نَبضُ المُحيط

2963 Words
كَفاكِ أيتهَا الحَيَاة عَصفًا فقد كَسرتِ آمالِي و مزَّقتِ أشرعَة الأَمَاني ألقيتِ بي فِي خِضِمِّ زوبَعة فتَقاذَفتني أموَاج الآلامُ بين ثناياها ، كتمَتِ أنفَاسِي و أَجبرتنِي على تَجَرُّع ملُوحَتها الخَانقةَ ثمّ ألقيتي بي علَى شوَاطئ اليأسِ... لقد لفظْتُ آخرَ أنْفَاسِي تمَامًا كما لفَظتنِي الحياة من عُمقِها كأنِّي لقمَة عَسُرَ عليها هضْمُهَا و تَقَبُّلها... بعدَ أن كنتُ راكبَة في سَفينة الأحلام وجدتُ نفسي غريقًا في الظَّلام... _ كُنتُ مُجْبَرة على التَّقيّد بأوامِر ألفريدُو حتَّى و أنا بعيدَة عنه أميَالا عدّة... النَّوم في وقتٍ محدّد و الأكْلُ كذلكَ و أنا لم أعتد على القيود لقد كنت دائمًا تلك الفتَاة الجَامحَة ، أريد العيشَ حُرَّة طَليقَة بعيدة عن كلِّ ما قد يشُوبُ حياتي و يُعَكِّرها... أبى النَّوم أن يَحل فوق جفونِي و يُخدِّرني بعيدا عن الواقع و لو لفترة قَصيرَة لذا أخذتُ كمَانِي ، مسحتُ عليه في حنين و شوقٍ ثم تسَللت إلى سَطح السَّفينة لأعزفَ إحدَى المقَاطع التّي عَلَّمتني إيَّاها والدتي... عزفتُ بإحسَاسٍ عمِيقٍ و شعُورٍ لا متنَاهي بالفَنِّ و حالما إنتهيتُ أجهشتُ بالبُكَاء. لم أكُن أعلَم ما إذا كانت تلكَ دمُوعَ رِثاء لروحِ والدتي أم لرُوحِي التِّي تعذَّبت و مازالت تتعذَّب دون أن يُشْفِق عليها أحدٌ... لَبّت الشهَقاتُ النِّداء و تقهقرت لتخْرجَ مُرتفِعةً يهتَز لها عَرشُ قلبِي كلَّما صدَحت ، أبصرتُ خُيوطَ الفَجر ضبابية في عدستيّ تحيكُها الشَّمس من ذهبٍ فكفكفتُ ما شَقَّ مُزنَ الكرَب و قفلتُ راجعةً إلى حجرتي ، إستلقيت و دموعي ترسو على مخدعي ثمَّ أغمضتُ عينيَّ و تظاهرتُ بالنَّوم كنتُ موقنَة أنَّ السيد جونز لن يتأخَّر في القدوم و بالفعلِ فقد طرَق البَاب بخِفَّة يريدُ إيقَاظِي من النَّوم ، فتحت باب الغُرفة من أجلِه متظاهرة أني إستفقت من نومي للتو فقال " صباح الخير آنسة أناستازيَا ، لا تتأخَّري سيُقدّمون الإفطار بعد عشرة دَقائق..." أومأتُ بصمتٍ ثمَّ أغلقتُ الباب في وجهه دون أن أشعر بالنَّدم على تصرّفي القاسي تجاه شخْصٍ يكبرني بعقود... لقد تغيَّرت معاملتي تُجاه هذا الشَّيخ لأنَّه غيَّر معاملته تجاهي أيضًا ، لطالمَا كان وفِيًّا لوالدَيَّ و لكنَّه أصبح في صفِّ ألفريدو اللعين الآن... صففت شعْرِي الأصهبَ بمشبَكٍ لؤلؤيٍّ و إرتديتُ ثوبًا صيفيًّا بزرقة السَّماء الصَّافية ثمَّ إلتحقت بالطَّابق العلويِّ حيثُ يُقدَّم الإفطار... قَاعة الإفطار كلاسيكيَّة حيثُ إزدانت الجدران بزخارفَ و لوحاتٍ رومانيَّة و إنتشرت الطاولات تعلوها بُسط بيضاء مُطرزة على الجوانب ، الكراسيّ مصفوفة و الزرابيُّ مبثوثة على الأرضيَّة كان ذلك الشَّيخ ملازِمًا لي كعادته لكنني لمحتُ ثنائيًّا يشاركانه المائدة ، تقدَّمت من مكان تواجدهم لألقي التَّحية كما يجدر بي أن أفعل بصفَتي فتاة من الطَّبقة الأرستقراطية... كان رجُلا متوسِّط الطول و ضخم البنيةِ ذو وجه مدوّر و أنفٍ مكوَّر و أسفلهما إفترد شاربان عريضانِ يرتدي ملابسَ حريرية مطرَّزة تكشف مدى ثرائه و عصا يتكؤ عليها ، بالقرب منه تقف زوجته واضعةً قبَّعة تغطِّي جزءًا من وجهها و فستَانًا فَاتحًا تعلوه نقوشٌ مزركشة جلستُ إلى مكانِي و شرعتُ بإرتشاف فنجانِ القهوة في حين بدأوا في الحديثِ في كلِّ ما هو مملٌّ و غير مهم بالنسبة لي " إذا أناستازيا ستنتقلين للعيش في جزيرة كابري..." نطقت السَّيدَة بإبتسامة فاترة و هي تناظرني بعيون حانية. زفرتُ بحدَّة فتذَكُّر ما ينتظرني من غمٍّ و نكدٍ يشعرني بالإختناق ثمَّ أجبتُ بإختزال " أجل... " " الكونت روسو هو أحد أسياد رومَا و هو صديقٌ قديمٌ للعائلة و تلك هي زوجته " تكَرَّم عليَّ مُرافقي بتعريف هذان اللذان يشاركانني الطَّعام دون أن أعرف هويَّتهما حتَّى فأومأت لهما بإبتسامة مصطنعة و واصلت تناول إفطاري بهدوء بيد أنهما كانا مصممين على إفساد مزاجي " ألفريدو سيُعاملك تمَامًا كإبنته أنا أعرف صديقي جيِّدًا..." أبعدت الفنجانَ عن شِفَاهي و شَحذتُه بنظَراتٍ حاقدَة ثمَّ أجبتُ بنبرة جَافَّة كريَاح الخريف جرَّدته من تلك الإبتسامة العفوية التي كانت مرتسمة على شفتيه الغليظتين " شكرا لكَ أنا أناستازيا فيراري إبنة الكونت أنطونيو. لقد واريتُ والدي التُّراب و لا أحتاج بديلًا له" نظر إليَّ كلاهما بإستهجانٍ ، من ذا الذي يتجرّأ على إجابة واحد من أهم الأعيان بهذه الطريقة الفظَّة. " آنستي ماذا دهاك ؟ " تكلَّم مرافقي في شئ من الخجل فقد بدى غيرَ راضٍ عمَّا وجَّهته من كلامٍ للكونت روسو فصرختُ مطنبَة في التَّعبير عن إستيائي من تفكيرهم المتخلّف " ألم تسمع ما قاله للتَّو لا أحد يستطيعُ تعويض مكانة والديّ " رمقتني زوجته بإمتعَاضٍ ثمَّ أمطرتني بوابلٍ من الكلمات اللَّاذعة و قد تغيَّرت ملامحها جذريًّا " يبدو أنّك فقدت أخلاقك مع والد*ك و يجب على عمِّك ألفريدو تعليمك الأصول من جديد" ضربتُ الطَّاولة بعنفٍ حتَّى فاضت الكؤوس بما فيها و إرتجفت ثمَّ صرخت " الشَّخص الذي إستحوذ على ممتلكات عائلتي بعد وفاتهم لا يمكن أن أعدّه عمِّي... ما الذي أصابكم ؟ لماذا أصبحت ضمائركم ضريرة لا تبصِر الحقيقة " أنهيتُ كلامِي لأغادِر المجلِس و قد لَفّت العبراتُ حول عُنقي حبْلَ المشنقة و ما فتئت تخنقنِي كلَّ حينٍ... لم أكد أمضي بضْعَ خطوات إلى الأمام حتَّى كبَّلتني يدُ أحدِهم و منعتني من الحَراكِ. تَفرَّست ملامحَ هذا المنتَهِك فبَدت لي مألوفة ، نعم! هو نفسُه الو*د الذِّي تظَاهر بالبُطولةِ عندما أنقذني من شفا الموتِ حاولت التَّملّص من قبضته بيدَ أنَّه كانَ جسُورًا لا يتزعزعُ، جرَّني خلفه بعتُلٍّ و قَسوَة و جعلني أمثل عنوة أمَامَ الملأ الذين هجرتهم و قال باتزان " إعتذري..." نظرتُ له بعيونٍ غَير مُصَدّقة و قد فُغِر فاهِي ، لا أصدِّق أنَّه سيُجبرني على المسَاسِ بكرامتي " لن أفعَل ، ما قُلتُه هو الصَّواب بعينهِ... " رجَّني بخفَّة لكن ذلك كان كفيلا بإحداث زلزالٍ في كاملِ جسدي نَظَرًا لبنيتي الهزِيلة " قُلتُ إعتَذِري ، لا يَجدُر بفتيَات الطَّبقة النَّبيلة التَّفوه بكلامٍ كهذا خصوصًا أمامَ كبَار البلَاد " شعَرتُ بآلام في مفَاصل رسغي إنكمشت لوقعها عينَاي فقلتُ محاولة عدَم إظهار الألم له " آسفة" قُلت بصوتٍ شبهِ مسمُوعٍ فزَاد ذلك الطِّين بلّة و حثَّه على تمريغ كبريائي في التراب " بصوتٍ أعلى... " وددت لو ألكم هذا الحقير المنتصبَ أمَامي ، يستغلّ قوته ضدَّ فتاة بنِصف عمره و يحشر أنفه في أمور لا تعنيه ، من يكون حتَّى يملي عليَّ ما يجدر بي فعله ؟ ذقتُ ذرعًا به فقلتُ بنبرة حادَّة عالية علّي أتخلص من مظهر الشُّؤم هذا. " أنا أسفة سيِّد روسو... " نظرتُ إلى قبضته المحكمَة و قلت بإنزعاج واضح "ها قد إعتذرت أتركني ، بدى و كأنَّ الأمر أعجبك..." أفلتني فمررت يدي برفق على مكان تقييده لي حيثُ إحتقن الدّم و تلوّنت بشرتي الشَّاحبة بالحمرة و بينما كنت أتفقد يدي و أجمع أشلاء كرامتي التي بعثرها أرضا سمعت مقطتفات من محادثتهما المملة " أنا اللاندغراف جيون جونغكوك..." " شرفٌ لي أن أقابلك لقد سمعت عنكَ كثيرًا ، الكونت روسو..." إنتهى لقاءهما الفاشل بمصافحة منافقة بين الأثرياء في حين غادرت المكان مسرعة ، وجدت نفسي عندَ السَّطح و قد كَان المكَان فارِغًا أطلقت العنَان لرغبَتِي المُلحَّة في البُكَاء... لم أكن أريد أن أظهِر ضعفِي لهمْ رغمَ أننِي كنت أتدَاعى للإنهيارِ حين أجبرنِي اللاندغراف على الإعتذار أمام الجمُوعِ... كنتُ أبكي بحرقَة حين سمعتُ صوتًا رجوليًّا بقربِي " مَا بكِ تبكين أيتها الطِّفلة ؟" إلتفتُّ أمحو آثارَ دموعي ثمَّ نظرتُ ناحيتُه ، كانَ كهلاً يرتدي ثيَابًا رثَّة توحِي بأنَّه من الطبقة المُهمَّشة و يدَخِّن تبغًا رخيصًا "ما لَعنتُك أنت أيضًا ؟ " قُلتُ بوقاحة فنَفَث الدُّخان ثمَّ أجابَ بإبتسامة مقرفة " ثريَّة ، مدللة و وقِحة..." راقبتُ مظهره المخزي من رأسه إلى أخمص قدميه ثمَّ ألقيتُ بالكَلمِ متقززة منه " أغرب عن وجهي و عُد إلى جُحرك يا جرذ ، هذا الجزء من السَّفينة ليس لأمثالك... " مضغَ التبغ تحت أضرسه قبل أن يبصُقه في عمق البحر و قد كان ذلك مقرفًا بالنسبة لي مما جعلني لا أسيطر على ملامح وجهي التي أظهرت ما يجول بخاطري من إستنكار لتصرفه " صحيح هذا المكان لا يناسبني لكنني آتي إلى هنا لإصطياد الفتيات الثريات المدللات أمثالك... " أشحتُ ببصري عنه ناحية الأفقِ ثمَّ أجبتُ بإن**ار و أنا أعقد ساعديّ " أنت لا تعلم شيئا ، كونك ثريًّا لا يعني أنَّك سعيد..." ضحكَ بصوتٍ عالٍ مما أكد لي قذارته ثمَّ إقتربَ مني مقلِّصا المسافة المسموحة له " في ماذا قد تتمثَّل مشاكلُ فتاة ولدت و بفمها ملعقة ذهبيّة ؟" ضغطتُ على الزِّناد لأطلقَ من حدقتيَّ رَصاصاتٍ إخترقته ثمَّ إنسحبتُ بعيدًا عنه فواصل " أيًّا كان أنا لا أهتمُّ ، لكنني متأكد أنني قادر على مساعدتك إذا أردت ذلك ما عليك سوى أن تتواضعِي و تزُوري الطبقَة الثالثة... " رحَل بعد أن إنحنى بسَفالة و بقِيتُ أفكّر في عَرضِه هذا ،سأفعل أيَّ شيء للخروج من هذا الجحيم... لازمتني الفكرة طوال اليوم و أبت أن مفارقتي لذلك قررت أن أجرِّب حظِّي و أتحدث معه في الموضوع. و ما كان منِّي سوى أن أتنازل عن الرُّقي و الترف و أنزل إلى مستواهم المنحط. بعد تناول العشاء مع السيد جونز مرافقي تظاهرتُ بأنني مرهقة و أريد النَّوم ثمَّ تسللتُ خلسةً و ذهبتُ إلى قاعة فسيحة في الطَّابق الثَّالثِ ، لم أتعوَّد على مثل هذه الأجواء الصَّاخبة. موسيقى عالية تَصُمّ الآذان ، رقصٌ مبتذل و غيرُ متقنٍ إضَافة إلى إرتفاع أصوات الرجال و هم يلعبون الورقَ و يشربونَ... كنتُ أنظر حولي متَعجبة من هذه الفوضى التي لم أعهد لها مثِيلا من قبل و بينَ دهشتي العارمة لمَحتُ ذلك القَذرَ جالِسًا في إحدى الطَّاولات مرفُوقًا بشلَّة من المتشَرِّدين ، و هو بدوره لاحظني و أشار لي بالإلتحاق بمجلِسهم... تَقدّمت منهم على مَضض و قد كانت عيُونهم تنهَشني بجوعٍ شديد و شَهوَةٍ ، إجتنَابا لإمضَاء أكثر وقتٍ معهم أفصحتُ عن مبتغايَ فورًا و دون مقدِّمات " أريد العودَة إلى رُومَا... " رفَع أحد حاجبيه بصمتٍ فيما إنفجر الآخرون ضاحكين ، رفع أحدهم يده إلى ذقني و قال بينما يداعبني بقذارة " أوه أنظروا إلى هذه الطِّفلة الصَّغيرة تريد التَّمرد على قواعد عائلتها و الهرب... " ضربتُ يدهُ بخُشونة أبعدها عنِّي ثمَّ صرختُ بغلٍّ "لستُ طفلة ، أستطيع برهنة ذلك الآن... " جُلتُ بنظري فوق طاولتهم الفقيرة و لم أجد شيئا سوى إبريق الجُعة الرَّخيصة ، لم أكن أملكُ خِيَارا آخر لذا فقد حملتُه وسط ثورة غضبي و شربته كلَّه دُفعَة واحدَة... كانت تلكَ مرَّتي الأولى في الشُّرب فهم يمنَعونَ عليَّ ذلك قبلَ وصولي سنَّ الثامنة عشر ، طعمها كان فظِيعًا لكنني أُجبرت على إخفاءِ ذلكَ و تسَلَّحت بالقوّة لآخر لحظة. لوهلة خِلتُ أنني سأفقد الوعي لكنني تمَاسكتُ كي لا يُقللوا من شأنِي... نظروا إليَّ بإعجاب و قد فُغرت أفواههم فرَكَزتُ الإبريق بقوَّة على الطاولة أعلنُ إنتصاري ثمَّ قلتُ بصرامة بينما أناظر رئيسهم " أيُمكننَا الحديثُ على إنفرَادٍ ؟ " سرت ناحية إحدى الزَّوايا بعيدًا عن المجموعة كي لا يتسنَّى لهم إستراقُ السَّمع لمحادَثتنَا و هو لحِق بي " فور هبوطِي من على السَّفينة سيأخذونني إلى عَمِّي ، أريد الهرب و العودة إلى رومَا هل يمكنك فعل ذلك ؟ " سألتُ بلهفة و أنا أفركُ يديَّ بتوتر فأومأ بملامح مرتخية و كأن طلبي هذا لم يمثل مهمة صعبة بالنسبة له ثمَّ برمَ سبَّابته بإبهامه يطلُب منِّي أن أقدم له تصريحا عن كمّ النقود التي سأدفعها له " الأموال تحت تصرُّف السيّد جونز و لن يمنحني المال ما لم أخبره فيما أحتاجها ، هذه أوامر عمِّي..." " إذا سأكون مضطَرًّا لإلغَاء الصَّفقة... " قال ببساطة ثمَّ همَّ بالمغادرة بكل برود بيد أنني إستوقفته و عرضتُ عليه طريقة أخرى للدَّفع " لدَيَّ عقدٌ من الزّمرّد يمكنك بيعه سيَدر عليكَ أموالًا طائِلةً... " إبتسم بجانبيَّة و عيناه ترسلان شرارات من الخبث ثمَّ أعرب عن موافقته و واصل " لاقيني على سطح السَّفينة عند منتصَف الليل ، سأشرحُ لكِ العمَليَّة و ستدفَعين لي... " أومأتُ له برضَا فمدَّ يده بُغية المُصافحة ، لقد كانت غليظة ، قذرة تملأها الشقوقُ ممَّا أثار إشمئزازي و جعلني أتجاهله و أغادرُ المكان الفوضوِيَّ... خرجتُ من تلك القاعة و تن*دت بعمقٍ مغمِضة عينيَّ و فور فتحي لهما رأيتُ مرافقي جونز الذي كان يرمقني بإستغرابٍ ، توسَّعت عينَاي و حالما سمعتُ سؤاله أطلقتُ ساقاي للرّيح " آنستي الصَّغيرة ماذا تفعلين في مكانٍ كهذا... " ركضتُ هاربة منه قبل أن يُمسكني و يقومَ بإستجوابي بناء على أوامر ألفريدو الحقير و هو لحقَ بي ، أجزم أنَّ السبب في بقائِه حيًّا لعمُر يناهز السبعين عامًا هو الرِّياضة التي يقوم بها بفضلي فعلى الأقلِّ يركضُ خلفي ثلاث مَرَّات يوميًّا وهو ما حافَظ على رشاقته و مرونته حتَّى هذا السِّن... وجدت نفسي أقفُ في الممر المؤَدِّي إلى الأجنِحة الخاصَّة بطبقتنَا و بما أنَّني كنت مرتبكَة فقد واصلتُ الرَّكض إلى أن وحدت نفسي أقف في ممَرّ بنهاية مسدودة و أمامي بابُ غرفة وحيد ، .نظرتُ يمنة و يسرة و أنا ألهثُ و حال سَماعي لخطوات جونز تقتربُ من مكاني دخلتُ الجناحَ بدُون تفكير.. لحُسنِ حظِّي فقد كان الجناح فارغًا و لا أحدَ به ، سمعت جونز يقتربُ ، لم أجد مخبأً جيدًا لذا فقد داهمتُ الغرفة و سارعت بالإختباء تحت السرير و ما إن إختفَى صوته حتَّى إنقشعت غمامة الخوفُ عن قلبِي و قررت المغادرة قبل أن يتَفطَّن لوجودي أحدهم ، ما إن خرجْتُ من تحت السرير حتَّى سمعتُ صوت باب الجناح يُفتح مرفُوقًا بإيقاع خطوات غير متوازنة ممَّا أعطاني فكرة أنَّ الزَّائر ليس شخصًا واحدًا... إلتزمت الصَّمت و عدت إلى مكانِي و قد حوصِرت كفأرةٍ ، دخَلوا الغرفة و عندها ازداد اضطرابي و صعُبت عليّ مهمَّة الاختفاء "لمَاذا أنتِ مثيرَة إلى هذه الدَّرجة بِيلَّا... " نطق صوتٌ رُجولِيٌّ بنبرة مغرية و هو ما جعلني أفكر في هويَّته فقد بدى مألوفًا إرتفعت قهقهات مرافقته و أجابت تحاول إستدراجه " أنت لا تستطِيع مقاومتي عزيزي جونغكوك صحيح ؟ " عضضتُ على شفتي حال سمَاعي الإسمَ ، بالطَّبع ذلك المتطفِّل هذا هو صوته... لمَاذا يجبُ عليَّ أن أقع دائمًا في مواقِف حرجَة كهذه. من خلال الفتحة الصغيرة للسرير التي تسَرّب لي مقاطع مما يحدث خارجًا رأيتُ قطَع المَلبَس تهوي أرضًا ممَّا جعلني ألعن ألفريدو ألفَ مرَّة في الثَّانية إهتزَّ السرير فوقي فورَ دفعه لزوجتِه فأغمضتُ عينَيَّ أتمنى ألَّا يحدثَ ما يجُول بفكري ، لكنَّه حطَّم جميع أمانيَّ حين إعتلَاها هو الآخر و شرعَ في تقبيلها... أصواتُ إمتزاج شِفَاههم كانت تَصلني واضحَة ، لا أظن أنَّ الأمر قد يَسوءُ أكثر... شعرتُ بإهتزَاز السرير مرَّة أخرى فوقِي و كلّ ما كنتُ أخشاه هو أن يسقُط فوق رأسي ، و ما هي إلا ثواني حتَّى إرتفعت أصوات تأوُّهاتهم و أنينهم الفاحش... أغلقتُ أذنيَّ و جعلتُ أطلبُ من الرَّب أن يغفِر لي خطيئتي لكنّ المكان كان نجسًا لا يَصلح للدُّعاء و التَّكفير عن الذنوب... تواصل الأمر لمدَّة طويلة و بدأ صوتها يرتفع ليصبح أشبه بصرَاخِ ألمٍ و هو كان يزمجِر ب ***ة. دفعني ذلك للإشفاق عليها و لعنِ نفسي و حظِّي السئ الذي أسقطني في دار دعارة... كنت أحاول التغاضي عن الأمر لكن صوت إرتطام أجسادهما منعني من ذلكَ و أجبرني على تخيُّل المشاهد التي تحدث فوقي عنوة... أتساءل كم مرَّة يجدر بي زيارة الكنيسَة و المثول أمام الصَّليب المقدس كي يغفر لي الرّب و ماذا ستكون رَدّة فعل القِسّ حين أعترف له بتفاصيل ذنبي... تلاشى صوتها تدريجيًّا و بقي هو المهيمن على السَّاحة ، فهمسَ لاهثًا "تعبتِ بسُرعة بيلَّا ؟ " حسنًا بعد ما سمعته فأنا أعطيها وسَام الأبطال فقد صمدت لمدَّة طويلة ، مُقرف يبدو أنَّه عبد للشهوات بقيتُ أنتظر إختفاء صوته هو الآخر علَّني أستطيع التسلل و الهرب من هذا الجحيم. مرَّت ساعة تقريبًا و لم يصدُر لكلاهما صوتٌ لذلك فقد خرجْتُ من الأسفل بهدوء ثمَّ غادرت الغرفة أمشي بخطى خرسَاء... حين وجدت نفسي خارج الغرفة تنفَّست الصُّعداء و حمدت الرَّب على إنقاذي من إحتجاز دام طويلا ، لم تسعني الفرحَة فقد شعرت بنقرٍ على كتفي و لأول مرة في حياتي أتمنى أن تكون الأشباح حقيقيَّة رفعتُ مستوى بصري لأرى اللاندغراف يقف خلفِي ، شعره ملبد بالعرق على جبينه و عيناه تتقدان غضَبًا و حِقدًا " ماذا كنت تفعلين تحتَ سريري ؟ " إبتسمت في شئ من الرُّعب و قلتُ قبل أن أعاود الهربَ " صدِّقني لا أريد أن أجرّب شُعور بيلَّا... " يبدو أنه أسرع من جونز بكثيرٍ فقد كانت كلماته المتوعدة قريبة من أذني ، خوفي من أن يتم معاقبتي من قبله جعلني أرفع ثوبي كاشفة عن ساقاي كي أستطيع زيادة سُرعتي... حين وصلت إلى الممر حيثُ تتواجد غرفتي كان هو بعيدا عني قليلا لذا فقد دلفت غرفتي دون أن يراني. كان قلبي ينبضُ بجنونٍ و قد بدأت آثار الثمالة تتضاعف بعد شربي لكمية كبيرة من الجعة الرَّخيصة التي تملأها الشوائب... بحثت في صندوق مجوهراتي عن العقد الذي وَعدت به ذلك الرَّجل و حالما وجدته دسسته بجيبي. ألصقت أذني بالباب و تأكدت من خلوّ الممر ثمَّ خرجتُ من الغرفة و صعدت إلى السَّطح ، كان البدر يتوسط السماء حالكة الظلمة و ينع** نوره على صفحات المياه فيزيده لمَعانا... لمحته ينتظرني جالسا على إحدى المقاعد الخشبية فإقتربت منه و هو فور رؤيتي أشعل إحدى سجائره و قال و قد إشتعلت عيناه ببريق مخيف " لو كان الزبون شخصًا آخر غيرك لما إنتظرته... " رفعت أحد حاجبيَّ ثمَّ تجاهلت كلامه و سألت بإهتمام " إشرح لي خُطّتك بسرعة فأنا محاصرة... " " حين نصل إلى ميناء جزيرة كابري ستجدين صديقي ينتظرك ، لا حاجة لمشاركتك في اللُّعبة فسنحرص على أن تظهر و كأنها عمليَّة إختطافٍ... " أومأت بتفهُّم ثم مددت يدي إلى جيبي لأخرج عقد الزُّمرد و أضعه بين كفيه ، حبَيبَاته اللامعة جعلته يذوب طمعا و جشعًا. كنت على وشك المغادرة لكنَّه لوى معصمي بحركة فجئية و جعلني أجلسُ بقربه ثمَّ همَس و قد خنقتني رائحة فمه النتِنة " يبدو أن جسدك ناضِجٌ... " في داخلي كنت مصممة على التنكيل به لكنني أضطررت إلى مسايرته في هذه التمثيلية المبتذلة و همستُ بمثل صوته و قد سددت منافذ الهواء إلى أنفي فقد سممتني رائحته المقرفة "بلى ، توَدّ التَّجربة... " أومأ سامِحًا ليده الآسنة بتحسس قدمي صعودًا إلى فخذي ، إستغلَّيت إنشغاله و تأثَّره و باغته بضربة قويَّة بين فخذيه ، إنكمش على نفسه من شدَّة الألم في حين سارعت بالهرب للمرة الثالثة على التوالي ، من المتعب أن تكون حياتي مليئة بالمغامرات " آمل أنَّك فقدت ذكورتك ، وداعًا و آسفة لأنني لم ألبّي رغبتك فلستُ بيلَّا... " صرخت بصوت مستفزّ مازجة إجابتي بضحكة ساخرة في حين تبعني هو بخطى متعثرة وهو يتوعّدني " سأمسك بك أيتها الع***ة ، لن تهربي منِّي... " إستدرت في أول منعطف إعترضني و قد كان هو بعيدا عني بضعة أمتارٍ ، إصطدمت بجسمٍ صلبٍ و يا ليتني لم أعرف صاحبه " اللعنَة! " تمتمت حال إبصاري جيون جونغكوك أمامي ، لماذا الحياة تصرّ على وضعي بين أيادي كهولٍ فاسدين " أمسكت بك أيتها الجاسوسة المنحرفة... " همسَ بإبتسامة مخيفة فزفرت بحدَّة قبل أن أجيب و أنا أنظر خلفي " ليسَ وقتك الآن ، رجَاء تهافتوا عليّ بنظام... أولا يجب عليَّ أن أحل مشكلتي مع ذلك المنحرف ثمّ سأعود إليك لا تقلق... إلهي إن أمسك بي فسيغتصبني بلا رحمة... " "من ؟ " سأل بحيرة عندها لاحت لي هيئته المرعبة في الظلام ، إحتميت بظهر اللاندغراف الذي حجب عنّي رؤية ذلك المتشرد لكنني إسترقت النظر فرأيته يحمل سكينا حادة لمعت أطرافها الفولاذية تحت ضوء القمر... " تعالي صغيرتي! " قال بصوت خشنٍ مخيفٍ فإرتعشَ كلّ جسدي و إرتعبت من القادم لذلك تمسكت بجيون جونغكوك و كوَّرت قماش قميصه بين قبضتي في توتر  
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD