الفصل الأول
*الفصل الاول
كان الظلام أشد حلكة هذه الليلة عن ما قبلها حين خرجت المرأة من بيتها الذى يقع بتلك المنطقة الشعبية، بعدما لفت جسدها بعبائة سوداء كلون الوشاح الذى تضعه على راسها وتخفى بأحد أطرافه جزء كبيرا من وجهها.
كانت ترتدى في قدمها حذاء يص*ر صوت مزعج يشق السكون من جراء احتكاكه بالأرض أثناء سيرها في الطريق المظلم الذى يخلو من المارة.
أشتدت الريح عواءً حين دلفت داخل الطريق الذى يؤدى إلى المقابر التي تقع وراء المسجد الكبير الذى يضم أحد الأضرحة، وحين وصلت أعتاب المقابر بظلمتها ووحشتها المقبضة رفعت كفها تشير لأحدهم وهى تتلفت حولها بحذر.
ركض الرجل نحوها وهو يتلفت حوله هو الاخر فكشفت المرأة عن جزء من وجهها واقتربت منه في ريبة وهى تقول بصوت خافت: عايزة ادخل لسيدنا يا ف*ج. قوله إنى جبت المطلوب.
تلفت ف*ج حوله بريبة وعاد ينظر لها بخبث وأمرها ان تتبعه وتخطو ورائه إلى غرفة تقع في وسط القبور.
طرق ف*ج الباب عدة طرقات قبل أن يدفع الباب برفق لينفتح ويأمر المرأة بالدخول .
دلفت المرأة إلى الغرفة لتجد رجل أخر بالداخل وهو ما تدعوه بسيدنا.
وقفت المرأة امام الرجل الذى يجلس في منتصف الغرفة امام طاوله يضع عليها إناء فخاري يشعل به النيران ويقذف بها حفنات من البخور لتتوهج بين الفينه والاخرى ..
رفع الرجل رأسه لها وامرها ان تجلس امامه ،فجلست المرأة وهى ترتجف وتتلفت حولها بقلق ومدت يدها تفتح حقيبتها الصغيرة واخرجت منها بضعه مناديل وقطع من الأقمشة وهى تقول له بتلعثم: انا جبتلك أترها زي ما طلبت ......
مد الرجل يده امامها برعونة فالتقطتها سريعا تقبلها بخشيه ورفعت كفها المرتعش تحمل الاشياء وتضعها امامه وهى تقول له : انا قولتلك المره اللى فاتت عايزه ايه ... المره دى مش زى كل مره ....المره دى عيزاك تخلصنى منها خالص....
ضحك الرجل بشيطانيه ومكر ورفع يده يحك أسنانه الممتقعة بالصفار بأظافره القذرة وهو يقول لها : بس ده هيكلف كتير المرة دى.....
أخرجت المرأة لفافه من النقود لتضعها امامه وهى تقول له : تحت امرك.....بس ريح قلبي ...
التقط الرجل النقود يتفحصها و يتشممها بنهم وهو يقول لها : اهو كده نشتغل بجد.....
والتفت يحدث ف*ج الذى يقف ينظر للنقود بشراهة وقال له بلهجه امره: يالا عشان نبدأ الشغل ......
اخرج ف*ج لفافه سوداء بها قطعه دهن حيواني كبيره واعطاها للرجل الذى بدء يكتب فوقها إحدى الطلاسم والتعاويذ بدماء نجسه ثم رشق بها الكثير من الأبر والشفرات الحاده وقام بلفها بعد ذلك بالأقمشة التى جلبتها المرأة ثم أعطاها لف*ج وهو يقول له بلهجه امره: إنزل أدفن دى دلوقت......
التقط ف*ج اللفافة بيده وظل يقف يحك شعره بأظافره فضحك الرجل ونظر للمرأة نظره ذات مغزى ،ففتحت المرأة حقيبتها واخرجت ورقه نقديه وضعتها بيد ف*ج وهى تقول له بغيظ: هو انا هخلص منك ابدا...بس يالا عشان خاطر سيدنا....المهم يجي بفائدة
ضحك الرجل وهو يقول لها بشر متقد: مش عايزك تقلقى...وقت ما تخلص وتدوب الدهنه دى... هى كمان هتخلص وتدوب ....بس ليا الحلاوه وقتها.....
