-أبوك لسه مشفهاش وحاله أنقلب كده اومال لما تقعد شوية إيه اللي هيحصل، آه يا خوفي تبقى زي أبوها وميجيش من وراها غير الأذى، وبعدين البيت مليان شباب وكلهم عزاب تقدر تقولي هيحصل إيه لما تقعد معاهم هنا ويا خوفي لو البت حلوة.
سرعان ما أتسعت عيناها وتوقف عقلها عند تلك النقطة فنظرت له بأعين جاحظة وقالت بذعر:
-حلوة إيه ما أكيد حلوة هتطلع وحشه لمين لا لا أنا قلبي مش مطمن يا محمود.
أحتدت عين محمود وقال بصرامة وحدة محافظًا على أن يكون صوته منخفضًا مماثل لصوت زوجته حتى لا تصل كلماته لوالده و خديجة:
-أنتِ مش ناوية تجبيها البر مش كدة...أخرسي وحطي ل**نك في بوقك ومتسمعنيش كلامك اللي زي السم ده تاني، أنتِ سامعة ولا لا، البنت تبقى بنت عمتهم يعني مش غريبة، وهتعيش مع أمها، إيه نطردها عشان سعادتك ترتاحي.
جزت على أسنانها وقالت بأبتسامة مزيفة رغم ما يعتريها من مشاعر سوداء، رامقة خديجة بغيرة:
-لا متطرودهاش يا محمود ومش هتكلم أديني سكت بس لما الفأس تقع في الرأس ابقى افتكر أني حذرتك.
وعلى الجانب الآخر كان ثلاث من شباب العائلة يجلسون جوار بعضهم فـ كان أيهم والذي يصغر سليم بسنة واحدة، طويل القامة، قمحي البشرة، أعين عسلية، جسد متوسط ليس برياضي لكنه جذاب، طبيب أسنان ويملك عيادته الخاصة بأحدى المناطق الراقية، أقرب صديق لسليم.
يجلس واضعًا قدم فوق الآخرى ينظر بساعته بملل وضيق فـ مال قليلًا تجاه سليم وقال بخفوت:
-وبعدين يا سليم، جدك هيفضل مذنبنا هنا ولا إيه أنا عندي شغل و زهقت بصراحة.
تهكم وجه سليم وقال بغموض مراقبًا لهفة صابر للقياها بغيرة وحقد شديدة:
-معلش.
أغتاظ أيهم من رده فتأفف ورمق مروان الذي يجلس جواره من الجهه الآخرى والذي كان يعبث بهاتفه يحادث أحدى الفتيات والأبتسامة على وجهه، فهو في السادسة والعشرون من عُمره، عاشقًا للنساء، ذات جسد رياضي، طويل القامة، ذو خصلات طويلة، ولحية بسيطة، عيناه بلون القهوة.
خرج صوت إياس منفعلًا بعد أن رأى ما يفعله من أحاديث غير بريئة:
-أرحم نفسك شوية أربعة وعشرين ساعه بنات إيه مبتتهدش.
أبتسم مروان بعبث واجابه دون أن يرفع عيناه عن هاتفه:
-لا مبتهدش إيه رأيك أعرفك على واحدة منهم واهو تفك شوية كدة بدل ما أنت قفل يا دوك وبعدين أنت بتكلمني أنا ما تشوف سليم اللي هيتجوز من ورا جدك آه لو جدك عرف أنه كتب كتابة الليلة لا و على مين أحلام اللي جدك يطيق العما و ميطقهاش يعن
لكزه أيهم بعصبية متمتم بخفوت مقاطعًا حديثه:
-أخرس يخربيتك لجدك يسمعك ونروح في خبر كان، وبعدين متخليش سليم يسمعك لحسن مش طايقك أنت وبسام من ساعة ما سمعتوه وهو بيقولنا على كتب الكتاب، هو أصلًا مكنش ناوي يعرفكم.
-لية بقى إن شاء الله مش ولاد عمه يعني ولا مش ولاد عمه أحنا كمان ولا أنت وإياس ابن البطة البيضا وأنا وهو ولاد البطة السودا.
-لا يا ناصح بس عشان علاقته هو واخوك مش مضبوطة والاتنين يطيقوا العما وميطقوش بعض.
