَاب و سَمَحتُ له بالدُّخول ، تأمَّل الغُرفَة المُكَوَّنة من قَاعة إستِقبال صَغيرة و ممَرٍّ يؤدِّي إلَى حجرَة نَومِي بذُهُول . إنقَطَع صَوتُه لِبُرهَة من الزَّمن قَبل أن يَستَعيد قُدرته على النُّطق و يُهَمهِمَ بصُعُوبَة
"أوه أنتُم تَعيشونَ في أمَاكنَ كهذه ؟ أين نحن من كلّ هذا ؟ "
ضَرَبتُ كَتِفَه بخِفَّة و قُلتُ مُعَاتــبة إيَّاه
"تَصَرَّف كرَجلٍ نبِيل مَاريو "
تَدَاركَ وَضعيَّته و سُرعَان ما إنحنَى مُمسِكًا بيُمنَاي و هَمَس يتَقَمَّص دور الأمراء بينَمَا يلثِمُ يدي
"مَعك حق ، تَفَضَّلِي أمِيرتي "
تَقَدَّمتُ إلى الدَّاخل و تَبعني ثمَّ أغلَق البَابَ خَلفَنَا ، جَال ببَصره في أنحَاء الجَنَاح و لم أكُن أدري ما الذِّي يَجذِبه إلى هَذَا الحَدِّ و لكنَّني إكتَفيتُ بمُـتــابَعَـة خُطُواتـه . تَـوَقَّـف عندَ منضدة تَضُمُّ صُندُوقًا صَغيرًا يحوِي كنزي الصَّغير المُتَبَقيَ من وَالدتي و قَال متَفَحِّصًا إيَّاه بينَ يَديـه بإهتمَامٍ شـدِيــد
"تَمتَلِكين كَمَانا ؟ وَااه يبدُو عرِيقًا و بَاهِض الثَّمن"
إبتَـسَمتُ بِحَنينٍ بالنَّظر إليه عَادت إليَّ الذِّكرَياتُ الخَوَالـي و لاحت في مُخَيِّلتي صورَة وَالدتـِي و هي تُعَلِّمني أبجَدِيَّات العَزفِ عليه ، أيَّـام لا تُقَدَّرُ بثَمَنٍ و لن تُمحَى من مُخَيِّلتي إطلاقـًا
" كَان مِلكًا لوَالدَتي و هي من جَعلتني أتَعَلَّق بالمُوسيقى ، أتُريد منِّي أن أعَلِّمَك العَزف ؟ "
ضَحِكَ بخِـفَّة يتَفَـقَّــدُ أوتَاره ثمَّ أجَاب مُدَاعِبًا ذَقنِي
"أمِيرتي يبدُو أنَّك لا تَعلمين أنَّني مُتَخصصٌ في دِرَاسة المُوسيقى "
كَوَّرتُ شِفَـاهِـي بإستغرَاب فلم أكُن عَلى دِرَاية بذَلك ثمَّ صَرختُ به مُتَذَمِّرَة
"حَقًّا لمَا لم تُطلعني عَلى ذلكَ من قَبل ؟"
أرخى ذِرَاعه التِّي تَحمِلُ الكَـمَـان و إستَرسَل هو الآخَرُ في إستِرجَاع شَريطِ المَاضي و بِحُزن عَميقٍ أفشى عمَّا يـَختَزنـُه صَدره من ضيقٍ و شَجَن
سببُ مغادرتي رومَـا هُو أنَّ والـدِي كَان يُجبرُني على دِرَاسة الطِّب كي أكون خَليفته في عيَادة العَائلة التي تَوارثنَاها ولكنَّني رَفضت" لذا إعتَبرني مُتَمَرِّدًا ، ذَهَبتُ إلى ميلانُو دُونَ مُوَافـقـة عائلتِي على ذلكَ . كنـتُ مُجبَـرًا على مُخَالفتِهم لتَحقيق حُلمي أريد أن أكون عَازفًا شهيرًا مثل موزارت "
حَاوَطـتُ خِصرَه بذِرَاعيَّ و في حُضنـِه رَدَمـتُ جَسَدِي و تَوَاريتُ عن العَـالم بِحِصنه
"سَتُصبِحُ ، أنـا أثِقُ بك و أُشَجِّعُك "
