كِش مَات

3387 Words
إنطباعُ الأيَّام على حيَاتي كان تمَامَا كإنعكاس السمَاء على المَاء ، غدت طوال السنين الفارطة صافية مشرقة تبعث في روحي البهجَة و السرور . خاصَّة مع وجود والديّ اللذَان كَانَا شمسِي و قمَرِي يسطعَان في فضَائي بحنانٍ مشعشع و يضيئان دُنيَاي فمَا شهدتُ في عهدهمَا ألمًا أو غمًّا ، لكنَّ الحَيَاة دفنت فرحتِي في غَسقٍ ما بعده فلقٌ فدمَى قلبِي لأوجاعِي و فاضَ بلاَ مانعٍ شفقًا قاتمًا لوَّن عمرِي الحَزين. كَان ذلكَ آخر عهد لي بنور الحبور و بدَاية لعصر من ظلمَات الشجون فما بقي لي من والديَّ سوى عبقِ الذكريَات و ما ظَلَّ عالِقًا في أركان ذهني غيرُ العنبرَ الذي ينبثقُ من عذوبَة الأيَّام. صفحَة حياتي داكنَة لا حيَاةَ فيهَا و لحَظاتُهَا خَانقَة لا خيرَ فيهَا ، حينَ قابلتُ مَاريو لأوَّل مرَّة ما إعتزمتُ أن يكون لي معه لقَاء ثاني و خِلتُ أنَّ وجوده لن يطُولَ فلم آمن الحَيَاة بعد أن طعَنتنِي في صميم قلبِي و عَصفَت بأركَانِي فأردتهَا جردَاء من طعمِ الحبّ و نكهَة الأمَل . لكنَّه كَان نسيمًا عليلًا هَبَّ في شراييني ليُخلصَني من عللَ الفقدَان و الحِرمَان فألفتُه و تعَلَّقتُ به كطَوقِ نجَاة أخير أملتُ في أن يوصِلنِي إلى بَرّ الأمَان و ينقذنِي من أمواجِ الهَوانِ لكنّ هيهَات هيهَاتَ فقد تهتُ في دَوَّامات رجُلٍ غَريبٍ عَبثَ بكيانِي و مزَّق مَا يحمله فؤادِي من أمَاني ، رجُلٌ دمدَم كالرّعد في سمَائي و هددَ بتعكيرِ صفَاء حيَاتي فمَا عرفتُ لسكينة البال طريقا و باتت كلُّ القلبِ ضيقًا. إنِّي أقفُ عندَ نافذة حجرَتِي أراقبُ البحرَ و السَّمَاء الحَالكَة ، لا شيء سوَى الظَّلام تمَامًا كمَا هو الحَال مَع فؤادي و قد أعتمَ من جديد. خَسرتُ ماريُو الصديق الوحيد و الرفيقَ الحبيبَ و عدت من جديد إلى غياهبِ الظلمَات ، إنّي أقبع تحتَ سيطرة ذلك الرَّجل المتجَبّر و لا أدري لمَاذا أنصاعُ له و أنفذُ رغباته عَلى حِساب هنَائي . أم أنّي أحاول فقط حمَاية ماريو ممَّا قد يلحقَه من ويلاتٍ و معاناة إن أنَا رفضتُ له أمرًا ، كلّ هذا يفقِدني صَوابي و يجعلني أدور في حَلقة مغلقَة حدودهَا تزخر بألغَام الظلم و الجنون التِّي يزرعهَا ذاك الرَّجل حَولِي. لم تأخذنِي سِنَة و لم يطرقُ بابَ جفونِي نومٌ لقد ظللتُ متسمّرَة في مكَانِي أراجِع مُخلَّفات مَا إقترفه اللاندغراف بحَقّ مشاعرِي من إجرام ، كيفَ إعتدَى عَلى مَاريو و هَاجمَنا في عُقرِ غرفتِي المكَان الذي يجدُر به أن يكُونَ في منتَهى الأمَان بالنِّسبَة لي الآن لم يعد بوسْعِي أن أختلِي بنفسي دون ان أشعرَ بالخوفِ و الرَّهبَة. ماذا قد أدعو ذلك الرّجل غيرَ أنه مجلَبَة للشُّؤم و مَدعاة للكَدر ، لا تُفارقنِي صَرخَات مَاريو أثنَاء تلقيه لجَلدَات تَكَادُ تُمَزِّق روحَه و لا يُغادرني تأنيبُ الضميرِ و اللّوم المتواصلُ لذاتِي التي كانت السبب في التَّورط معه. ليتنِي أستطيع محو كلّ ذلك من ذاكرتِي و الإستيقاظ على غدٍ أفضَل حيثُ أبصِرُ ماريُو بجانبِي ، على سرِيرِي ، كأوّل مشهَد يشرق في وجهي صَبَاحا لن يكونَ لحيَاتي غدٌ أفضَل لو أنّي أبصرُ خصلاته الشقراء متناثرَة على وَسَائدي كالسنَابلَ أوان الأصيل و عينَاه سقفَان لا أتجاوزهُمَا تقديسًا للجمَال و قد إستقَرّت بقاعهمَا أسرارُ المحيطِ ، إني لن أجد أروع من قبلَة تطفُو على شفَاه كالوردِ تفتَّحت لكنّ كلّ أحلامي بُعثرت و ألقيت في عرضِ بحر غادرٍ فبات من المستحِيل جمعهَا. إنّي أراقبُ الصبحَ ينبَلجُ ، و الشّمس تلجُ بسياطٍ مشعَّة تهفو على المِياه السَّاكنَة ، البحر على ع** قلبي الثائر منتَشٍ بسلافٍ من نورٍ بالكَاد يرتجِفُ كالخمرِ في إبريقٍ حَملته أباريقُ . كنتُ لا أزالُ أطالعُ المنظرَ السَّاحر بقلبٍ واجفٍ و عقلٍ تائه حينَ تناهَى إلى مسَامعي طَرقٌ خفيفٌ تلاه دُخولُ جونز ، لم أدرك أنّه هو لكنّ صوته أرشدنِي إلى هويته " لقد إقتربنَا من الوصولِ آنستِي لم يتَبقّى أمامنَا الكثير " إعتلت شفتي إبتسامة سخريَة من وضعي المزْرِي باتَ مينَاء الجزيرة واضحًا على بعد عدَّة أميَالٍ و وصولنَا محتمَل في غضون يومينِ على أقصَى تقدير " شكْرًا ، كنتُ أفكّر ما إذا كان بإمكَان حياتي أن تُصبحَ أسوَء." تنهّدت آملة أن تتلاشَى كلّ همومي فإذا به يثقلني بالمزيد " سيعتنِي بك عَمّك جيّدًا لا تقلقي... " إستَدرتُ ناحيتَه محكمة كلتَا قبضتَي و الغضبُ يسري في جسَدي وصولًا إليهمَا كمنتَهى المطَاف فأحاولُ إخمَاده بالضّغط على كَفّي أكثَر " هَلّا أخبرتني أين كنت ليلة أمس ؟ تَظهَر أمامي فقط حينَ لا أحتَاجك " بدَت على وجهه الحيرة كأنّي أهذي بلغة لا يفقَهها " آنسة أناستازيا هلا تشرحين لي لأنّي لا أفهمُ شيئا ممَّا تقولينَه " بقيتُ أناظره بصمتٍ و كأنّ الحروف أثقلت كَفّة لساني فباتَ صعبًا إعتاقهَا فإلتجأت إلى لغة العيون عَلَّهَا تكون أبلغَ و رُبّمَا كان تفكيري صائبًا فالفرَاغ في مقلتيَّ جعله يُغادرُ في وقتٍ وجيز و لم يتطلّب مني ذلك إنفاق حرف زهيدٍ تَوَجَّهت نَاحِيَة خِزَانتي تزامنًا مع دخول الخادمَة التي تسَاعدني في التَّجهّز ، إنتقيتُ فستَانًا زَهريَّ اللون بنُقوشٍ فضيّة على الحَوافّ و حبيبات من اللّؤلؤ تتنَاثر على منطَقة الصَّدر التي كانت سخِيَّة تجُود عليَّ بفتحَة تجيرني حَرَّ الصيفِ ، فاضت خصلاتِي النّارية لولبيّة على كتفيَّ تشبعهمَا حرارة العنَاق و حرمتْ البقيّة من موعد اللقَاء فحبستهم المشَابك الفضِيّة بعيدا عن النداء... غَادرتُ حجرتِي نحو قاعة الإفطَار الضّخمَة حيثُ حَطّت عينَاي على المدعُوّة بيلَّا حَال ولُوجي المكَان، جَالسَة حذو النَّافذة تنعمُ بإطلالة على البحر عينَاهَا العسليتان غارقتَان ليسَ في البحر إنّما في الأفكار التي تراودها و التي أراهنُ أن جُلّها يتمَحور حول السّاقط زوجهَا. لم أشأ يومًا أن أقتربَ منها كنتُ أراقبهَا بنظرات شفقة و أدركُ تماما أنه ثمّة خَطبٌ مع زوجِهَا إلى أن أدركته و منذ تلك اللحظة قررت ألا أقفَ مكتوفة الأيدي ، إقتربت من مجلسِهَا و لمّا إكتسَحتُ مَجال نظرِهَا مالت إليَّ بإلتفاتة خفيفةٍ فأشرت إلى الكرسيّ القابع أمامي و بلطفٍ سألتُ " تسمَحينَ لي بالجُلوس ؟ " أومأت و بإبتسامَة أذعنت لطلبِي ، تبدُو إمرأة نبيلَة رفيعَة الذوق مرهَفة الحِسّ لا تستحقّ ذلك الو*دَ. أشعر بقلبي ينفَطر لكوني مرغَمة على فعلِ ذلك و آسى على حَالها المزرية و هي تعلّق آمالا زائفة على شخصٍ لا يقَدر قيمتها " بَلى ، أنتِ إبنَة أحد أصدقاء زوجي على ما أذكُر تعرّفنا سابقًا... " أومأتُ بوجه بشوشٍ بينَمَا آخذ مكانا لي قُبالتهَا " أجَل " فورَ مُشاركتي لها المجلس أشارت إلى النّادل الذي كان يتجوّل في الأرجاء " دعيني أطلب منهم إحضار الفطور من أجلك ، بالمناسبَة ما رأيك في جولة شطرنج ؟ أظُنّ أنها أفضَل طريقَة كي نندَمج بسهولة " هززتُ رأسي بإيماءة خفيفةَ و شَرعتُ في التّشدّق بمهاراتي أمامهَا " لمَا لا ، أنا بارعَة في هذه اللعْبَة يجبُ أن تستعدّي للهزيمَة " أبدت إندهَاشهَا من رَدّي الصَّريح و في ذات الوقت كان النَّادل عندَ طَاولتنا ينتظر الطَّلب فإستدَارت ناحيته و أمَرته بتقديمِ وجبَة لي مماثلَة لخاصَّتها إضافة إلى إحضار رقعة الشطرنج و أحجَارها ثمَّ عادت ببصرهَا ناحيتي و أجَابت و على شفتيهَا بسمَة رقيقَة "أوه واثقَة من نفسك، سنرى ... " تَبَادرَ ذهنِي الكثير فيمَا يخصّها و زوجهَا لكنِّي حَاولتُ جَاهدَة ألَّا أفضحَ مُرادي فزيّفت إبتسَامَة لا تَكادُ تظهر على وجهي و قرنتُ كلامِي بما يجول ببَالي من إنتقام " صَدّقيني لستُ سهلة المنَال و سترين ذلكَ قريبا " رفعت أحَد حَاجبيهَا فيمَا ظلّت تراقبني بصمتٍ حتَّى أصبحَ الجَوّ من حولنَا حَانقًا مربكًا ، رطَّبه قدوم النَّادل مع الطعام و اللعبة التي توسّطت الطاولَة. إرتشفتُ من فنجان قهوتي بينَما إنشغلت هي بترتيب البيادق على جَانبَي الرقعَة. هممتُ بمشَاركتِهَا اللَّعبَ و عينَايَ تصوبَان نحوهَا مدَافعَ إشتعَلت ببارود الحِقد و الحسرَة ، لم أعر بالا لمَشاعِري و حاولت التّصرف على طبيعتي قدر الإمكَان. سارت اللّعبَة على مَا يرامُ كلتَانا كانتَا حريصتينِ على الفَوزِ بهذه الجَولَة و كلّ حركَة نتّخِذها كانت نتَاجًا لتفكير طويلٍ و تدقيقٍ جَليلٍ ، عدد البيَادق الذي فازت به يَفوقُ خاصتِي لكنّي إستطعتُ الظّفر بالحصَان ممّا يعني أننا متَعادلتَان. طَال الصّمت المخيم علَى مجلسنَا فبَادرت بالحديث و أشكّ أن ذلك كان بهدفِ تشتيت إنتبَاهي إذ نبَشت جزءًا من شخصيتي خشيتُ أن تدركَه فأفقد توازني " إذن حدثيني عن عائلتك ، لا بدّ و أني إلتقيتُ بوالدتك ما دُمت من أعيان البلاد " إرتعدت أنَاملي المتموضعَة على الحجرِ الأ**د الذي يمثّل الوزير و تسارعت دقّات قلبي بنسق مخيف فخشيتُ أن تفضَحَ إهتزازاتُ ص*ري مَا عمَّ من خراب بجوفِي لكن و لحُسن الحَظ سرعَان ما وافانِي عقلي بردٍّ مقنعٍ بعد أن إنتقَى من بديع خَياله و واسع أفكَاره قصَّة متينَة الأركان ثابتَة الأحدَاث تحُول دونَ مزيد الأسئلة حول نَسبِي " والدي يملك أراضي زراعية في الأرياف والمناطق المحيطة من العاصمة لذا ففي الغالب لا نتواجد في رومَا و والدتي ليست من محبي الإجتماعات النسائية و الحفلات أشك أنّك تعرفينها" كَانت تستَمع إليّ بتركِيز شديد و رُبَّمَا جَعلهَا ذلك تسترسلُ في الحديث عن علاقتها بزوجها المزعج و تعديد مَحاسنهَا رغم أنّ لدَيّ يقينًا لا يتزحزحُ بأنّ هذه الإمرأة عشقت بإخلاصٍ شخصًا لا يستَحقّها " عَائلتي و عائلة زوجي اللاندغراف مقَرَّبتَان كَثيرًا و جونغكوك يحبني إلى درجَة أنه عمل جَاهدا على إبطال علاقتي بحبيبي السَّابق كي ي**بَ حبّي ، عشقنَا دائمٌ إلى الأبد لن يهزمَه أحد " إصرارهَا على إظهَار صورة ناصعة لحبّهمَا جَعلهَا تغرقُ من جديد و يسَّر لي فرصَة الفوز عليهَا إذ غفلت على ثغرة بسيطَة أثناء تحريكِ أحجَارهَا ، ربَّمَا نفسُ هذا الخَطأ هو الذي سيجعلهَا تخسرُ على أرض الهَوى. الآن تمكنتُ من الملك في اللعبَة و لكن من يدري قريبا قد أسيطرُ على ملكِهَا في واقعِها " كش مات " أشرقت إبتسامة نصْرٍ و تحدّي على ثغرِي في حينِ توسّعت حدقَتاها و هي تراقبُ الخسارة الجسيمة التي لحقَت بهَا ، تراجعتُ إلى الورَاء مريحَة ظهرِي على الكرسيّ و مراقبَة تعابير وجهها المذهولَة " أوه لا أصدّق! كيفَ غفلتُ عن ذلك ، أنتِ ذكيَّة" أزَاحَت رقعَة اللّعبِ جانبًا و قبلَ أن نوَاصل الحَديثَ ظَهرت أمَامنا إمرَأة يافعَة تنَازع بيلاَّ على عتبَة الثلاثينَات ، شقرَاء بتسريحَة شعرٍ قصيرَة تعلوهَا قبعَة صيفيّة و ثوبٍ بلونٍ فاتحٍ و أكمام قصيرة . سَارعَت بمعانقَتهَا ثمَّ إتخذت مكَانًا بيننَا و بَادرت بالحديثِ بينمَا تلاطفُ عضدها بلمَسَاتٍ خفيفة " جيون بِيلَّا ، كيفَ حالك عزيزتي " إبتسمت بيلاَّ و إحتضنت كفَّها ، ظللتُ أراقبُ تفاعلهما الحميميّ معا و لا أدري ما إذا كان يجدر بي البقاء أكثر " مَاريَا ، لم أرك منذُ يومينِ " طفقت هذه الأخيرَة في الحديث عمَّا يشغَلهَا دون أن تُعيرَ بالاً لوجودِي بجَانبهَا ، لقد تَطرَّقت إلى موضوع حَسّاس لا يجدُر بها ذكره أمامَ شخص بالكَاد تعرفه " زوجي الحبيب يحتَاجُ إلى جرعات مفرطة من الحُب ، تعرفينَ غرائز الرجَال... أوه تسرّعت بالحديث أمام الآنسة " وضعت يدهَا على فمهَا مُستَدركَة تَفويتهَا في الكلام و حَدّقت بي مُحرجَة لكنّ بيلّا سارعت بإنقَاذ كلتينَا من هذَا الموقف " لا بأس إنها صديقتي " إستَدَارت المرأة نَاحيتي و قد إرتخت ملامحهَا و مَدّت يدَها ناحيتي بغيَة المُصافَحة ، ترددت في البدَاية لكننِي أذعنت لطلبِهَا و صافحتهَا مُفصحَة عن إسمي حينَ بدت على مُحيَّاها علامات الإستفهام " أناستازيا " إبتَسمَت في شيء من الحَمَاس و إستدارت ناحية بيلا " مَا أبهَى طَلَّتها تشَرّفت بمعرفتك، جيّد أنّكما تشربان القهوة هكَذا سأتمكن من قراءة الطالع لكمَا " رفعتُ أحدَ حاجِبيّ في إستفسَار و أعدت على مسامعهَا كلامَها في صيغَة إستفهَام " قراءة الطالع ؟ " سَارعت بيلَّا بأخذ الكَلمَة و قد كانت فرصة لها للتّشدق بمهَارات صديقَتها أمامي عَلّها تستطيع جذبِي معهَا في هذا الميدان الغرِيب " أجل ، ماريا تمتلكُ موهبَة قراءة الطالِع و التنبّأ بالمستقبل كمَا أنها تستعملُ أورَاق التّاروت أيضًا كلّمَا أقمنَا جلسة نسويّة كانت هي زعيمتهَا و غالبًا ما تَصحّ تصَوّراتها " إنتظرتهَا حتى تنتهي من حديثهَا فسيكون من غير اللَّائق لو قاطعتُ حديثَها و أنا على طَاولتها و في شيء من عدم الإهتمام أجبت بينمَا أشيح بنظراتي عنهما " لا أؤمنُ بهذه الخُرافاتِ" نَظرت إليَّ بتحَدّي و سرعان ما أخرجت من حقيبتها اليدَوية حزمَة من أوراق التاروت و أوراق اللّعب و شرعت في ترصيفهَا على سطح الطّاولة "سأبدَأ بك أيتهَا الحسنَاء الصغيرة " راقبتهَا تمرر يديها على الأورَاق بخفّة و تتفحّصها بدقَّة ، لم أعر بالاً لمَا هي على وشك التفوّه به لكنَّها سرعَان ما تطَرّقت لجوانب حساسة في حيَاتي و إسترسلت في بعثِ الشكوك بدَاخلي خاصّة و أن بعضًا مما ذكرته يمتّ للواقع بصلة " يبدُو الحزن حليفكِ و الشجن رفيقكِ تركتِ خلفكِ الدّيار و صُحبَة الأخيَار ، و وجدت بينَ الدّمار زهرةَ الهيَام و تريَاق الآلام. ستشفَى الجروح و تنسَى الهمومُ لا محَال و لكن هل ستسمَحين للوَقت بمَجَال " توَسّعت حدقتاي دَهشَة و لم يرفَّ لي جَفنٌ بعدما سمعتُ منها ، بالكَاد إستطَعت إبتلاع ريقي لترطيبِ حلقي الذي جَفّ كأوراق الخريف. كلتَاهمَا ظلَّتا تراقبَاننِي و خاصّة ماريَا لقد كانت تنتظر منّي أن أطلعَها عمّا إذا كان تكهنُها صحيحًا لكنني لا أعتقدُ أنها تحتَاج إلى ذلك في ظل الوجوم الذي بات عليه وجهي. في تلك الأثنَاء سارعت بيلَّا لأخذ قسط من إنتباهها طالبَة منها أن تطلعَها عمّا في جعبتها ممَّا يخصّها من أنبَاء ، ألقت ماريا نظرة على أوراق صديقتِها و قد إكفهرّت ملامحُ وجهها ترددت في الإفصَاح عمَّا تحتويه هذه الأوراق التي من المفترض أن تحدد قَدرها و لمَّا لاحظت إصرار هذه الأخيرَة على الإطلاع أجابت بنبرة حائرَة " بيلَّا لا تبدُو حيَاتك في إستقرَار ، المستقبلُ غامضٌ و الحبُّ ضائعٌ إحذري من هَول أنثَى ستنَازعك في قَلبِ زوجك و قد تَظفر بالإعجَاب فلن تنَالي عندها حتى قدرا من السّلوان" لم يكن وقع كلمَاتها عليَّ أقلَّ صَدمَةً من حَال بيلَّا و للحَظة رَاجعتُ كلَّ الأحدَاث التّي صادفتني منذ صعدت على مَتن هذه السَّفينة و آخر اللّحظات التي جمَعتني بزوجِها ما جعَلني أشكُّ أنّي الفتَاة التي تقْصِدهَا ، شحبَ لون وجه بيلّا فجأة كأن الحيَاة فارقته و بدأت تسردُ أسئلتها بنبرة مرتجفَة كأنَّها على حَافّة الإنهيَار. راقبتُ تغيّر مزاجِها حال سماع كلماتها ممَّا جعلني أتَيَقّن أكثر من هَوسهَا بهذَا الرّجل و أراجع خطّتي للإنتقَام منه هنَاك الكثيرُ كي أخشَاه و يجبُ عليّ إتباعُ أكثر المناهجِ أمَانًا و أقلّها خطرًا على حيَاتي فهو وحشٌ لا يهَابُ شيئا ، إستمَرّ صمتِي كأن الصدمَة أذهبَت صوتي و إنتظرت ردَّ بيلّا على هذا "لا بُدّ و أنّك أخطأتِ في شيء ما يستَحيلُ وقوعُ ذلك ، زوجِي يحبّني و لن يتركَني... من قد تكون هذه ؟ " سرعَان ما بعثرت الأورَاق على الطَّاولة في إنفعَالٍ شدِيد و دَسَّت قبضتَهَا عند ذقنهَا تكتمُ الغَضبَ الذي إعتراها ، كان الصَّمتُ حليفنَا لفترة حيثُ عقدنَا معه صفقَة على ألا يمَسّنا في حُضوره سوءٌ و هو مَا وَفَّرَ لكلتينَا مهلَة للهدوءِ و التَّظاهرِ بأنَّ كل شيء على ما يُرامُ ، هي لغةُ لا يتقنهَا سوى من دَنَّست المكَانات و الثّرواتُ قلوبهُم فباتت تنكِر الصَّراحَة و تلتحفُ بالزّيف. حَلَّ على مجلسنَا رجُلٌ ضخمُ البنيَة ، مسعورُ الفؤاد و معتَلّ القلبِ لم يُدْرك الحسنُ سوَى وجهه فخَطّه بأعمَق أسرارِ الإعجَاز فمَا من شخصٍ يقدِر على تَجَاهلِ فتنَة ملامحه ، حتّى انا بالرّغم أنّي أمقته إلَّا أنّي لا أطيقُ مفارقة مُحيّاه حينَ يكُون في مَجَالي. صوته جلجَل في الأرجَاء مسببًا الرّعبَ في قلبِي و محدثًا قشعريرة سَرت في كَامل جسدي ، كنتُ أنتظِر قدومَه كي يدرِك أنّي لا أخشَى فضحَ أمره عندَ زوجَته و لمّا شعرتُ بقربه إلتفَتُّ ناحيته فلمحتُ توسّع عينيه دهشَة حتَّى إحتكَر بياضهمَا المساحة على حساب سوادهمَا السَّاحر " سيِّدَاتي... آنستِي " كان بصدد التّرحيب بضيفَة زوجته لكنَّ وجودِي كَان كفيلًا بإخراسه ، تمتمَ آخر كلمَة له ثمَّ لاذ بنظَرَاته نحوَ بيلَّا. لم أدَّخر وقتًا و سَارعتُ بتلفيقِ كلمَات مَصقولَة بحُروفِ بالمودَّة الزَّائفَة " حَضرة اللَّاندغراف ، تسرّنِي رؤيتك " لقد تعَامَل مَع وجودِي بمهَارة و لم يسمح للإضطراب بمجَال كي يكشفه إنَّمَا ردَّ على كلامِي بنبرة تُضاهيه و إغتنَمَ الفُرصَة حيث تسللَت يده لتَسرق لمسَة من خَبيثَة من عَلى كتِفِي "ليسَ بقَدري ، آملُ أنَّ بيلَّا أحسنَت ضِيَافتك " هَاجت الأمواجُ في زرقة عينيَّ تحت تيَّارات الحقد التّي جرفتنِي ، عَبثه معي سيكلّفه ثمَنًا غاليًا لكنّي لا أظنه يلقِي بالا لذلكَ فحَتّى بعد كلّ هذه التّحذيرات لا يزَال ينتهكُ حرمتِي و يتجَاوز الحدود التي رَسمتهَا له لذا آليتُ على نفسي أن أذكّره بهَا "طبعًا و أظُنّ أنّنا سنَلتقي ثانيَة كَصديقتينِ " بيلا عرضت عليَّ دعوة سخيّة لمشاركتها زوجها و مهّدت لي الطريق لتنفيذ خطَّتي " آملُ ذلك ، لنجتمع ثانِية في كَابرِي " أومأت مرصعة ثغري بإبتسَامة خَفيفَة و إنسَللتُ من مجلسهِما آملة أنّي قد أشعَلتُ فتيلَ الغيرَة بينهمَا علَّه يلتهمُ أسسَ علاقتهمَا فتُصبحُ هَشَّة و تندَثرُ سِرتُ نَحو السَّطح في إتِّجَاه غُرفَتِي رغمَ أن الطَّقسَ يغرِي بالبَقاء و الإستمتَاعِ بمنظَر الأمواج و هي تترَاقصُ على إيقاع نسَمَات شرقيَّة و لكنّي فَضّلت أن آوي إلى حجرَتي فَلستُ أجدُ في الحَياة لذّة هذه الأيَّام و كلّ الأشيَاء غَدَت ممِلَّة منذ أن تمَّ إغتيَال شعورِي في ذروة النَّشوة ، هممت بالنّزول نَاحية الغُرَف لكنَّ مَاريُو حَال دون إرَادَتي و جَذبنِي نَاحيتَه. بقَدر ما كنتُ سعيدَة لرؤيَته حَيًّا يرزَقُ كنتُ خَائفَة من أن يكشِفنَا أحدٌ و ينتهِي به المَطَاف طعَامًا لأسمَاك البحر ، دمعتْ عينَايَ و أنَا أتفَحّص تفاصيله إنّها أشبه بسطور تروِي قِصَّة للدَّمعِ سَاكبَة و للحُزن جالبة ، الكَدمَات على وجهه تفطرُ قلبي و تشقه إلى نصفين تؤلمنِي رؤيتَه على هذه الحَال و أنا السبب. عانقت يدِي وجنته و أبحرت مقلتَاي في شواطئِه تكَابد الغرق وسطَ دمعٍ إنهمَر "مَاريُو أنتَ بخير! " كَبرت شهَقاتي و تحشرجت في ص*ري قبل مُهَاجرته فسَارعَ ناحيتِي و هَذَّب أنفاسي المتقَطعة بقبلَة ، نَظراته ناحيتي تنقُل مَا فشلَت الكَلمَات في سَرده و هَمساته الدّافئة أنعَشت فؤادي " إشتَقتُكِ عزيزَتي " بَاعدتُ بيني و بينه في إستنكَار و خشيتُ أن تفضَحَ لغَة شفَاهنَا أسرارنَا فإستَدرت حَالا أبحث عن عيونِ الوُشَاة حَولنَا ترصُد حرَكاتنَا " هَل جُننْت ؟ أترِيدُ الموتَ على يدَي ذلك النَّذل المتوحّش ؟ " أرَاح جبهتَه على خَاصَّتي و تدَفَّق الكلمُ بين شهَقاته التّي زَادت مُعانَاتي " آنَّا ، إن كنتُ سأمُوت في سَبيلكِ فإنّي شهيدٌ و دمَائي لحُبّك قرابين " هززتُ رأسي نافية و حَاولتُ جاهدة طَردَ الأفكَار السودَاوية المه***ة على عَقلي ، تذكَّرت الحَريق الذي نشَب في قَصرنَا ، الدَّمار الذي لحقَ بي و صَرخات وَالدَيّ بينمَا تمنَعهمَا النِّيرانُ من الفرار. " أنتَ تهذِي هل تَظنّ أنّي سأسامحُ نفسي إن حَدثَ لك مَكرُوه ؟ لن أستَطِيع العَيش إن خَسرتُ شخْصًا آخر عزيزًا عليَّ ، ألا يكفِي أنِّي فقدتُ والدَيّ ؟ إرحمنِي أرجوك فلن أحتَمل ألمَ الفرَاق ثَانية " بدَى على وجهِي الإعياء و تلاشت الحروف على أعتَاب لسانِي و قد محتهَا تنهيدَة تليهَا أخرى ، فتَمَسَّك بيدي كآخر رجَاء و راحَ يرشوهَا بقبلات مخمَليّة تذيب كِياني " لا أزالُ متمَسِّكا بقرار الهَربِ ، إمنحِيني فرصَة لإنقَاذ حُبنَا. كم ستَكون حَياتتَا رائعَة : سنَمتَلكُ منزلًا ريفِيا صغيرًا و ستَحملينَ طفلَة تُشبهكِ و تحبُّني ستتفتَّح كزهرة أملٍ بيننَا و سنَسمّيها فيُولا ، ستأخذُ منك إتقان عزفِ الكمَان و سأعَلّمها الرّسم. لنأخذهَا في رحلة بحرِيّة كلّ صيف و نقصّ عليها أطوار حكَايتنَا و كيف تغَلّبنا على جميع الصّعابِ " خَارت قواي عند كَلمَاته فقَد بدَت لي كَأطيَاف أمَاني صعبة المنَالِ و فَرّت دموعي طليقَة من الأسرِ "كَفَى ماريو أرجُوك ، أَنت تحلمُ و تغرقنِي معك في الأوهَام. لن أسمَح لك