خرج ف*ج يخطو بين شواهد القبور التي تنتصب فى الظلام تزيد المكان رهبه ووقف امام احد القبور التي دلف داخلها بعدما قام بفتحها وقام بدفن اللفافة بجوار احد الموتى ثم خرج وقام بغلق القبر مره اخرى، ووقف ينظر للمرأة برغبه وهى تخرج من الغرفة وتبتعد وسط الظلام وهو يقول لها مداعبا: مش عايزاك تروح وتنسانا يا جميل..ابقى طل.
أشرقت شمس الصباح تنير الكون وترسل أشعتها تجبر سكان الحى على النهوض ليسعوا إلى أعمالهم .
تسلل ضوء الشمس يقتحم عينيها دون استئذان عندما فتحت أمها نافذه الغرفة وهى تنادى عليها وتقول بحنان: قومى يا قلب أمك ......هتتأخرى على شغلك...
تململت جميله فى **ل ونهضت عن الفراش وهى تتثاءب وتقول لامها وهى مازالت مغمضة العينين : خلاص يا ماما صحيت ....هدخل الحمام والبس بسرعه وانزل..
نظرت جميله إلى الساعة المعلقة على الحائط وهى تفرك عينيها الناعستان فانتفضت عندما وجدتها قد تجاوزت التاسعة بدقائق والتفتت تحدث امها بلوم وهى تركض نحو الحمام لتغتسل وتقول : الساعة تسعه يا ماما....ليه مصحتنيش من بدرى ....اهو دلوقت الحاج سيد هيسمعنى كلمتين...
ردت امها بحنان لتقول لها : انا قولت اسيبك تريحي جسمك شويه يا بنتى....إن شاء الله تلحقى....
دلفت جميله إلى الحمام تهيل الماء على وجهها وخرجت إلى غرفتها ترتدى ملابسها على عجل ،ووقفت أمام المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار تنظر لوجهها المستدير الذى يضوى كضوء القمر وهى تتفحص عينيها العسليتين التي تشبه أقداح الخمر سحرا ،واخرجت من حقيبتها طلاء شفاه وضعت منه على شفتاها المستديرة التي تكتظ بحمره طبيعية لم يضيف الطلاء لها شيئا ،ووقفت تنظر لجمالها بزهو أنثى تعلم كم هي جميله ؟!..فلا احد بحيها يضاهيها جمالآ وحسنآ فهى جميله حقآ وكأنها اقتنصت من الرزق ما يشبه أسمها .
جاء صوت امها من ورائها تتنحنح عن قصد بعدما انهت صلاتها، فأخرجت جميله منديلآ من حقيبتها سريعآ ازالت به الطلاء سريعآ وهى تضحك بدلال وتحدث امها وتقول : إيه يا ماما ...ما كل البنات بتحط ...اديني شيلته اهو..
ابتسمت امها وهى تقول لها : ومين فى البنات فى جمالك يا بنتى....إسم الله عليكي مش محتاجه حاجه ...مش عايزين اخوكى يجي يبهدلنا زى كل مره ....
ابتسمت جميله لها وهى تلتقط حجابها وتضعه سريعآ على رأسها وتعيد خصلات شعرها الحريري إلى داخل الحجاب وعادت تقبل امها وهى تقول لها وهى تشير إلى شفتاها : شيلته عشانك .....هو مش راجل غير وقت الزعيق بس...والتقطت حقيبتها وخرجت من البيت على عجل بعدما قبلت والدتها...
وصلت جميله وهى تهرول إلى دكان الادوات المكتبية التي تعمل به، ليمتقع وجهها وهى ترى الحاج سيد صاحب العمل وهو يقف امام بابه المغلق وينظر لها بحده، إقتربت منه جميله وهى تشيح بعينها بعيدا واخرجت المفاتيح من حقيبتها سريعا وانحنت تفتح القفل وهى تعتذر له وتقول: انا اسفه يا حاج .....راحت عليا نومه....
بادرها الحاج سيد بنبره متهكمه وهو يقول لها بحده: نوم العواف ياختى.....إيه يعني لما نستنى الهانم على ما تصحى من النوم وتيجي تفتح دكان اكل عيشنا..
فتحت جميلة باب الدكان ودلفت إلى الداخل ترتب بعض الاشياء وهى تتجاهل كلماته السمجة التي اعتادتها مؤخرآ بعدما بدا رفضها للمساته المختلسة لجسدها، وتركته يجلس امام الدكان يدخن أرجيلتة وينفث الدخان ليعبأ الاجواء حوله كالغيوم.
لم يمر الكثير من الوقت وبدأت المارة تتكاثر في طرقات الحى الشعبي وتعالت مكبرات مأذنة المساجد تعلن انه حان وقت صلاه الظهر ،نهض الحاج سيد عن مكانه واخبرها انه سيذهب ليؤدي صلاه ا****عة بالمسجد.
نظرت له جميله بتهكم وسخريه وهو يمضى بعيدا نحو المسجد الكبير ولكنها تجاهلته والتفت ترتب بعض الاوراق فوق الرفوف الخشبية المعلقة ورائها ..
انتزعها صوت رجل دلف إلى المحل يسأل عن الحاج سيد، فالتفت له جميله وما إن رأت ف*ج حارس المقابر يقف امامها وعينيه تقتحم جسدها في وقاحه ويتسأل عن مكان صاحب العمل ،أنقبض قلبها بشده لرؤيته وأشاحت بوجهها بعيدا تكمل ما تفعله،
عاد هو يعيد سؤاله عليها فالتفت له جميله تحدثه بامتعاض هي تقول له بجديه : راح يصلى وجاى....لو سمحت استناه بره. عشان بوضب المكان...
نظر لها ف*ج برغبه وهو يحك رأسه بأظافره القذرة وخرج بتباطء للخارج يختلس النظر لها من الحين للأخر وهو يقول : هروح وارجعله لما يرجع...ياجميل
انتهت الصلاة وعاد الحاج سيد يجلس بمكانه المعتاد أمام الدكان وهو يعبث بمسبحه تتدلى من بين اصابعه الغليظة ويحرك شفتاه بعبث وكأنه يذكر الله ،ولم تمر لحظات حتى عاد ف*ج مرة اخرى ووقف امامه يتناجيان بصوت خافت.
نهض الحاج سيد من مكانه ودلف إلى داخل الدكان وأقترب من المكان الذى تقف به جميلة وتعمد ان يلتصق بجسدها وهو يمد يده يفتح أحد ادراج المكتب الذى اخرج منه لفافه نقود ،وخرج من المحل يتلفت حوله وهو يضعها بيد ف*ج قائلا له بحذر : أمشى انت... وبليل هجيلك اشوف بعيني....
نظر ف*ج إلى النقود بشراهة سال لها ل**به ،ومضى وهو يقول للحاج سيد: هستناك....اطمن ياحاج مش اول مره هى..
بينما ألتف الحاج سيد يحدث جميله ويقول لها بحده : أنا هروح مشوار دقايق وراجع ......
أومأت جميله له بالإيجاب وتجاهلت نظراته الحاده لها وهى تكمل عملها وهو يلتف يمضى للخارج ،وعندما أبتعد أرتمت بجسدها المرهق على كرسي متهالك وهى تضع رأسها بضيق بين يديها ،وتمنى نفسها ان تترك هذا العمل سريعا لتتخلص من مضايقات هذا العجوز المتصابى لها .
فلو لم تكن بحاجه لبضعه القروش التي يضعها بيدها أخر كل شهر لتركته وتركت وقاحته ومضت، فهو لا يترك حينآ الا وحاول به اختلاس اللمسات المحرمة لجسدها وعندما فقد الامل معها بدأ يعاملها بصلافة وحدة..
انتفضت جميله بفزع عندما شعرت بيد تجذب يديها بغته فرفعت وجهها الممتقع وعيونها الجاحظة لترى عبده يقف امامها يضحك بشده..
حاولت ان تهدأ انفاسها المتلاحقة بشده وهى تضع يدها على ص*رها الذى يتهدج بانفعال وهى تقول له معاتبه: اخص عليك يا عبده وقعت قلبى....
اقترب منها عبده وهو ينظر لها بحب ويقول لها مداعبآ: لا كله اللى قلبك.....
ابتسمت جميله ولكظته بكفها في كتفه وهى تقول له : مش هتبطل حركاتك دى ....أمشى بسرعه للحاج يرجع ويشوفك....
أقترب منها عبده فى شوق وهو ينظر لشفتاها برغبه ويقول لها :خليه يجي .....محدش يقدر يكلمنى ...واحد وحشته حبيبته وجه يشوفها ....ثم مد يده يلتقط يديها ويجذبها نحوه...
انتفضت جميله بتوتر ودفعته بعيدا وهى تقول له : عبده انت اتجننت ....امشى بقى مش عايزه مشاكل...
ابتسم عبده وهو يقول لها : سيبك منه ميقدرش يتكلم...ثم انا مش قولتلك مش عايزك تفضلى هنا عند الراجل ده ....ده راجل سمعته زى الزفت.....
نظرت له جميله بسخرية وهى تقول له بتهكم: امرك يا سى عبده....هسيب الشغل واموت من الجوع انا وأمي.....
نظر لها عبده وقال لها بجديه: جميله....انا بتكلم بجد ...الراجل ده مش مضبوط ...والكل عارف انه شغله شمال....انا خايف عليكي ومش مرتاح لقعدته معاكى طول اليوم في المحل...
قالت له جميله بقله حيله: وهعمل ايه يعني كل الشغل كده ...ثم تن*دت وهى تقول ....ربنا يتوب علينا....
امتقع وجهها فجأة وهى تنظر نحو باب الدكان لتجد الحاج سيد يقف على اعتابه وينظر لهم بتهكم وهو يقول : اهلا وسهلا ......ما نقلبه كازينو احسن...عايز حاجه ياسى عبده...
نظر له عبده بحده وخطا نحوه وهو يستعرض بنيته القوية وعضلاته المفتولة وقال له بصلافة: تشكر يا حاج.....كنت بطمن بس...
أشاح الحاج سيد بنظره عن جسده العريض الذى حجب عنه الرؤية وهو يقول بتهكم : تسلم يا عبده ....لا اطمن يا خويا...
مضى عبده بعيدا وهو ينظر للحاج سيد بإزدراء ،بينما جميله تقف وهى تتلعثم خجلا من نظرات الحاج السيد لها وهو يقترب منها بعدما تأكد من ابتعاد عبده ويقول لها بوقاحه : ما انتى حلوه اهو.....ولا هو ناس وناس...وحاول ان يمد يده يتحسس جسدها، ولكن جميله انسحبت سريعا وهى تنظر نحو باب الدكان وهى تضحك بشماته وهى تقول : اهلا يا حاجه....اتفضلى واقفه ليه.
أمتقع وجه الحاج سيد وهو يلتفت نحو الباب ليرى زوجته تقف على أعتابه تكشر انيابها فى شر وتقول له بصوتها الرنان: عيزاك بره يا سبع الرجال......
استغلت جميله الموقف لصالحها فقالت له وهى تلتقط حقيبتها وتخرج : أستاذن انا يا حاج سيد.... امى مستنيانى اوديها للدكتور..
أزدرد الحاج سيد ريقه بصعوبة وهو يغض نظره عنها ويعبث بمسبحته ويقول لها بهدوء: روحي يا بنتى ....فى حفظ الله ....
خرجت جميله سريعا من المحل تخطو فى طريقها على عجل لتجد عبده ينتظرها على قارعه الطريق يستند على سيارة فضيه كما توقعت، وما ان رأها حتى خطى نحوها يهرول في خطواته. وينظر لها بلهفه...
أقترب عبده منها وهو يقول لها : إيه رجعك بدرى....اوعى يكون ضايقك...
قالت له جميله وهى تضحك : لا لا...متقلقش مراته بس كبست عليه...
ضحك عبده وقال لها : احسن...ابن حلال ويستاهل....ثم عاد ينظر لها بشوق وهو يقول لها : ما تيجي نتمشى شويه.....بقالنا كتير متكلمناش مع بعض ..انا موحشتكيش ولا ايه...
أحمرت وجنتيها خجلآ وأشاحت بعينيها بعيدآ وهى تقول له : أنت عارف انك واحشتنى..
تهلل وجه عبده بشده وقال لها بلهفه : طب يالاه مستنيه إيه...مش هأخرك صدقيني.
توترت جميله وهى تقول له بقلق : اخويا لو شافنى هيبهدل الدنيا ...وانت عارف ملوش شغله ولا مشغله وداير يلف المنطقة...
قال لها عبده يستجديها : متقلقيش انا معايا عربيه زبون بجربها .....هنلف بيها لفه سريعة بره المنطقه....وهرجعك قبل ميعادك كمان....
نظرت له جميله بقلق وهى حائره بين رغبتها فى قربه وبين خوفها من بطش اخيها، وبالنهاية استمعت لنداء قلبها وخطت نحو العربة وهى تبتسم له بسعادة وتقول له : بس اوعى تأخرني والنبي يا عبده الليل بدء يليل....وأمي هتقلق عليا....
أضاء وجه عبده بلهفه وهو يركض نحو باب السيارة يفتحه لها ويقول لها : امرك يا ست البنات ....
حل الليل يسدل أستاره المظلمة على الحى الذى بدء يقل المارة بين طرقاته .
أغلق الحاج سيد باب دكانه بعدما جاء له صبيه ومساعده الخفي خميس ومضى يقصد المقابر لمقا**ه ف*ج كما وعده سابقآ...
وصل الحاج سيد المقابر فأقترب عليه ف*ج مهللآ ومرحبآ واشار له ان يجلس على مصطبة أسمنتية على جانب الطريق بالقرب من غرفته التي دلف إليها يجلب بضع اكواب من الشاي..
وضع ف*ج اكواب الشاي امام الحاج سيد وهو يقول له : أشرب يا معلمنا شايك....وانا هروح انا وخميس نجبلك المطلوب.....
نظر له خميس بحده وجلس قرب الحاج سيد وقال له : حد الله ما انزل تانى معاك ....كفاية المرة اللى فاتت قطعت خلفى ...
ضحك ف*ج وهو ينظر للحاج سيد ويقول له بسخريه: مال صبيانك بقو خيخه اوى كده ليه يا معلم سيد ...
ضحك الحاج سيد وهو يرفع الكوب الى فمه يرتشف منه وقال لف*ج: خلصنا بقى يا فرج... خلينا نمشى من المكان الكرب ده .....انا مش عارف يا اخى انت بتنام هنا ازاى ..
ضحك ف*ج وهو يقول له وهو يمضى: دانا ميجليش نوم الا لما اكون دافنلى يجي جثتين تلاته.....
ومضى نحو المقابر بعدما التقط جوال فارغ من الخيش، ولم يمر الكثير من الوقت إلا وقد عاد مره اخرى وهو يحمل الجوال وقد ملئه بشيء ما.
أقترب ف*ج من الحاج سيد ووضع الجوال بين قدميه وفتحه وبدء يخرج منه الكثير من الجماجم اليابسة التي يتساقط منها حبات التراب ويقول للحاج سيد وهو يقلبها بين يديه : اهو شويه جماجم لوز ....هتعلى الصنف وتشعشع فى الدماغ....على فكره انا مد*ك شويه زياده المره دى ....دانت حبيبى يا حاج...
نظر له الحاج سيد بتأفف وهو يشير له ان يعيد الجماجم إلى الجوال وهو يقول بجزع : تشكر يا سى ف*ج .....بس اقفلها ياخويا ...حسب انا قلبى رهيف وبتلبش بسرعه ...
ثم التفت يحدث خميس ويقول له بجديه: خد الحاجه يا خميس وروح للرجالة ....عايزكم تبدأو شغل أنهارده ...كل الجماجم دى تتطحن انهارده كلها والصبح اخلطوها على الصنف الجديد قبل ما توزعوه.....يالا بالسلامه...
ألتقط خميس الجوال من يدى ف*ج وحمله ورحل بعيدآ، بينما نهض الحاج سيد ورائه سريعا وهو يقول لف*ج : أستأذن انا بقى عشان الحق أصلى العشا....ثم نهض ورحل يجوب الظلام مبتعدا عن منطقه المقابر...
منذ ان عادت وهى تجلس بغرفتها تحسس وردته التى اهداها لها وتتذكر حين توقف بالسيارة فجاه بجوار سيده تحمل الورود وجلب منها الوردة وعاد يعطيها لها وهو يطبع على وجنتيها قبله سريعة فى خلسه منها..
ابتسمت جميله ورفعت كفها تتحسس مكان القبلة وهى تتشمم الوردة بهيام كالم**رة..
أنتزعها صوت فتح مقبض الغرفة بعنف فخبأت الوردة بجوارها ورفعت وجهها تحدث اخيها بغضب وتقول : مش قولتلك مليون مره تخبط قبل ما تخش....
نظر لها طارق بعينيه الزائغة التي تتشح بحمره وتجاهل حديثها عندما رأى حقيبتها وتقدم يلتقط الحقيبة يفتش بها .
نهضت جميله من فراشها وتقدمت نحوه بغضب تنتزع منه الحقيبة وهى تقول له : اوعى كده سيب شنطتى....ريح نفسك مفيهاش فلوس..
قبض طارق على الحقيبة بقوه وبدء يفرغ محتوياتها وعندما لم يجد نقودا بها ألقها على الارض وقبض على مرفق اخته بعنف وقال لها بحده: أمال وديتي فلوسك فين يا بت...أحنا أول الشهر..
سحبت جميله مرفقها من يده وهى تتأوه من الالم وتفرك يدها مكان قبضته وهى تقول له باستهزاء :إحنا أخر الشهر لسه يا بيه....ما هو طول مانت بتاخد الزفت ده مش هتعرف اول الشهر من اخره....
نظر لها طارق ببلاها وهو يفرك رأسه وخرج من الغرفة وهو يقول لها : اه صحيح ....طب خلاص ارجعى اتخمدى....
عادت جميله إلى فراشها وهى تمسح دمعه سالت على وجنتيها واخرجت الوردة من مخبأها تضمها و تقبلها بشوق، وتحدث نفسها وتمنيها بأنه حتما سيأتي اليوم الذى يستطيع فيه عبده إقناع والده بالزواج منها وتأسيس بيت الزوجية الذى يعدها به منذ بلوغها مبلغ النساء فى هذا الحى الذى شهد نشأتهم فيه شبابا ولهوا فيه أطفالا...
وضعت جميله الوردة أسفل وسادتها وتركت عيونها تستلم للنوم الذى بدء يسرى فى رأسها كالخدر وحين انتصف الليل انتفضت من نومها يشده وهى تشعر بشخص ما يسحب الغطاء من فوق جسدها ،نهضت جميله وهى تنظر وتتلفت حولها بفزع وعيونها تكاد تخرج من مقلتيها حينما رأت نفسها داخل مكان حالك الظلام والفراش أسفلها تحول إلى أرض صلبه مفترشه بالتراب وحصى ،ظلت تركل بقدمها بزعر تحاول الحركة ولكنها شعرت وكأنها مكبله مكممه الفم ولا تستطيع حتى الصراخ.
مرت عليها لحظات ثقيلة مريره وهى تقبض بكفوفها على التراب حولها بشده وتحاول الحركة، حينها بدأت تتسلل إلى أنفها رائحه نتنة وظهر بصيص ضوء من فتحه أعلى السقف ينير المكان بضوء خافت.
تلفتت جميله حولها لتجحظ عيونها التي كادت أن تخرج من محجريهما من الفزع ،وذلك عندما رأت نفسها مسجاه داخل مقبره والجثث إلى جوارها تنظر لها بجحوظ مرعب .
صرخت جميله بشده وقد خرج صوتها هذه المرة يشق حنجرتها بفزع ،ولم تشعر إلا وأمها بجوارها على الفراش تربت على كتفها تحاول إيقاظها من النوم وهى تذكر اسم الله فى جزع..
انتفضت جميله من نومها وهى تتلفت حولها بزعر لتجد نفسها فى غرفتها على فراشها وامامها امها تنظر لها بجزع وتربت على كتفها بحنان وتقول لها : إسم الله عليكي يا حبيبتى .....انا قومت أصلى الفجر لقيتك بتصرخي .....
تن*دت جميله بجزع وص*رها يعلو ويهبط في انفعال واضح، ونهضت عن الفراش تحك عينها وكأنها لا تصدق أنها ما زالت بغرفتها وليس في هذا المكان الموحش...
هدأت جميله قليلا بعد لحظات وسكنت أنفاسها ونظرت لامها التى تنظر لها بقلق وقالت لها : انا كويسه يا أمى ....روحى انتى نامى..كان كابوس .....
نهضت امها عن مكانها وهى تقول لها : انا لسه هصلى قومى انتى كمان ....اتوضى وصلى معايا...
خطت جميله نحو الحمام تتوضأ بتثاقل وعادت تقف جوار أمها على سجاده الصلاة ومازال جسدها يرتجف لما مرت به..
انهت جميله صلاتها والتفتت تحدث أمها وهى تقول لها بقلق: ماما .....تعالى نامى جمبى الليله....
رفعت أمها كفها تتحسس وجهها بحنان وبدأت تردد بعض أيات الذكر الحكيم وعندما انتهت ابتسمت لها وهى تقول : حاضر يا حبيبتى....هنام جمبك..
نهضت الام تخطو إلى جوار جميله إلى الغرفه وعندما جلست على الفراش نظرت له بتعجب والتفت تحدث جميله وتقول : إيه يا جميله التراب ده ....مش تنفضى سريرك قبل ما تنامى يا بنتى....ليكي حق يجيلك كوابيس....
خطت جميله نحو الفراش تنظر للتراب وتنفضه بدهشه وهى تقول لها : ولله يا ماما كان نضيف ....انا اول مره اشوف التراب ده....
أشرق الصباح معلنا بداية يوم جديد، ولكنه لم يتسلل إلى أذنه أصوات العصافير التي تشدو بالخارج توقظ النيام بل أقتحم صوت أبيه الجهوري أذنه كي يوقظه وهو يقف فوق رأسه ينظر له بغلظه..
أنتفض عبده من نومه بفزع ونهض عن فراشه وهو يحك شعره بيده وينظر لأبيه المستشيط غضبا ويقول له بضجر في ايه يا ابا حد يصحى حد كده .....
أقترب ابيه منه فى انفعال وهو يشير إلى الساعة ويقول بغضب: الضهر أذن وجنابك لسه مخمود...والورشة مقفولة....بلاش نشوف شغلنا ...وناكل طوب احنا.....ملعون ابو المرض إلى حوجنا لعيل زيك....
نظر له عبده بحده وحاول ان يتمالك أعصابه وعاد يقول له :فى ايه يا ابا..ما لشغل ماشى زى الفل...والورشه زادت زبائنها اكتر من الاول....هو حرام اريح جتتى شويه ...
ثم خطا نحو الأريكة الملقى عليها بضع قطع الثياب ومد يده يلتقط قميصه وهو يقول لأبيه بامتعاض: أهو يابا ...سيبهالك وماشى...
ثم ارتدى قميصه على عجل وخرج من الشقة وهو يسمع ابيه يقول له بصوته الجهوري: طريق السلامة يا اخويا...
يتبع