بينما على الأريكة الآخرى كان آدم أصغر أبناء محمود والذي يبلغ السابعة عشر عامًا، فى مرحلتة الأخيرة من الثانوية العامة، مجتهد بدراستة، ومرح مثل شقيقته، يجلس جوارها هى وإياس متأففون بضجر لا يتحملون جلوسهم ذاك يتبادلون الأنظار.
أما بسام الذي كان يجلس على احدى المقاعد رامقًا سليم من حين لآخر بمكر، فهو يغار منه وبشدة لمعرفته بحب صابر له، كما أنه لا يراه يستحق كل ذاك الحب، ذو تسعة وعشرون عامًا يتميز ببحة صوته المميزة، وسيم لأقصى درجة يشبة شقيقة مروان، أقترب من جده وعمته الملتهفين للقائها، وقف بجوارهم مطمئنًا إياهم.
-زمانهم على وصول متقلقوش.
أصطفت سيارة المحامي أمام الباب فأتسع ثغر خديجة ببسمة واسعة وبدأ ص*رها يعلو ويهبط بقوة، تنتظر ترجل ابنتها من السيارة، شاعرة بتلك اللحظة أن قدميها لا تحملها، أما صابر أزدادت خفقاته تدريجيًا فأغمض عيناه محاولًا أستجماع قوته التي بدأت بالأنهيار رويدًا رويدًا.
تن*د بسام براحة مشيرًا تجاه السيارة:
-أهم وصلوا.
ترجلت حفيدته صاحبة الاثنين وعشرون عام من السيارة وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على ظهرها تتمايل مع حركاتها، نزعت النظارة الشمسية التي تحجب عن عيناها السوداء الواسعة وأهدابها الطويلة ضوء الشمس طالعت القصر بنظرة عميقة اختلفت من خلالها مشاعرها، وقف بجوارها المحامي الذي ترجل أيضًا وأبتسم لها بخفة مشجعًا إياها على الأقدام تجاه باب القصر فتمتمت بخفوت قبل أن تخطي أي خطوة رامقة إياه بنظرة خاطفة:
-فلوسك جاهزة يا متر مش عارفة من غير مساعدتك والتقرير المزور اللي بيقول أني حفيده عيلة الحلواني كنت عملت إيه!؟
اتسعت ابتسامة المحامي تدريجيًا مجيبًا عليها.
لم تسمتع بما تفوه به، منشغلة بالتطلع للقصر مرة أخرى بأعين سوداء قاتمة، خطت خطوتان والمحامي خلفها وما كادت تخطي الثالثة حتى لمحت سيارة سوداء علمتها جيدًا، أزدادت قتامة وجهها وتابعت سيرها.
طرق الباب ففتحت الخادمة التي كانت تقف على مقربة من الباب، ولج المحامي وهى برفقته عيناها تبحث عنهم.
ألتفت الجميع عدا خديجة وصابر حتى يروها فصُدم البعض وصاحت مهرة مشيرة تجاها بصدمة:
-أفنان عبدالله!!!!!! اليوتيوبر المعروفة تبقى روفان بنت عمتي معقولة.
ألتفتت خديجة ببطء بعيناها الحمراء وجسدها المرتجف فوقعت عيناها عليها أولًا، فأزدادت دموعها تدريجيًا وهى تراها تقف أمامها، واضعة كلتا يديها على فمها بعدم تصديق، أستدار صابر هو الأخر رامقًا إياها واقفًا جوار ابنته وبدأت العبرات تتجمع بمقلتيه.
بدأت بالأقتراب منها لا تشعر بشئ ولا ترى أحد سواها، ترغب بضمها لص*رها، واستنشاق رائحتها.
