لو كَان في الحُبِّ إختيَارٌ
لكَان عِشْقُ زُمرّدتيها هو الخِيار
لَقد رأيْتُ في وَجْهها وطَنِي
و في ن**ديها مَهدِي
و في جَوفِ يدَيها تَكمُن جنَّتِي
و أقصى مرامي بَين ذراعيها مُنيَتي
أُرِيدُ أخْذَها في حُضْنِي و أن أهْمِسَ
《نَامِي طِفلتِي و لَا تَخشَيْ فمَعي لن تَشقَيْ 》
_
في صيفِ أَوائِلِ القرنِ التَّاسع عشر أتممتُ عقدًا يربِطُ بيني و بينَ رَفيقة دربي بِيلَّا...
أحْبَبتها حبَّ مرَاهَقةٍ و قد كانت هي تصغرنِي بخمْس سنوات. والدَانا إتَّفقا على إتمَامِ قصَّتنا بزواجٍ يشهَدُهُ جمِيعُ الأعْيَان...
أنا ؛ اللاندغراف جيون جونغكوك لم يسبِق و أنْ فهمْتُ مشاعِري يوْمًا لكنني أردت الفوز دائِمًا...
لم يسبق و أنْ خُضتُ صفقة و غادرتها خاسِرًا ما أريده سيَكون حتْمًا لي و أكبَر مثالٍ هي بيلَّا فقد سرقتها من حبيبها السَّابق بسهولة و هي الآن زوجتي...
اليَوْم سننطلقُ في رحْلةٍ بحرية إلى جزيرة كابري لإمضاء شهر العسل هنَاك ، أتلهّف شوقًا لقضاء وقتٍ ممتعٍ معها...
وَصَلت عربَتنا إلَى المِينَاء و راقَبتُ السَّفينة المليئَة بالرُّكاب عبر ثقُوب الشباك الصغير بها. سارع السَّائقُ بفَتح الباب من أجْلِنا فنَزَلْتُ لأقِفَ بِشُموخٍ و أملأ رئتيَّ بالهَواءِ النقيِّ المشبَع برُطوبَة البَحرِ.
ثَبّتُ الياقُوتة المتمَوضعَة على ياقَتي بِغُرُورٍ و مدَدتُ
يدِي إلى مَحبوبتِي أسَاعدها على النُّزول هي الأُخرَى.
أزَاحت مظَلَّتها التّي تضعها على رأسها خوفًا من حرارة الشَّمس لتتأَمَّل كِبر حجْمِ السَّفينة التي سنَركبها.
إبتَسَمت لِي فَبادلتُها و سرنَا نتَبَخْتَر إلى السُّلم المؤدي إلى سطح السَّفينة ، صعدت بيلَّا بكلُّ أناقةٍ محافظة على رشَاقتها و جمَالها حتَّى في خطواتها و حينَ وَصلنا تثَبَّت أحد الرِّجال من تذَاكِرنا ثمَّ صدَحت حنجرته بإسمَينا معلنًا عن شَرفِ حضورنا.
"اللَّاندفراف جيون جونغكوك و زوجَته جيون بِيلَّا "
إنحنى هو و مجموعة من العمَلة فإبتَسمتُ بفَخْرٍ و مضِيتُ قُدمًا رفقة زوجتِي و خَلفِي خَدَمٌ يحملونَ أمتعتِي...
دَخَلنا الجناح المُخَصص لَنا فِي الطَّابق الرَّاقي حيثُ يَجِبُ أنْ تتَواجَدَ العَائِلات الأرسطُقراطية.
كانت الغرفة مريحةً معَ ألوَانٍ فاتِحة على الجُدران و نافذة دائرية تطل على البحر...
سَريرٌ وثير و عليه ملاءةٌ رمادِيَّة و بعضُ الدّيكورات الفضيَّة.
جَلست بيلّا على إحدى الكرَاسِي بينما إهتمَّت الخادِمَة بتَرتِيب الأَغراضِ في الغرفةِ قَبلَ أن تَخرُجَ و تتْرُكَنا لوَحدنَا.
إستَقامت بيلَّا تنَاظرنِي بإبتسامَةٍ مُشْرِقة و تقدَّمت ناحِيتِي لتَضعَ يديها النَّاعمة على صدْرِي و تقول بخُفوتٍ و عينَاها العَسليَّتانِ تتمركزُ حولَ شِفاهِي...