بالسّير في طَريقِ هَلاكك ، إن كَان الحُبّ هو المقصَلة التّي حكمتَ بها على نَفسك فَلستُ أحِبّك! لننهي الأمرَ عندَ هذا الحَدّ ، دَعنَا لا نلتَقي ثَانيَة و آمل أن تجدَ السَّعادة مع غيرِي " كنتُ على شفا الانهيار بينمَا أكظمُ حسرتِي و أطعنُ قلبي بقساوة كلمَاتي التي حَلّت محَلّ السيُوف حَتَّى تشَوَّه بفعلِي فرضيتُ أن أحملَ بينَ جنبَيّ البَشاعة على أن تَقودَه الأهوَاء إلى مذبح القدَر ، تخليتُ عن يديه اللتَان تشبَّثتَا بخَاصّتي إلى اللَّحظة الأخيرة و كأنّي ألقي بكلّ ما يجمعنَا في عرض البحر ثمّ سرتُ إلى أبعد مدى ، أملتُ ألّا تلاحقني نَظراته كأني مذنبَة تتجَوّل بجُرمهَا و تَمنّيت لو كَان بإستطَاعتي التنفس من جديد دون أن تحولَ عبراتِي دونَ ذلكَ لقد حَاولت التَّظاهر بالقُوّة قدر المُستَطاع و المُضيَّ في سبيلِي دون أن أكشِفَ عن مدَى الخرَاب الذي لحقني و الحزنِ الذي نَهشنِي . يدِي المرتعشَة تربّت بخفّة على ص*ري عَلَّها تخفف من إهتزازاته المستَمرّة ، نزَلتُ الدرجَ المؤدّي إلى حجرَات النوم بصعوبة كنت عاجزَة على القيَام بأدنَى مجهود في حينِ أفقِدُ أحبَّ شخصٍ إليَّ و السبب في سعادتي بعد أن كنت أتخَبّط في دهاليز الوحدة أصارع ظلامَ اليتمِ و القهرِ. وَصلت عندَ باب غُرفتِي بالكَاد كنت قادرة على المشي ، كنت أنوي الإرتماء في سَريري و النَّحيب لكنَّ زيارة أحدهم دمّرت مخططاتي حالمَا فتحتُ الباب قابلني اللّاندغراف جالسًا على الكرسيّ الخَاصّ بي و كأنّ كل ما في الغرفَة تابع لإرادته و تحت تصرّفه ، حالمَا لمحنِي ألِج المكان إستقام من مقعده و تقدّم ناحيتي بخطوات بطيئة حالمَا وجد نفسه على مقربة منّي إنحنَى ليقارب بيننَا و هتف في تهَكّم " مَرحبًا بعودتك سنيُورَة " لم أكن في وَضع يسمَحُ لي بإحتمَال كلمَاته المُحَملَة بالسخرية و الإزعاج ، بالكاد كنت أطيق وجوده على ظهر السفينة فكيف الآن و قد بات على بعد إنشات مني و في عقرِ غرفتي " هل أنتَ بربريّ ؟ لا يَحقّ لك إقتحام غرفتي دون أخذ إذن مني و إستعمال ممتلكاتي كما يفعَل الهَمجُ " صرختُ محاولة تخفيف الضغط الذي أشعر به و الهموم تثقل كاهلي و تزيدُ من معاناتي و لكن ذلك لم يزده إلا إصرارا إذ تقدَّم أكثر و لَوى إحد خصلاتي حول سبابته " سَبقَ و فعَلت ذلك فلمَاذا تلومينَني ؟" راقبتُ حركاته بحقْدٍ شديد و قد إشتعلت شرارَات الإمتعاض في بؤبؤي ، إنسللت من قبضته قبل أن تلمسني يدَاه و تقدمت ناحية النافذة و قلت " قل ما تريده و أغرب عن وجهي فلن أواصل معاملتك بإحترام " إستدار هو الآخر مقابلا لي و حرص على أن تكون كلماته موزونة فهو يحسن إنتقاءها لتخدم رغباته و ترضي غروره ، ثمَّ أشار لي بالجلوس و قال بنبرة مستفزة " أتيت لعقد صفقة ، تقرّبك من بيلا خُطوة ذكِيّة و مدروسَة لكنَّني أرغَب في جعل الأمور أكثَر وضوحًا "
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD