على المسرح وبعد أن رحب بعودتها المسؤولون والحضور، تركها جون بعد أن أعطاها ابتسامة مشجعة ووقف في الأسفل
أزيل الستار لتغمض عينيها وتحرك أناملها برقة على المفاتيح، هذا هو ميدانها، الملعب هنا ملعبها، هذا ما اختارته، وما تبرع به
ورد سيل متدفق من النغمات التي أرهفت أحاسيس المستمعين وألهبت آذانهم للمزيد
لحن حزين ذكرها بحياتها وبذكرياتها المريرة لتجري عبرة لم تستطع حبسها على وجنتها الشاحبة
جرت أناملها بسرعة وهي تتذكر الإهانات التي كانت تتعرض لها في طفولتها من الجميع
والديها، أصدقائها، معلميها، عائلتها
عبرة أخري لم تستطع السيطرة عليها
سمعت التصفيق الحار من الجمهور الذي ملأ مقاعد المسرح لتزداد قوة ضرباتها على الآلة وكأنها تفرغ بها مشاعرها المرهقة
كلهم قسوا عليها بلا استثناء لتصل لتلك الحالة المثيرة للشفقة،،،
النقرة الأخيرة، ووقفت بقوة ثم انحنت احتراماً للجماهير الحاشدة المنبهرة بها
صوت التصفيق الحاد تردد صداه بقوة مزلزلاً جدران القاعة، اعتدلت بوقفتها لتلقي نظرة أخيرة قبل أن تتوارى عن الأنظار
بالمقاعد الأخيرة كان ديفيد جالساً منذ بداية فقرتها واضعاً قدم فوق الأخرى بكبرياء
نهض سائراً للداخل
رحب به الكثيرون ولكنه تجاهلهم ببروده وغروره المعهود، شاهدها واقفة مع ذلك الشاب ليثبت في وقفته ويراقبها من بعيد
إنها كورقة شجر متطايرة عالياً في ليل الخريف البارد
أراد التقدم إليها والثناء على أدائها ولكنه باللحظة الأخيرة تراجع مبتعداً عنها وهو يتذكر تنمره الدائم عليها، هو يعلم عن حالتها النفسية المتدهورة ويعلم أن له بشكل أو بآخر يد فيما أصبحت عليه
كان صغيراً مدللاً ولطالما كان يحرص على الاستهزاء بها، في حين كانت هي رقيقة وحساسة للغاية بل لأقصى درجة، رقتها غير معهودة، ليسهم مع الجميع في تفتيتها وتدمير نفسيتها التي انهارت بغير احتمال
إنه يراقبها منذ زمن في الخفاء
يراقبها لأن عزفها وبراءتها يذكرانه بحقيقته البشعة
يذكرانه بوحدته رغم كل من حوله
أن عليه ألا يلين معها لأن ذلك خطراً عليه وعلى قلبه القاسي الذي يرفض أن يكون تحت رحمة أي أحد حتى وإن كانت هي،،،
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️
"كنتِ رائعة بل مذهلة، أظن أنكِ من ستكونين معلمتي وليس الع**"
نظرت له بطرف عينها
"لم أعزف لشهر كامل ومشاعري المختلطة انتهزت الفرصة للتحرر"
"لا تبدئي وتتكلمي كالحكماء، والآن تمني لي التوفيق، إنه وقت فقرتي"
ابتسمت له برقة وحنان
"أنا أثق أنك ستنجح"
وقف مسلوب الأنفاس إثر ابتسامتها الجميلة الرقيقة لتمتد ذراعيه حولها ويعانقها بهدوء هامساً بأذنها
"شكراً يا إيزابيلا"
ربتت هي بمرح على ظهره عدة مرات قبل أن تتحدث بتعجب
"ولكن لما لا أرى كاثرين بأي مكان، لقد كانت دائمة الحضور معك لتشجيعنا"
ابتعد مردفاً
"لقد انفصلت عنها"
بهتت ملامح إيزابيلا ليتركها جون متجهاً نحو المسرح وهو جامد الوجه
لقد كانت كاثرين دائماً بالنسبة له ليست سوى وسيلة، فقط وسيلة لغاية هي إيزابيلا، وعندما أدرك أنها عديمة الفائدة تخلى عنها مقرراً تغيير تلك الوسيلة
إنه يشعر بالذنب لأنه ليس بريئاً وصادقاً كما تعتقده إيزابيلا، هي مخدوعة بمظهره الزائف وذلك يجعله يكره نفسه بشدة، إنه خطير للغاية، عضو في عصابة خطيرة وأخفى ذلك جيداً حتى لا تتركه
لو تعلم أنه هو من يحتاجها وليس العكس
إنه يستغل روحها البريئة الساذجة ليبث الحياة بروحه السوداء المجرمة
إنها تجعله متمسك بالحياة بوجودها بقربه
بشعوره بطيبتها وحنانها
ولو علمت ما هو عليه حقيقة لتركته وهو أمر يحارب لعدم حدوثه مادام حياً،،،
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️
كانت مستندة على العامود قبل أن تديرها يد قاسية لتجد أمامها كاثرين بأعين باكية حاقدة
"وها قد صار لكِ أيتها الحقيرة، لقد عملتِ على نسج شباكك حوله، يا لك من سافلة مريضة!!
أم هل تدعين خوفك أمامه حتى تجذبيه إليكِ؟!
هل ارتحتي الآن بعدما سرقتيه مني؟
لقد أحببته بكل كياني ولكنه تركني لأجلك
لأجل ع***ة مريضة مثلك ولكنني واثقة أنه سيكتشف وجهك الحقيقي ويعود إليّ مرة أخرى
لن تفوزي إيزابيلا
ضعي هذا بعقلك دائماً"
بعد أن نفثت نيرانها الحارقة بوجه إيزابيلا صفعتها بكره شديد ثم التفتت مغادرة وهي تبتسم بشماتة وشر، تمسكت إيزابيلا بالعامود كي لا تسقط أرضاً وقد سمحت لدموعها بالتحرر وإغراق وجهها
حتى كاثرين التي ظنتها يوماً صديقتها اتضح أنها لم تكن كذلك، لقد كانت مخدوعة بهذه أيضاً
سارت بلا وعي للخارج حتى أصبح المبني بأكمله خلف ظهرها
إنها تشعر بالوحدة الموحشة التي تعذبها كل ثانية وكأنها هوايتها المفضلة
فقط لما هي من بين الجميع؟!
لما هي عاجزة عن التأقلم مع كل هذا الخداع؟!
هي لا تتمنى شيئاً ولم تفعل من قبل
إذن لما لا تتركها الحياة وشأنها؟
هي مكتفية بوحدتها وبموسيقاها التي تؤنس قلبها الفارغ، بعالمها الخيالي الهادئ ولكن شر هذا العالم يلاحقها بلا ذنب
كادت سيارة مسرعة تصدمها وتخلصها من حياتها البائسة وهي متجمدة بمكانها مستسلمة بلا ملامح قبل أن تنتشلها ذراعان قويتان من مكانها بوحشية مفزعة وتجد نفسها بين ذراعي شخص ما
رفعت عينيها سريعاً للأعلى لتصدم بأعين رودلف التي بدا الرعب جلياً بها
ليقبض على ذراعها بقسوة ويقودها لسيارته ثم دفعها للداخل بهمجية أخافتها لتنكمش على نفسها مرتجفة، ركب هو خلف عجلة القيادة ليتحرك مديراً السيارة على الطريق ثم تحرك بسرعة ليصرخ بها بصوت راعد غاضب
"هل أردتي قتل نفسكِ أيتها الغ*ية؟!
لقد كاد قلبي أن يتوقف من الرعب وا****ة عليكِ"
شحب وجهها إثر صراخه الغاضب لتتهاوى بضعف في مقعدها مغشياً عليها
ضرب هو على المقود بكلتا يديه بعنف قبل أن يسند رأسه عليه ويهمس بعجز
"لما يا إيزابيلا؟! لما؟"
ظل ساكناً بمقعده لمدة ليست قصيرة ثم خرج ليقف أمام البحر وهي مازالت نائمة بالسيارة
وضع يده على ص*ره موقع قلبه ليحثه على الهدوء
فقلبه لم يهدأ بعد مما كان على وشك الحدوث
ضرب على ص*ره بعنف عدة مرات ولكنه رفض إطاعته
كان قلبه يتهاوى بانهيار بداخله ويرتجف بطريقة مؤلمة لأنه شعر للحظة بفقدانها
شد شعره للخلف بقوة
لقد اختل توازنه تماماً برؤيتها ضعيفة مستسلمة للموت هكذا، حرك رأسه بقوة لعله يقذف بتلك الأفكار بعيداً عن عقله الذي يكرر له بلا رحمة سيناريو ما كان من الممكن أن يحدث لولا تدخله العنيف
رجع لسيارته ليلقي نظرة ضعيفة تجاهها
كيف يجعلها تثق به؟
هو منزعج وليس راضياً عما يحدث كلما حاول الاقتراب منها،،،
لاحظ الآن أن يديه مازالتا ترتجفان من الخوف إثر ما حدث، ليتن*د باضطراب
لما تعقد كل شيء هكذا؟!
فلم يعد من الأمان تركها بمفردها بعد الآن
من الأمان لها ولقلبه المرتجف خوفاً وارتعاباً وكأنه يهدده بالتوقف عن النبض إن مسها ضر أو سوء
انتبه على حركتها الخفيفة ليعلم أنها استيقظت
أمسكت هي برأسها لشعورها بالصداع الذي يكاد يفتك بأعصابها المتألمة ليصلها صوته الساخر
"صباح الخير أيتها الأميرة النائمة"
قابلت سخريته الغير معهودة بالصمت لتعتدل في جلستها ولكنه كان مصراً هذه المرة على عدم تركها وشأنها وإجبارها على التحدث ولو رغماً عنها ليدور حول السيارة ويفتح الباب ساحباً إياها من الداخل لتجد نفسها واقفة أمام رجل فارع الطول وجسده عبارة عن كتلة عضلات متناسقة مما زاد من خوفها لتتراجع للوراء ليجذبها إليه وقد مد يده لخلف عنقها دافعاً إياها نحوه بقوة لتتلامس أنوفهم وسط تحديق عينيه الناري الذي جعل كل خلية بجسدها متأهبة له بترقب
"هذا الخوف لا يناسبك يا إيزابيلا وخصوصاً وأنت شاهقة الطول هكذا أيتها الحمقاء، لم أر بحياتي امرأة بنفس طولك، أظن أنني أزيد عنك بخمسة سنتيمترات فقط، والأمر حقاً يدهشني يا صغيرتي، فلن اضطر للانحناء كثيراً عندما أود تقبيلكِ،
أنتِ تناسبينني بشكل مذهل وكأنك مصممة خصيصاً لأجلي"
نظرت له بأعين متسعة وقد ظنت أنها توهمت ما سمعته ليبتعد عنها مدعياً التفكير ثم قال وكأنه قد أدرك سراً ما
"لا شك أنها جينات العائلة، فأنا وديفيد لطالما كنا الأطول وسط أصدقائنا، ألم تفكري يوماً بالعمل كعارضة؟"
نظر لها منتظراً رداً على استفساره ولكن كل ما رآه هو عينيها اللتان ترمشان بعدم فهم ليلوى فكه باستنكار صادق ثم تحدث ثانية
"من الأفضل ألا تفكري بهذا العمل
فأنا لن أترك حبيبتي تعرض جسدها على الشاشات وأمام أعين المخنثين"
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️
✳️✳️✳️✳️
✳️✳️
✳️