"عَزيزِي اللَّاندغراف ، أخِيرًا نَحنُ مَعًا إلى الأبَد... تَعجَزُ الكَلمَات عن وصْفِ سعادَتِي حالِيًّا. "
بيلَّا تُحبّني حبًّا جمًّا ، لم يسبِق و أن شَعُرت بالحُبِّ هكذَا. هيَ مهووسة بي ممَّا يجعلُنِي أشعر أننِي مقَصّر ناحيتها ، صحيحٌ أنني أحِبُّها لكنني لا أُسرفُ في عَاطفتِي كمَا تفعلُ و هذَا يَجعلنِي أخَافُ أن أجْرَحهَا يومًا بعدمِ مبادلتِي لها نفْسَ القدر من المَشاعِر.
إكتفيتُ بالنَّظر في عينيها و هِي إنْساقتْ مخدّرة ناحيَة شفاهِي و غَطَست في بحْرِهمَا تُقبلهما بشغفٍ ،
أسْدلَت رموشَها الكثيفة و تَعَمَّقت في تقبيلي أكثر في حينِ ضَغطْتُ أنا على خِصرهَا و قَرَّبتها ناحيَتي أكثر.
تَوَقَّفت و راقبتني بعُيونٍ شاردَةٍ و قد تخَاذلَ جَفنَاهَا.
إستمرت في تأملي إلى حين تناهى إلى مسمعي صوت صفير يُعلنُ إنطلاقَ البَاخرةِ...
إستدرت لوهلة ثم عاودت النظر في عينيها و سألتُ
" لقد أبحرنا للتوّ ، ألن تخرُجِي للإستمتاعِ بمنظر البَحْرِ "
خفَضت يديها عن مستوَى صدْرِي و أجابت بينمَا تفتحُ أزرار ثوبها
" ليسَ الآن ، أريد أخذَ قِسطٍ من الرَّاحة و رُبَّما أنامُ"
حرَّكت رأسي مفيدا الإيجابَ ثمَّ غادرتُ الغُرفَة متجها نحو سطح السَّفينة أبتغي رؤيتها تمخر عُبابَ البَحرِ.
في الرواقِ المؤدّي للأعلى حيثُ إصطفت الغرف محاذية لبعضها البعض سَمِعت جلَبَةً خفِيفةً مرفوقَة بصوتِ إرتطامٍ قويٍّ للباب
" آنستي الصَّغيرة هذه أوامِر السَّيّد و يجب الإلتزامُ بها... "
تعالَى صَوت رَجُلٍ متَقَدم في السِّن بهذه الكلمات و حين وصَلتُ رأيْتُ طيْفَ شابَّةٍ يرْكُضُ و وراءها شيْخٌ إشتعل رأسهُ شيْبًا.
أثارَ الأمرُ فُضولي فحثثتُ الخُطى أتقَصَّى ما يجرِي ، كنت بعيدا عنهم بضعة أمتار لذلكَ أسرعتُ للَّحَاقِ بهم. وجدتُ نفسي أقِفُ فِي مؤخرة السَّفينَةِ ، حيثُ خَلى المكَانُ من المُسافِرينَ.
كنت أتفحصه من حولي حين سَمعتُ توسُّلات الشيْخِ ترتفعُ طالبا النَّجدة
"آنستِي أرجُوكِ إنزلي ، لا تُخاطِري بنَفسِكِ... "
رفعتُ بَصرِي لأرى فتَاة مُراهقَة تقفُ على حَافَّة السَّفينة ، مالت الشَّمسُ للغروبِ و حينَ إلتقَت بخَصلات شعرها الصَّهباءِ بانت كأنَّها شُعلة مُلتهِبَةٌ تطفو على سطْحِ البحْرِ الشَّفافِ يالَه من منظَرٍ لا يتكَرر دائمًا! نارٌ و مَاء ؛ الأضداد يجتمعان ليُشكِّلا أجمل لوحةٍ رأتها عَينَاي ، إستفقتُ من شرودِي حينَ سمعتها تصرخ
" أُفَضِّل إلقاء نَفسِي في عُمْقِ البَحر على أن أرافقَك إلى ألفرِيدُو اللَّعين... "
من شدَّة الإرتعابَ سَقطَ الرَّجل جاثيا على رُكبتَيهِ فوَاصلت الفتاة لكن هذه المرَّة إختفى صوتها الجهوريُّ خلفَ عبرَاتٍ مؤلمَة
"ظَننتكَ أكثَر شَخْصٍ سيُحَاولُ حمَايتِي ، فإذا بكَ تُلقي بي للهَلاكِ... "
قالت بيْنَما تتَخَطَّى الحاجِزَ الحديديَّ لتقف مباشرة أمَامَ البحر و أقَلُّ خطإ قد يودي بحياتها. بدى ذلك مرعبًا فهي تُحاول الإنتحارَ فعلًا...
"سَاعدُوني! هَل من أحدٍ يُساعِدني ؟ آنستي على وَشكِ الموتِ..."
إستنجد الرَّجل بأعلى صوته عندها إستعدتُ وعيي و ركَضْتُ ناحيَتهما أحاول منعَ حُدُوثِ الكَارثة
" توَقَّفي! "
صرَخْتُ بأعلى صوتِي فإلتفتت إليَّ و تواصَلت عَيناي بخاصَّتها ، كانتْ ثالثَ زُرقَةٍ في المكَان؛ البَحرُ ، السَّماء و عَيناها جَعلونِي أفقدُ إحسَاسي بجمَال ما هُو مخالفٌ لثلاثتهم و أشكك بصفائِه ليس هذا فحسْب إنَّما قيَّدوني بعشْقِ اللَّون الأزرَقِ و الإمتِنَاع عن غيْرِه.
تمَسَّك الرَّجل بقدمِي و جَعل يتوسَّلني و قد لمَحت الخوفَ في عَيْنيْهِ
" أَنقِذها أتوَسَّلُ إليْكَ... "
نَظرتُ إليه بجِدّية و قد عَقَدت العَزمَ علَى إفْشالِ مُخططها ، قَلَّصت المسافَة مَا بينَ حاجِبَيَّ ثمَّ إقتربتُ منها و حالما رأتنِي أشارت لي بيدها أن أتوَقَّفَ و صرخت
" لا تقْتَرِب و إلَّا رمَيتُ نَفْسِي... "
تجَاهلتُ كلامها و جعلتُ أتقدَّم ناحيتها بحذرٍ فتَراجعت هي بدورها خطواتٍ للوَراء بينما تنظر إلى الفراغ على جانبيها و فجأة إختلّ توازنها تجَمدت في مكاني و خِلتُ أنها ستسقُط بالفعل بينما وضع الرَّجل الذي كان برفقتها كلتا يديه على عينيه مانعا نفسه من رؤية المشهد المخيف...
بأُعجُوبةٍ إستَطاعت النجاة و الحفاظ على توازنها من جديد ، هذه المرَّة قد بدَت خائِفةً و قلْبُهَا يَخفِق بشدَّة. شَعرت بقطرات من العرق تتشكَّل على جبيني و تنسابُ محاذيةً لفكِّي و قد زادَ توتُّري
" كُفِّي عن تَصَرّفاتِ الأطفَال هذه و دعِينِي أسَاعدُك"
قُلتُ بِصوتٍ خشنٍ إمتزَج فيه الخَوفُ و الغَضبُ فشعرتُ بجسدها يهتَزُّ لكلمَاتِي لم أشأ إخافتها فأضفت بلينٍ محاولًا كَسْبَ ثقتِهَا
"لا بدَّ و أنَّكِ خائِفة من السُّقوطِ تَعالَي سأمْسِك بكِ... لا تخشَي شيئًا و ثقِي بي... "
"أنَا لا أهَابُ المَوتَ إن كانَ أهونَ من حيَاة المُستَضعَفين... "
رقَّعت ثوبَ الإرتباكِ بإصرارٍ رثٍّ فبدَى ذلك واضِحًا من خلال نظراتها المتواصلة لموقع خطواتها ، رفع الرّجل يديه ملحًّا في الطلب و قد لمحتُ دموعًا بين طبقات التجاعيد في عينيه
" آنِسَتي أرجُوكِ إسمَحِي له بمُساعدَتكِ ، لا تتهوَّري أكثر... "
" لا تكُونِي عنِيدَةً ستخسرين حيَاتَكِ "
قُلتُ مستغِلًّا إلتهاءها بالنظر يمنة و يسرة و تقدَّمت بضع خطوات بعدُ ، هي لم تشعر بإقترابي منها و عَلى حِينِ غَفلةٍ جذبتُهَا من ساعِدها بقُوَّة. كانت حركة جريئة و خطِرة إمَّا أن تُنقِذها و إمَّا أن تَقتُلها...
إستطعتُ الإمساك بها لكنني فقد توازني ليسقطَ كلانها ، إفترشتُ الأرضَ و هي إتخذت من جسدِي مكان هبوطٍ آمنٍ لهَا...
أسرع الرجل يساعدها على الوقوف بينما يتفحَّص جسدها مليًّا
" أنتِ بخيرٍ آنستي ؟ هل حدث لك مكروه ؟"
رفَعت جزئي العلوي بينما لا أزال أفترش القَاع ثمَّ حككت مؤخرة رأسي فقد تلقيت ضربة مؤلمة إثر سقوطي.
نظرتُ إليها و قد أعادت خصلات شعرها النَّارية للخلفِ و عيناها تُحدّقان بي بحدَّة
"متطفِّل! لمَاذا أنقذتنِي؟ من أخبركَ أننِي أريد الحياةَ"
كُنتُ أنتظر أن تشكرني على إنقاذي لها من حافة الهاوية لكنها جلدت ظنوني الواهية بكلامها المنافي لما كنتُ أتوقَّعه... لمحت في وجهها النقمة و الغضب ، لم تلبَث دقيقة و سرعَان مَا غادَرت تاركة إيَّاي خاوي الوفَاضِ بلا ثنَاءٍ و لا مديحٍ و لا إطْرَاء...
هذا أقلُّ ما يسْتَحِقه بطَلٌ نبيل مثلِي ، إقترب منّي الشيخ الذي كان برفقتها و مدَّ يده ناحيتي ليساعدني على الوقوفِ...
إستقمتُ و جعلتُ أرتب هندامي بينما أنظر إلى الطَّريق التي مرَّت منها تلكَ الطِّفلة.
" الآنسة أناستازيا حادّة المزاج و صعبَة المِراس لذا لا أريد منك الإنزعاج من تصرُّفها الجارح منذ قليل.
أنا أشكرك جزيل الشُّكر على إنقاذها ، لقد قمتَ بعمل رائع سيّدي... "
إنحنَى إليّ طويلا يعبر عن مدى شكره فأومأت له كإجابة مختزلة و هو غادر في الحين يتقفَّى أثرها
" أناستازيا..."
نطقتُ بإسمها بدونِ وعْيٍ منِّي ، و لمَّا نطقتُ به لاحَ في ذهني شَريط ما حدَث منذُ قليلٍ.
جَمالُها الأَخّاذ لا يتناسبُ معَ أخلاقها المتدنِّية.
رحَلتُ من ذاك المكان المُقفِر عائِدا إلى غُرفتِي حيثُ وجَدتُ بيلَّا نائِمَةً بسلَامٍ. إقتربت منها و جلست على مقربة منها ثمَّ مسحتُ برفقٍ على وجهها ، إستفاقت من نومها و حال رؤيتها لي إبتسمت برقَّة و أوّل ما تفوّهت به كان
" أجمل إستيقاظ يكُون بَينَ يد*كَ عزِيزِي ، لا أطلب أكثر من إبصار وجهكَ الوسيمِ كلَّ يومٍ..."
قهقهتُ بخِفَّة ثمَّ طبعت قبلة خفيفة على وجنتها لأضيفَ
" لقد غابت الشَّمسُ و حانَ موعِدُ العشَاء... سمِعتُ أنَّهم أحضروا أشهر العَازفينَ من فرَنسَا ، ستكون السَّهرة ممتِعة... "
نهضت من فراشها على عَجَلٍ و قالت بينما تنزعُ ثوبَ نومها
" لقد شوَّقتني... "
خَلعته و كنتُ أتأمَّل تفاصِيل جَسَدها بإبتسامة جانبية مؤجِّلا رغبتي في إلتهامها إلى آخر اللَّيلِ
إرتدَت إحدى فَساتِينها البَاهِضَة و زَيَّنتها بأثمَن ما تَملِكُ من حِليَة ، خَطَت ناحيتِي و شَابكت ذراعَينا ثمَّ توَجَّهنا إلى القاعة المُجهزَّة لتناول الطعام...
كَان جميع المسافرينَ قد إتَّخذوا طاولاتهم و شرعوا في الأكل و البعض منهم كان يتجاذب أطراف الحديث و الآخر يصغي إلى عزف الفرقة الموسيقية بإهتمَامٍ...
إتخذنا طاولتنا و قد كانت مجهزة كأحسن ما يكون في إنتظارنا ، سَحبت الكرسيَّ من أجلِ بيلَّا فجلَست و إنتظرتني حتَّى قابلتها ثمّ شرعنا في الأكلِ.
كانت تتناول طعامها في صمتٍ و من حِينٍ لآخر ترمُقنِي بنظراتِ هيامٍ ، وضعت كُلًّا من الشوكة و السكين ثمَّ أمسكت بيدِي تستدعي إنتباهي.