قَبَّل فروَة رأسي كأنَّـمَا يشكُرني عـَلى الوُقوف بجَـانبه ثمَّ رَفَعَ الكَمَان ليُريحَه عندَ ذَقنه و يَشرَع في عَزفِ ألحَان تَرَحٍ أحيَت في قَلبِي نُدُوبَ الألمِ و الفـقد فرَاقبته بإِعجَاب و أنصتت إلى لحنه بعِنَايـة ، تَرَكتُ حُضنَه الحَاني و أخَذتُ دَفتره أُلقِي نَظرة عَلى آخِر ما رَسَمته ، كلَّ ما وجَدته كان خُطوطًا غيرَ مُكتَملة لمَلامح وَجهي . تَوَقَّف عن العَزف و إقتـَرَب منِّي فسألتُ دُونَ أن أُزِيحَ نَاظِريَّ عن الصور
"لِمَــا لم تَرسُـم شَيئــا ؟ "
أخَـذَ منِّي الرُّسومَ و وَضَعَهَـَا جَانِـبًا مَعَ الكَمَانِ و حَطَّ يدَه بِجُرأة عَلَى إنحِنَاءَاتِ حَوضِي المَنحُوتَة بإتقَانٍ و بينَ ذِرَاعيه حَبَسَنِي في قفَصٍ إستَطَبتُ فيه سَلبِي الحُريّـة ، عِندَمَا أبصَرتُ المَوجَ يتَرَاقصُ في عَينيهِ عَلى إيقَاعِ لَحنٍ خَمريٍّ مُغري إستَسلمتُ له أكثَر و إنتَظَرتُ أن يَؤولَ لِقَاءنَا إلى مَـا هُـوَ أعمَقُ من غَزَلٍ عُذريٍّ عَفيفٍ
"رَسَـمتُ كلَّ شيء بالنِّسبَة لـي "
تَمَركَزت نَظَرَاتي عَلى ضفَافِ شفَـاهه المَرسُومَة ببَلاغَة و لم تنزَح عَنـهَا رغمَ إمكَانيَّة جَرفِ التَّيَّار لي نَاحيَتهـَا ، تآكَل وَعيي و في شَيء من الخُمُول هـمَستُ
"أنــــا ؟ "
قَـرَن نَاصيتِي بخَاصَّته و حَاصَرَ أنفَاسَنَا التِّـي تـكَادُ تَـنعَدِمُ وَسَطَ هذَا النِّـزَاع الذِّي يَصعُبُ الصُّمُود فيه عَلى رُقعَة تَـلَــوَّنت بمَا نَزَفَـتهُ قُلُوبِنَا من مَشَاعِرَ يَصعُبُ فَرزُهَـا ، فَنَحنُ رُوَّادُ الهَوَى من أحدَثِ أبوَابه نَركَبُ صَهَوَات أحَاسِيسنَا العَـادِيَـات رَغـمَ إدرَاكنـا بِإستِحَالة السَّيطرَة عليهَا فلا كُنَّا خُبَرَاء الفُروسيّـة و لانُبَهَـاءَ العِشقِ . نَحنُ نَخثوضُ التَّجربة بكُلِّ جَوَارحِـنَا لا نَملكُ أدنَى فكرة عمَّا إذَا كنَّا سنَخرُجُ من هذه المُغَامرَة بِقُلوبٍ حَاميَة أم دَاميَة ، هَل سيَسمَحُ لنَا القَـدَرُ بتَكلِيلِ لحَظَـات الحُبِّ القَليلة التِّـي أتيحَت لنَـا من أبْوَابـِ الصُّدفَـة البَحتَـة بإقتِرَانٍ دَائمٍ أم أنَّه سَيَستَبـيحُ التَّنكِيلَ بمَشَاعرِنَـا في م******ة العُشَّاق التِّي لا تَرْحَـمُ و لـا تَفْقَـه ضُعفَ أروَاحِنَا التِّـي أزهَقَتهَـا نَقَائضُ الفَرَح و تَرَاكُمُهَا
"مُنــذُ أَوَّلِ يَومٍ رَأيتُكِ به لم أستَطع إزَاحـة عينيَّ عنــك ، الأمرُ أشبَه بتَجَمُّد الزَّمَان و البَشَر و كلِّ شيء . من بينِ مئات الرُّكَّاب أبصَرتُـك أنـتِ فقَط "
هَتَفتُ بإسمِه بينَ غَفلتِي و سَهوَتي وكم رَاقه أن أصُوغَ إسمَه بِصَوتِي الغَنيِّ و أريحَه عَلى وَثِير شِفَاهـِي القُرمُزيَّة
"...مَــاريــو"
رَفَع إحدَى يَدَيه و أمَال بِهَا عُنُقِي ثمَّ إتَّبَع صَوتَ قَلبِه الذِّي عَزَفَ بمَزَامـيرٍ خَدَّرَت عَقلَه و قَادَته مَسحُورًا نَحو عُمقِ جَوفِي يَجنِي جَوَاهـِرَ الوَلَه التِّي تَنَاثَرت عَلى شِفَاهي و قَـاعِ مُحِيطِي الذي خِلتُه أجَـاجًـا لا أحَدَ يَجرُأ عَلى إغتِـرَافِ حَفنَة منه و لكنَّه فَاجأني حينَ غَاصَ في قَعرِي دُونَ رَجعَة ، أكُنتُ رَاحًا يَصعُبُ الإقلَـاعُ عَنه بِسُهُولة مَهمَا إرتَوَى منهُ أم كَانَ المُشتَاق الذِّي يَرضَى القُربَ و لو جَرَّ له الأهوَال
" أحبّك "
أنفَاسُه غَدَت معدُودة في جِرَابه التِّي مَلأهَـا قبل أن يركَبُ قَاربه مَوجي الغَادِرَ فإستَعَانَ بِـفُتَـاتِـهَا و أفصَحَ بلكنتِه الإيطَالية المُغريَة عن كَلمَة إختَزَلت كلَّ مَا يَدُورُ بدَاخِلي من إضطـِرَابَـاتٍ ، إنسَابت يدَه عـلى ثَديي و لمَّا تدَارَكَ تَجَاوزَه خيَّرَ الإنسِحَاب لكنَّني أبيتُ و ثَبَّتت كَفَّه في مَكَانها
"دَع أجسَادَنَا تتَلامَس و أروَاحـنَـا تتَـهَـامَس "
قُلتُ أنزَعُ عنه سترتَه الدَّاكِنَة و عَلى ضَوءِ الشُّمُوع الخَافتِ رأيتُ الرِّضَا ينبَلجُ في إبتِسَامة فاترَة عَلى ثَغره ، تَعَرَّى من المَلبَسِ و فَعَل بالمِثلِ معِي. لمَسَاتـُه الرَّشيقَة عَلَى ثَرَايَ جَعَلتْنِـي أغدُو في غَفلَة عَمَّا تَـقتَرفُه يَدَاه من جَرَائمَ إبَاحيَّة أبَحتُهَا له دُونَ سِوَاه ، خُطُوَاته المُتَنَاسقَة قَادَتنِي نَحوَ مَضجَعِـي ; و مَثوَانَا حيثُ سَنَصنَعُ مَجدَنَـا و نبنِي مَعَالِــمَ كَلفنَا
غَشَاني بجَسَده و بخُصلاته الذَّهبية التي إنعَكَست لامعة أعشَانـي فرَفَعتُ يَدَيَّ و إعتَكَفتُ في كَنَائـسه المُقَدَّسـة أمَة مُطيـعَة تُبـَاركُ كلَّ مَا فيه من حُسنٍ بإجلَالٍ و تَعظيمٍ ، كلَّمَا غَزَلت ألسِنَتُنَــا خُيُوطَ الوَلَـه تَعَلَّل كِلَانَا بتَهلهلِ النَّسيج و سَعَينَا من جَديدٍ نَحيكُ قُبُلات وَطِيـدَة تُرضي قُلُوبَنَا الثَّائرَة و رَغَبَـاتِنَا الفَائِضَة
حَاوَطتُ رَقَـبَتَه بيُمنَاي و تَمَسَّكتُ به مُخَللَة بنَاني بينَ سَباكئه الخَالِصَة ، إرتَفَع عَنِّي مُفَارقًا شِفَاهي بعد دَهرٍ من التَّوَاصل الحَمِيم و بصوتٍ تَدَفَّقَـت فيه مَوجَـاتُ النَّشوَة سَرَّحَ تَعويذَة جَعَـلتـنِي أستَرخـي له و أرفَعُ الرَّاياتِ البَيضَاء في حُضورِ غَزوِه لمَدَائني العَذرَاء . أنَـا إبنَة الرُّومِ التِّي لا تَرضَخُ لكنَّني تَخَليْتُ عن تَارِيخي الحَافِلِ بالإنتِصَارات سَامِحَة له بِإحتِلالي
"م******ة العِشقِ تَبدَأ حينَ نَحصِرُ روحَـينَـا في جَسَدٍ وَاحد "
كَانَ عَلى وَشَكِ هَدمِ رَكَائزِ عِفَّتي و عِمَادِ طَهَارتي و بِقَذَائفَ مُجَهَّزة شنَّ الحَربَ عَلى مدينتِي ضَعيفة الحُصون و لكنَّ طَرقًا عَنيفًا عَلى بَاب مَخدَعي عَرقلَ عَمَليَّة غَزوي و قاطَع خِلوتي به ، نَظَر إليَّ بإستغرَاب لا يُدرِكُ ما يجِبُ عَلينَا فعله في وَضع حَرجٍ كَهَذا لم أكُن أقَلَّ إضطِرَابا منه و لكنَّني حَاولتُ التَّخفيف من قَلقه حَول الأمر .
قَبَّلتُ جَبينَه بِحُبِّ و هَمَستُ له بالإختبَاء في دَاخل الحُجرَة في حينِ إرتَدَيتُ ثَوبَ النَّومِ الخَاصِّ بي و رَبطتُ حِزَامَه على خَاصِرَتي و عَدَّلتُ من مَظهَري عندَ المرآة فقد كانَ باديًا على ملَامحِي أنَّني هَاربَة من معرَكة سَريريَّة .
إشتَدَّ القَرعُ على البَاب ما جَعلني أنفي أن يَكُون الطَّـارقُ جونز فهو لا يُزعجنِي بهذه الطَّريقة في وَقتٍ مُتَأخِّر ، فَتَحتُ البَاب و قد كَان اللاندغراف يقبَعُ خَلفه رِفقَة إثنينِ من رِجَاله اللَّذَان إقتَحَمَا جَنَاحي دون سَابق إنذَار و شَرَعا في التَّفتيش في كلِّ رُكنٍ منه
"تَوَقَّفوا لا يَحِقُّ لكم مُدَاهمَة غُرفَتي هكذَا ، من سَمَحَ لكم ؟"
صَرَختُ بهما و أنَا أرَاقِبُ الفَوضى التِّي أحدَثَاها في الأرجَاء ، كنتُ على وَشك رَدعهمَا لولا اللَّاندغراف الذِّي لَوى ذِرَاعـي و قَيَّدني إليه بحَيثُ منِعتُ من الحَرَاك. نَظَرتُ بجَانبيَّة حيثُ غَرَس رأسه عندَ كَتِفي و هَسهَس بكَلمَات مُرعبة عند مَسَامعِي
"أنَا سمَحتُ لهم ، طَلَبتُ منك الإبتِعَاد عنه و إذَا بكِ تَجعَلينه عَشيقَكِ"
إرتَفَعت وَتيرَة أنفَاسي و حَاولتُ التَّـمَرُّدَ على قَبضته الطَّاغيَة و الإفلات منهَا بيدَ أنَّ ذَلكَ كانَ شبه مُستَحيل فبَدَل أن أقومَ بإنتفَاضة ضدَّهُ قَـامَ هُو بنَفض كَامل جَسَدي برَجَّة خَفيفة من يده
"أترُكنِي ! لا أحَدَ هنَا "
إهتَزَّ كلُّ جَسَدي لحَرَكته العَنيفة تُجَاهي و أبيتُ الإستسلام له بسُهُولة ، حَاولتُ التَّحَرُّر منه من جَديد و لكنَّه أشهَر خنجَره في وَجهي و رَشَق مُقَدِّمَته الحَادَّة عندَ شِريَاني
"ابقَي سَاكنَة و إلَّا خَدَشتُ عُنُقَك الرَّقيق "
أُجبرتُ على السُّكون في ظلِّ حُضُور السِّلاح بيده و راقبتُ نَظَراته الشَّهوانية لي من زَاوية كَتفي بِقَرَفٍ و كم وددتُ لو أطعنَه ، بَعد لَحَظات عَاد الرَّجلان يُكَبِّلان مَاريو و يَقودَانه بخُشونَة نَاحيتَنَا
"جَلالتَك لقد عَثَرنَا عليه "
ألـقَيَـا به أَرضًا بغِلظَة فإهـتَزَّ قلبي لذَلك و هَتَفتُ بإسمه و قد ترقرقت الدُّمُـوع في عَينَيَّ
"!! مَـاريُو "
وَددتُ لو كَان بإمكَاني الحَراكُ فأهُبُّ لنَجدَة حَبيبي و لكنَّني مَا كُنتُ أختَلفُ عنهُ حَالا و حَالمَا أبدَيتُ عِصيَانًا طَفيفًا ضدَّ سيَاسته الدِّكتَاتوريَّة شَعُرتُ بوَخزِ الخِـنجَرِ عَلى عُـنُقي فإلتَزَمتُ الإنصِيَاعَ من جَدِيد
"إمنَعَاها من الحَرَاك و لكن لا تَمَسَّـاها بسُـوء ، أنَـا من سيَتَـكَفَّـلُ بمُـعَاقَبَـته "
أمَرَ رَجُليه بينَمَا يَزُجُّنِي بينَ يَدَي أحَدِهم ، إنتَقلتُ من السيء إلى الأسوَأ فعلى الأقلِّ اللَّاندغراف لم يَكن بهذه القَسوة حينَ إحتَوَتني زِنزَانتَـاه . رَاقبتُ مَصيرَ مَـاريُو بينَ يدي هذَا المُعتَدي و قد إزدَاد نبضِي و إرتَعَب كيَاني ، أبصَرتُه يَفُكُّ سَوطًا كَان يُحيطُ حِزَامه و يُمسُكُ بِمُقَدِّمَته . وَقَف أمَامَ مَـاريو الذّي عَجَز عن الدِّفَاع عن نَفسه فقد كَان مربوطًا
" تَظُنُّ أنَّ بإمكَـانِكَ التَّطَاوُل على أسيَـادِك أيُّهَا الوَغد ؟ سأعَلِّمُكَ دَرسًـا لن تنسَاه"
حُجِبت عنِي الرؤيَة بسبب الأجسَاد التي تتَدَافَعُ أمَـامي لكنَّني سمعتُ سوطَ الخَبط على جلدِ مَاريو مَرفُوقًا بأنينه الذِّي إرتَفع مع إزدِيَـاد قُوَّة الضَّربَات
"!! تَوَقَّف بأيِّ حقٍّ تَضرِبه ؟ توَقَّف "
صَدَحت حُنجُرَتي بإحتجَاجات مَا كَان لهَا أثَرٌ في أيٍّ منهُم و كَرَّرتُ مُحَاوَلـاتِ الهَرَب عَبَثًا فمَا زَادَهم ذَلكَ إلَّا تَعَنُّتًـا و تَمَسُّكًا بي ، حينَمَا أيقَنتُ أنَّه ما من خَلاصٍ بقيتُ أرَاقبُ مَا يَجري و أنَا أسفِكُ دمُوعَ قلبي المَفطُور ، تَمَنَّيتُ لو تُعمِيني اللَّوعَة و تَصُمُّ الحُرقَة أذنيَّ عن هذه الأصوَات التِّي كَسَرت مَا بقِيَ صَالحًا بفُؤادي . ألقَى المُتَجَبِّرُ بالسَّوطِ جَانبًا حينَ طُرِحَ مَـاريُو أرضًا من شدَّة الألمِ و لمَحتُه سيَدُوسُ الجُزءَ السُّفليَّ من مَاريُو
"دَشَّنتَ رُجُولَتَك مَع الفَتاة الخَطأ لذَلك يجبُ عليكَ أن تَـدفَعها ثَـمنًا كي تُكَفّر عن ذَنبِكَ "
صُدِمتُ لمَـا رأيتُه و ظننتُ لوَهلة أنًّه يُخَيَّلُ لي ذَلِك فقط. تَوَسَّعت عينَـاي و قَبلَ أن تَحدُثَ الكَارثة إنتَحَبتُ بأعلى صوت و نَاجيتُه أن يُخليَ سَبيلَه ، سَمَاوَايَ تُمطِرَان بغزَارة و حِبَالي الصَّوتيَّة تَكَادُ تتَمَزَّقُ صُرَاخًا
"أُقسمُ لكَ أنَّه لم يَلمِسني ، أتَوَسَّل إليكَ أتركه ! أعِدُكَ أنَّني لن أرَاه مُجَدَّدًا "
لِحُسنِ حَظِّي نَجَحتُ في إستمَالة إنتبَاهه حيثُ إستَدَار و تَقَدَّم نَاحيتِي بخُطَى بَطيئة و لمَّا أصبَحَ عَلى مَقرُبَة منِّي أشَار إلى أتبَاعه أن يُطلقُوا سَراحِي و لمَّا وجَدتُ نَفسي حُرَّة من القُيُود ، رَكَعتُ عندَه كَمَا لم يَسبِق لي أن فَعَلتُ من قَبلُ .
لَقَد إعتَدتُ أن أرى النَّاس يَركَعُونَ عندي و لكِنَّني مَا تَخَلَّيتُ عن كبريَائي قَطُّ ، لكن هذه المَرَّة مُغَايرة وَجَب عَليَّ إنقَاذُ مَاريو من المَوت المُحتم . تَمَسَّكتُ بردَائه و تَوَسَّلتُ له و اللَّآلأ مَحصورة في مَحَّارتيها فخَفَضَ بَصَره نَاحيتي ثمَّ إنحَنى و جَثَى على رُكبته ليُسَاوي منزلتي بخَاصَّته ، بين يده رَفَع ذَقنِي ناحيته و هَمَس
" أنتِ ملكُ اللَّاندغرَاف "