وقفت أمامها بوجهها المنكمش الباكي وقالت بصوت يفطر القلوب جعلت البعض يتأثرون بها، محاوطة وجهها بين يديها لا تصدق أنها تلمسها:
-روفان حبيبتي، أنا مش مصدقة أنك عايشة وأني قدرت ألقيكي، وأنك واقفة قدامي، أستنيت اللحظة دي كتير...كتير أووووي وكنت خايف أموت قبل ما شوفك، بس الحمدلله ربنا جمعني بيكي أنا أنا
لم تكمل جملتها ضاممة إياها لأحضانها، فظلت ملتزمة ال**ت تكبت مشاعرها السوداء وتلك الرجفة التي سارت بجسدها نتيحة أحتضانها لها، وترددت كثيرًا برفع يداها ومبادلتها عناقها الطويل حتى لا تثير الشكوك وبالأخير قررت فعلتها مجبرة مطوقة إياها بذراعيها.
رفعت عيناها الكارهة حادقة بصابر الباكي من خلفهم أولًا ثم عقبه شباب العائلة بنظرات غامضة لاح بها بعض من الحيرة كأنها تبحث عن ضالتها سليم...إياس..مروان...بسام...أيهم...
أرتفع جانب فم سليم متفحصًا هيئتها وملابسها السوداء والتي تخفي جسدها بأكمله فهمس مروان بجوار أذنيه:
-جاااامدة وبعشق الفيديوهات بتاعتها، بس مش عارف هدومها بقت مقفلة كدة لية دي مكنتش كدة، وبعدين بقالها فترة منزلتش فيديوهات ومختفية.
أجابه سليم بتهكم وسخرية وعيناه تتقابل مع عيناها السوداء بنظرة سريعة:
-هدومها بس اللي مقفلة!
همس مروان مرة آخرى حادقًا به:
-آه هدومها بس دي زي العسل في الفيديوهات بتاعتها و بعدين البنات بيحبوها أوي و الرجالة كمان وحياتك.
أطلق ضحكة خافته عقب انهاء حديثه، جعلت سليم يتآفف بضجر يشعر بالملل من تلك الأجواء مقلبًا عيناه بضيق، فصاح مروان:
-يا نمس بلاش الوش ده، ده أنت كتب كتابك أنهاردة، عايزك تبقى أسد بقى و ترفع رأس عيلة الحلواني، وإلا والله هنتبرى منك، كله إلا سمعة العيلة.
جز سليم على اسنانه و تمتم بانفعال:
-انا مش هرفع رأس العيلة أنا هرفع رجلي و هشوطك شوطة تقلبك واحدة ست يا مروان الكلب أنتَ.
تهجمت ملامح مروان ولوح بيديه بالهواء متمتمًا ببعض الكلمات الغير مفهمومه مبتعدًا عن سليم مقتربًا من تلك الفاتنة التي كان لا يراها سوى على مواقع التواصل الأجتماعي.
وقف قبالتهم بعدما أخرجتها خديجة من أحضانها و يديها تحاوطها و عيناها لا تفارقها.
-بعد إذنك يا عمتي تسمحيلي ارحب بـ بنت عمتي.
رفع يديه بحركة جريئة حتى يمسك بيديها ويقبلها مرحبًا بها و بعودتها، لكن ما حدث فاجئ الجميع.
فما أن لمست يديه يديها حتى نفضت يديها بقوة وتبدلت ملامحها بملامح احتاروا بتمييزها...أهى خوف، غضب، أم كلاهما معًا...
ازدردت ريقها و حاولت تهدئة انفاسها المتسارعة بين ثنايا قلبها، بينما قال مروان مبررًا فعلته حادقًا بها تارة و بـ خديجة وصابر الذي غضب لأخافته إياها تارة أخرى.
-أنا آسف لو خوفتك انا بس كنت حابب اسلم عليكي.
أندفعت مهرة التي خرجت من صدمتها برؤيتها امامها فلطالما كانت تحبها و تتمنى رؤيتها مردفة بمرحها المعتاد:
-أنا مهرة بنت خالك محمود و بجد بجد مبسوطة اوي انك طلعتي قريبتي أنا بحبك اوي و مبسبش فيديو ليكي إلا و بشوفة.
ابتسمت لها أفنان بأمتنان على حديثها، ثم تقدم صابر منها متن*دًا بسعادة ضاممًا إياها بأشتياق جارف لم يقل شئ عن خديجة، انتفض جسدها بين يديه، لكن ليس بيديها شئ فإذا أرادت تحقيق انتقامها عليها الرضوخ لهم وتقديم بعض التضحيات حتى لا تثير شكوكهم.
كذلك تقدم محمود ومحمد و عبدالرحمن رفقة زوجاتهم المتذمرات من ذلك الوضع و رحبوا بها مجبرين، رفع محمود يديه معلقًا إياها بالهواء مكتفيًا بذاك السلام وبابتسامة بسيطة على محياه:
-أهلا بيكي، ونورتي عيلتنا الكبيرة.
تعلقت عيناها بيديه المعلقة و رفعت يديها مبادلة إياه سلامه دون تردد ملتزمة ال**ت حتى الآن، صوتها لا يسعفها على الحديث.
أما بسام اقترب منها هو الآخر بابتسامته الجذابة وصوته المميز متمتم:
-أهلا بيكي يا بنت عمتي البنت نور بوجودك.
أشتعلت هناء والدته من كلماته و تبادلت النظرات مع كلا من كوثر و سامية وبدأ الخوف يتسلل قلوبهم...
اغتصبت ابتسامة وقالت بصوت هادئ يحمل بين طياته الكثير، وعيناها لا تفارق خديجة:
-وانا مبسوطة أني لقيت أهلي و بقيت وسطيكم.
رفع سليم حاجباه بزهق و قال بابتسامة مصطنعة لم تصل لعيناه و بطريقة مسرحية مطالعًا ساعة مع**ة جعلت الدماء تفور بعروق صابر:
-طيب لو جو الأفلام القديمة ده خلص أنا مضطر امشي، لأني لو أستنيت أكتر مش ضامن نفسي بصراحة
عضت على شفتيها من الداخل بحنق، وشكوكها تذهب تجاه هذا الرجل الذي لايكف عن الحملقة بها بنظرات كارهة لم تغب عنها، باغضًا وجودها بينهم، اشتعلت نظراتها كرهًا وشئ داخلها يخبرها بأنه ضالتها.
-سليــــــــم مفيش خروج قولتلك أنهاردة!
أثارت كلمات صابر غضبه، فضم قبضته بقوة حتى برزت عروقة من أسفل قميصه، ثم ألتفت ينظر لهم ببطء حادقًا بهم بقوة، وجدها تحدق به والغضب يليح على وجهها هى الآخرى فظن أنها غاضبة من كلماته، فكاد أن يتحدث وأبتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بما فعله، ملقيًا بعض الكلمات والتي ستثير حنق صابر لامحال، فسبقة والده محمود وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
-سليم العيلة كلها موجودة و مينفعش تسيب بنت عمتك من أول يوم وتخرج، كلنا هنأكل سوا وبعدين اللي عايز يمشي يتفضل.
كبت غضبه وتشنج جسده وهو يؤما بأيجاب لوالده، ثم عاد مكانه مرة أخرى رامقًا إياها بأعين مشتعلة، بادلته إياها بآخرى متحدية شرسة جامحة كالنمور.
رمشت عيناها عدة مرات، وأبعدت عينيها عنه، ثم رفع صابر يديه و ربت على ذراعيها قائلًا بحنان:
-تعالِ نف*جك أنا وخديجة على أوضتك عقبال ما يحضروا الأكل، خديجة خليتهم عملوا كل الأصناف.
أنهى حديثه، موجههًا حديثه لـ كوثر قائلًا بلهجة آمرة متعجرفة اعتادوا عليها:
-كوثر حضروا السفرة عقبال ما نيجي.
-حاضر يا عمي.
أجابته كوثر كاتمة غيظها متحدثة من بين أسنانها، أشار صابر بيديه تجاه درجات السلم الرخامي يحثها على المضي أمامه، استجابت له وصعدت رفقته و خديجة لا تتركها ولا تتحرك مقلتيها المليئة بالعبرات من عليها متأملة ملامحها بأشتياق جارف ولهفة، أما أفنان جالت عيناها المنزل من حولها بكره، لا تعطي اهتمامًا لتلك الملتصقة بها، لحق بهم بسام مهرولًا تجاهم تحت أنظار الجميع خاصة سليم الذي لا يبعد تركيزه عنها.
-أنا جاي معاكم يا جدي.
صاحت كوثر عقب أختفائهم عن أنظارهم:
-خافي على أبنك يا هناء عـ
قاطعها محمود بصرامة ونبرة يغلفها التحذير، مشيحًا انظاره عنها:
-خشي يا كوثر نفذي اللي بابا قاله وبلاش كلام ملوش لازمة، يلا.
غادرت مكانها تشتعل والنيران تكاد تخرج من رأسها وأذنيها، ألا يكفيها خديجة!
حتى يأتيها تلك الفتاة، بينما لحقت بها هناء وسامية المتذمرين من ذاك الوضع الذي فرض عليهم فـ الآن هم مجبرون على تقبل والتعايش مع فتاه غريبة عنهم.
جلس إياس و مهرة و آدم فهمس إياس:
-أومال فين تقى مجتش ليه لحد دلوقتي.
إجابته بهمس محاولة ألا يصل صوتها لأحد حتى لا يفضح آمر شقيقها، أو صديقها المقرب إذا صح القول.
-كلمتها وهتيجي بس تخلص حملة التنضيف اللي وراها وهتيجي.
تأفف بضيق فقال مروان الرامق لهم بشك مضيقًا عيناه:
-أنتوا بتقولوا إيه.
أنتفضت مهرة من فعلته فهما لم يشعران به وهو يقترب منهم محاولًا معرفة ما يتهامسون به، قذفه إياس بالوسادة ثم قال بضجر:
-يا شيخ أتلهي، وخليك في حالك.
بينما خرج أيهم وسليم للحديقه لا يطيقون ذرعًا للرحيل والفرار، فـ سليم يرغب بالمرور على المحل الذي يديره وينهي عمله سريعـًا، ثم يبدأ بتجهيز ذاته من أجل عقد قرآنه، أما أيهم فلا يرغب بالتأخر على المرضى فبدأ أيهم الواضع كلتا يديه بجيب بنطاله الحديث أولًا:
-شوفت جدك كان عامل أزاي قدامها، ولا عمتي اظاهر أنها هتأكل الجو من أولها، وهتبقى دلوعة صابر بيـه.
حك سليم دقنه النامية وقال متذكرًا نظراتها الغاضبة الحانقة التي تطايرت من عيناها مصوبة إياها نحوه.
-البت دي أنا مش مرتحالها يا أيهم، نظراتها مش مريحاني بتبص بشراسة وبكره، بتضحك بالعافية، شوفت لما مروان قرب منها عملت إيه، أنا حاسس أن البت دي وراها حاجة، ويا ويلها مني لو طلعت نصابة.
-مين جايب سيرة مروان، بتجيبوا سيرتي ليه يا وحشين هو أنا بجيب سيرتكم.
قالها مروان الذي خرج للتو للحديقة وأقترب منهم متمتم بطريقة مسرحية كوميدية لم تؤثر بهم.
قلب سليم عيناه بملل وضجر، وقال محذرًا مشيرًا تجاه مروان:
-أيهم أبعده عن وشي، عشان وديني همسكة وهرنه علقه مش هتعرفوا ملامحه من بعدها، عشان مش ناقص هبله.
-هو في إيه هو أنا ملطشة البيت ده ولا إيه، لا ميغركوش أني بهزر وتافهه، لا ده أنا صايع أووي وأعجبكم تحب تشوف.
قال الأخيرة نافخًا ص*ره فأصبحت هيئته مضحكة فلم يستطع أيهم منع ضحكاته الرجولية العالية، أما سليم فـ سبه ببذائة، وكز على أسنانه متحركًا من مكانه بسرعه البرق راغبًا بالنيل منه، اتسعت عين مروان وتحامى بـ أيهم مختبئًا خلف ظهره متمتم بمرح:
-امسكه يا أيهم متسبهوش، أنا خايف اتغابى عليه وهو عريس، مش عايزة يروح لعروسته و وشة متشلفط من اللي هعمله فيه.
-ياض يا بن **** اوعى يا أيهم سبني عليه
همس مروان بخفوت جانب أذن أيهم والذي كان يحاول منع سليم من النيل منه.
-اوعى تسمع منه، ذنبي هيبقى في رقبتك لو جرالي حاجة.
أردف أيهم من بين ضحكاته:
-أخفي عن وشه طيب، أمشي بقى .
-طيارة.
قالها مندفعًا داخل المنزل مرة أخرى، ترك أيهم سليم الذي نفض يديه عنه، ثم تحدث محاولًا منع ضحكاته:
-خلاص مشي أهدا بقى، وبعدين مروان مش أهبل مروان صايع وأوووي كمان، ميغركش شويتين الهبل اللي بيعملهم دول.
هندم سليم ملابسه وأعاد خصلاته التي تبعثرت نتيجة أنفعاله للوراء مرة أخرى، وما كاد أن يتحدث حتى جذب أنتباهه وقوف صابر رفقة تلك الفتاة وعمته و بسام بالشرفة الخاصة بغرفة عمته المطلة على الحديقة.
رفع عيناه الثاقبة يحدق بهم، خاصة هى ظل يتابعها بتفحص، لكنها لم تظهر أي شئ كانت ملامحها باردة جامدة لا يظهر أي تعابير على وجهها كل ما تفعله هو متابعه حديث صابر غافلة عن تلك الأعين.
أما بالأعلى ولجوا غرفة خديجة عقب رؤيتها لغرفتها الكبيرة نوعًا ما والتي ستقيم بها، رغم اعتراض خديجة بينها وبين ذاتها لاقامتها بحجرة أخرى راغبة بأن تقيم معها لعلها تشبع شوقها واشتياقها، فـ فراقها لم يكن هينًا، لكن صبرًا، فعاجلًا أم آجلًا ستعتاد عليها، ولن تجبرها على شيء في الوقت الحالي.
جالت عين أفنان بالغرفة الواسعة والتي يطغي عليها اللون وردي دليلًا على نعومة و رقي صاحبتها، أبتسمت بسخرية داخلها والنيران تضرم بص*رها أضطرامًا فمن الواضح أن صاحبة الغرفة (والدتها المزيفة) قد عاشت أيامًا سعيدة خاصة مع ذاك الأب الحنون….توقفت عند تلك النقطة، ساخرة من أفكارها عن أي حنان تتحدث فهو ليس إلا شيطان بهيئة رجل كهل، هنا ذكرت ذاتها بفعلته وشعرت بالأختناق يتغلغلها غير مبالية بحديث خديجة و شرحها لتفاصيل الحجرة التي لاينقصها شئ، وقعت عيناها على الشرفة الكبيرة المستترة بستار أبيض براق ناعم كالحرير، أندفعت نحوها وجذبت الستار ثم فتحت الشرفة وخرجت مسرعة تلتقط انفاسها فأزدادت ض*باتها بجنون و دوت كالطبول، مغمضة جفونها لثوانِ
لحقت خديجة بها وكذلك صابر، وبسام، الذي كان يشعر بالسعادة لأجل عمته التي عانت كثيرًا، كما لم ينتبه أي منهما لما حدث معها فظنوا أنها تريد التعرف أكثر على الغرفة لذلك فتحت الشرفه، أما هى وما أن التقطت انفاسها و شعرت بحركتهم من خلفها حتى رسمت ابتسامتها المزيفةعلى قسماتها.
وقف صابر أمامها وقال بأبتسامة لامعة اشرقت ملامحه:
-الأوضة دي اكبر اوضة في القصر لأنها اوضتين وفتحتهم على بعض، خديجة مميزة، والأقرب لقلبي لأنها البنت الوحيدة و يكفي أنها شبة والدتها الخالق الناطق فده كان كفيل أن حبي ليها يزيد.
لاحظ برودها معه وثبوتها الأنفعالي رغم تلك البسمة التي تشق ثغرها، حدق بأبنته التى حركت رأسها بأسف فمن الواضح أن ابنتها لن تعتاد بسهولة، ابتسم بخفه رغم تلك العبرات التي ملأت عيناه، ثم اقترب منها ورفع يداه محاوطًا كلتا ذراعيها:
-عارف أنه صعب تتقبلينا، ومش عايزك تحسي أنك غريبة أنتِ مكانك في قلبي محفوظ ويمكن أكتر من خديجة كمان، مش بيقولوا أعز من الولد ولد الولد، وخلي بالك خديجة بالعافية هتسيبك تنامي في أوضة لوحدك، لو عليها مش عايزة تفارقك لحظة.
ابتعدت عنه خطوتان لا تطيق لمساته التي كانت بالنسبة لها حارقة كالجمرات، ثم قالت على مضض مجبرة على مجاراته، مشيحة بوجهها تجاه الحديقة.
-إن شاء الله هتعود، كل اللي محتجاه بس شوية وقت مش أكتر عشان أقدر اتعود، صعب أوي أني أعيش من غير أهلي كل السنين دي، أنا دورت عليكم كتير كتير أووووي بس الحمدلله في الآخر لقيتكم ومش هسيبكم، صدقوني مش هسيبكم.
قالت الأخيرة بنبرة ذات مغزى، بذات الوقت التي وقعت عيناها على من يسلط و يصب كامل تركيزه وحواسة معهم من الأسفل، أدارت رأسها مبتعدة عن نظراته الملتهبة.
رفعت خديجة يديها مشيرة على غرفتها بطريقة طفولية لا تلق بعُمرها:
-الأوضة عجبتك؟
-عجبتني بس دي تجنن.
اتسعت ابتسامتها وصاحت قائلة دون تردد:
-يبقى خلاص الأوضة أوضتك من أنهاردة
-مينفعش دي أو
قاطعتها بإصرار:
-لا ينفع، أي حاجة تنفعلك.
تن*دت أفنان راسمة بسمة بسيطة، فصدح صوت بسام متسائلًا:
-قوليلي يا روفان كنتِ عايشة أزاي، عندي فضول أعرف اللي حصل معاكي
صك صابر على اسنانه متمتم بأنفعال، رافعًا أحدى حاجبيه محذرًا حفيده بعيناه غير راغبًا بالغوص بتلك الأحاديث:
-وهى حكت للمحامي وهو حكالي فمش داعي تحكي تاني و
قاطعته أفنان بهدوئها، مصوبة حديثها لصابر:
-وأنا معنديش مشكلة احكي تاني، من حقه ومن حق الكل أنه يعرف، المحامي حكالك والظاهر أنك محكتش حاجة لباقي العيلة.
عادت تحدق بـ بسام متحدثة بكذب وقصة من تأليفها جعلت المحامي يقصها على مسامعهم حتى تخدعهم:
-كل اللي أعرفه أنه ربنا بيحبني، لأني كبرت لقيت نفسي عايشة مع اتنين شياطين واللي عرفته بعدين أنهم من محبي ا****ف الأطفال وبذات البنات، عشان لما يكبروا يعرفوا يشغلوهم صح، كان في غيري كتير، كان بيستغلونا ويسربونا على الشوارع وكل واحدة وشطارتها واللي تعرف تطلع بيه، وفي مرة جيت ارجع البيت لقيت البوليس في المنطقة، ومحاصر العمارة، وبعديها شوفتهم وهما مسكينهم ونازلين بيهم من العمارة، أول ما شوفت كدة خوفت وجريت.
**تت قليلًا تلتقط أنفاسها، ثم تابعت بتأثر مزيف مجبرة ملامحها على الانكماش:
-أحسن حاجة حصلت أنه اتقبض عليه، وإلا مكنتش هقابل الراجل اللي حن عليا وخدني معاه بيته عند مراته وابنه وربوني وسطهم، وعمري ما حسيت أني غريبة وسطيهم وعوضوني عن اللي شوفته، تخيلوا طفلة لسة متعرفش حاجة ولا تستوعب حاجة تعيش ده كله وتض*ب ض*ب محدش يستحمله.
-بس خلاص متكمليش مش عايزة اسمع اكتر من كدة.
صاحت خديحة بتلك الكلمات بقوة مغمضة عينيها بقوة، تتخيل الآلم الذي تعرضت له على يد ذلك المختطف....
**********
-وفيها إيه!!!!
أنتَ بتقول إيه يا إسلام، أنتَ عجبك اللي حصل، عجبك أن أخوك يدخل الشقة وأنتَ مش موجود، ده أنا كنت نايمة، أنتَ إيه مبتخافش على لحمك وعرضك، ده بدل ما تقوم الدنيا ومتقعدهاش على اللي حصل ده.
يتبع.