مسحتُ فمِي بالمنديل المطرز في شئ من التكبر و التّعالي ثمّ نظرتُ إليها بصمتٍ أبتغي معرفة ما يجول بذهنها ، بعيونٍ إشتعلت فيها شراراتُ الحبّ سألت و قد إلتمست خوفها من الإجابة
" جونغكوك ؛ إلى أيِّ درجةٍ تحبنِي و ماذا قد تَفعل في سبِيل إبقَاء حُبّنا ؟ "
عقدت حاجبيَّ و سألتُ بإستغراب فلم أفهم كيف تخطر ببالها مثل هذه الفرضيّات
" من أينَ أتيتِ بهذا السؤال المفاجئ بيلاَّ ، و لماذا تواصلين التَّحدّث في نفسِ الموضوع ؟ ليسَ و كأنني سأطيرُ بعيدًا عنك... أنا بجانبكِ"
ربتت على يدها محاولا تبديد شكوكها و مخاوفها ، لكنني كنت حريصا على إخفاء إنزعاجي من كلامها.
في الواقع بدى الأمر مملا فهي لا تنفَكّ تطالبني ببرهنة حُبِّي لها ، و أنا لستُ من النَّوع الذي سيكذبُ حول مشاعرهِ أو يبالغُ بها إن كنْتُ أشعر بشئ ما فلن أتردد عن الإفصاح عنه...
سحبت يدها بعد أن خابَ ظنُّها في إجابَة دسِمَةٍ مشبَعةٍ بالغَزْلِ و مشَاعِر الحُبِّ من قبَلِي ثمَّ بقيتْ تستمِعُ إلى العزفِ طوَالَ السَّهرةِ و قد أضْرَبت عنِ الأَكلِ في حين واصلتُ تناول طعامِي و أنَا أراقبها دون أن تتفَطَّن لِي...
حِين إنتهَى مَوعِدُ العشَاء أصَرَّت بيلَّا على العودة إلى غرفتنَا متعللة بأنها تريد النّوم لكنني كنت مدركًا تمامَ الإدراكِ أنّها منزعجة منّي لذلك رافقتها...
دَخَلنا الغرفة و شرعت هي في إزَالة المجوهرات التي ت**وها ، نظرت إليها مليا قبل أن أسأل
" أنت غاضبَةٌ منِّي عزيزتِي ؟ "
نظرت لي عبر المرآة التي تقبع أمامها و أجاب بهدوء
" كَلَّا ، كان مجَرّد سؤالٍ فقط لما قد أغضبُ... "
تقَدّمت منها و أزحت الفستان عن كتفها ليظهَر لي ناعمًا تفوح منه رائحة أجود أنواع العُطورِ ، طبعتُ قبلة حارَّة هناك فشَعرت بإهتزازِها على وقعِ حركتي
الجريئة تلك ثمَّ رفعتُ رأسي ناحيتها لأهمسَ بخشونَة
"مَا رأيُكِ أن أريك إلى أيِّ درَجةٍ أحبّك ، على السَّرير"
إبْتَسَمت بينمَا تناظرني بعيُون مغرية كأنها تمنحني الموافقة ، و بلا تَرَدّدٍ حَملتُها بينَ ذرَاعيَّ و جعلتُها تستلْقِي علَى السَّريرِ ثمَّ إعتَليتُها و شرعْتُ أفُكُّ أزرارَ قمِيصِي. هي كانت تبتسِمُ برِضَا و تنتَظر مبادرتي على أحَرّ من الجَمر...
شرعتُ في تقبِيل كلّ إنشٍ من وجههَا وصُولا إلى شفاهها حيثُ توَقّفت هناك آخذ حاجتي و أروي عَطشِي إلى عذوبة ريقهَا ، كانتْ تتَحَرَّك تحتِي بلَا توقّف لذا فقد أدركتُ أنها لم تعُد قادرة على تَحَمُّل المزِيد من الممَاطلَة ، توقفت عن تقبيلها لاهثًا و قد تسَارعت أنفاسِي ثمَّ و بحركَةٍ سريعَةٍ جرَّدتها من الملبَسِ و شَرعتُ أخطُّ دروبِي فوقَ أرضِ جسَدها و أقمعُ كلَّ محاولاتها في السَّيطَرة...
كُنتُ مندفِعًا ناحيتها و كلَّما ظفرت بالقلِيل زادت رغبتِي في نَيلِ الكَثِير ، لم أشْبَع منهَا قطُّ ، من ملمسِها المخمليّ و عطْرِها السَّاحرِ و نبْضِهَا المتزايدِ و جِسمها المتَكَامِل.
تَوقَّفتُ مُكرَهًا حينَ شَعرتُ أنها تَعِبت و ما عادَت تبَادلُنِي بشغَفٍ إنَّما سلَّمت جسَدها لي دُون أنْ تتَفَاعلَ روحُها مَعِي...
إبتعَدت عَنها بعد أن قَبّلت شفاهها برقّة و إِستلْقيتُ بجانبهَا نَاثرًا فوقَها المُلاءةَ ، يَبدُو و كأنَّني كنْتُ قَاسيًا إلى درجة أنَّني تعَدّيت مرحَلة الحُبّ لأسلك منعَرجاتِ الشَّهوة الخطِرة...
رُبّما إنفعلتُ إلى درجَة جعلتني أعاقبُها لا أثبِتُ لها حبِّي ، إلتفتت لأجدَها قد نَامت بالفِعلِ بينمَا كُنت أنا عاجِزًا عن ذلكَ.
صحِيحٌ أنَّ لدَيَّ شُروطًا صَارمَة يجب أن تتوفَّر كي أستطيع النَّوم و لكن ما الذي ينقُصنِي ؟ حَبيبتِي نائِمَة إلى جَانِبي ، أملكُ المَال و الجَاهَ ، و صوتُ المَاء رقراقٌ يعْزِفُ لي أعذ*ب تهوِيدَة...
إذا لمَاذا أعَانِي من الأرَقِ ، بينَمَا كنتُ أصَارعُ أفكَاري في حَلبَة الخِشيَة تنَاهَى إلَيَّ صوتٌ قطَع تفكيري المعمَّق و على إثره تَلاشَت جَميعُ هوَاجسِي...
صَوتُ عَزفِ كمَانٍ إخْتَرق عَقلِي و قلبي و سكِينة المكانِ من حَولي ، أغمَضت عينَيَّ و أمعَنتُ التَّثبّت في لَحنِه فبدَى لي حزِينًا تناثَرت الأشواقُ في مَوجَاته
و غَاصت في بَحرِ العِشقِ دموعه.
إستقمت بهدوء و إرتَديتُ قَميصَ نومِي ثمَّ خرجتُ أتبع مص*ر الصَّوتِ ، ركَضتُ في الأروقة يقودُنِي سحر الألحانِ و صعدْتُ السَّلالم على وَقعِ الأنغامِ.
وَصلتُ إلى السَّطح حيثُ رأيتُ هويَّة العازفِ و قد بدى لي مألوفًا.
وقَفَت قبالة البحرِ بقامَتها القَصيرة و قد إرتدت ثوبًا أبيض قصيرا كشفَ أناقة ساقيها و رشاقة جسدها...
أسدلت شعرها و قد طغت عليه الحُمرة كأنَّه عُنقودُ خطيئةٍ من قاعِ الجحيمِ تذروه النَّسائمُ البحرية شراراتٍ تتناثَر في الجَوِّ و قدْ أمَالت رأسَها تريحُه على صَدرِ الكَمَان و تتلاعَبُ بأوتَاره برقَّة فتَندَفع موسيقاهُ مُحمّلة بالحزنِ.
بينَ راحتيها الحانيتينِ نَطَق الكمَانُ بعد إذ كانَ أبكَمًا و باحَ بما يختلجُه من همومٍ في أعذبِ مقطوعة ، أمرته فقال نثْرًا منصَاعًا لأمرها و سيّرته فإنسَاقَ طوعًا في سبيلهَا...
بدَت حزينة و ما الكمَانُ إلَّا ناطِقٌ على لسنِهَا فإنسَحَبت و ظللت عن بُعدٍ أراقبها و قد فاضَ التفكيرُ من عقلي و خلَى فؤادي من كلِّ شَجنٍ...
شعرت بأنّي مرتاحُ البالِ ، اللُّبّ نظِيفٌ و الرّوح خفيفةٌ. ظللتُ أستمِعُ لعزفهَا و قد هجرني الأرقُ و لكن بدل أن أعُودَ إلى غُرفتِي و أنام خيَّرت البقاءَ كيْ لا أُفَوّت هذا العَرض السَّاحرَ.
أسندتُ رأسي إلى هيكلِ السَّفينة و أغمضتُ عينيَّ أتفاعَل مع الأنغامِ بإحساسٍ عَميقٍ بالجمَال و بربَّة الجمال