ماتيلدا.
"احميني من الخلف." هامسني بينما يتقدم بخطوات محسوبة في إتجاه الشرق.
كنت متأكدة من أن الصوت الذي ص*ر مرارًا صدم اذني اليسرى، لكنني لم أجادله كثيرًا وأعطيته ظهري متيقظةً بقدر إستطاعتي.
لا يوجد أحد. بل لا يوجد تنفس واحد، لا ورقة شجر منفردة تتهشم تحت أي قدم متسللة. إنه ذاك الهدوء الذي يجعلك تحتار ما إن كان هدوء ما قبل العاصفة أم أنه هدوء الغابة الطبيعي والعاصفة هي محض سراب في عقلك.
"لا يوجد أحد." همست، وأجابني سريعًا. "ليسوا بشرًا."
"ماذا؟" كتم فمي عندما علت نبرة صوتي عن المسموح، وبدأ بالتمتمة حذرًا قرب اذني:"فكري قبل كل خطوة تأخدينها ولا ترفعي صوتك أعلى من هذا الهمس. لا أحتاج سوى أن افهمك. يستحسن ألا تتحدثي من الاصل الا اذا كنتِ على وشك الموت، أخبرتك أنني اكره الأغ*ياء أليس كذلك؟"
اومأت بهدوء. وكان قلبي ينبض بقوة كفاية لدرجة شعوري بالرضا تمامًا عن توبيخة الذي كان ليستفزني في أي وضع آخر.
أعطيته ظهري مجددًا، يتقدم خطوة فأفعل المثل ملتصقةً لظهره، يلتفت فالتفت. كنت بارعة كفاية في قراءة حركته التالية، لكن أعصابي توقفت عن العمل في تلك اللحظة التي لمحت بها مخالب حادة تركض تمامًا نحوي.
دوت صرختي في الأرجاء، صرخة ستسمعها لو كنت في الجزء الآخر من العالم. وحملت السهم بيدي غارزة إياه في بطن النمر بدون لحظة من التفكير.
يقولون أن غريزة النجاة سريعة جدًا. لكن العميل5 كان أسرع.
عندما إكتشفت الأمر كنت فوق كتفه أواجه مجموعة من الح*****ت المفترسة المتشابهة بشكل أو بآخر تلاحقنا. تُشد عضلاتها وتُرخى بسرعة وتُكشر عن أنيابها فلا تقوى سوى على رؤيتها في عقلك تُغرس بك. وكان سهمي ملقًا على الأرض بإهمال إثر ذراع العميل5 التي أعاقت تحركاتي حين حملني مسرعًا.
في الغالب سيجعلك هذا تركض أكثر، وبالنسبة لي فذلك جعلني القى نظرة مستكشفه نحو المكان.
عددهم كان على الأقل ثلاثين. لم أرَ ح*****ت مفترسة في حياتي بحكم أنني فتاة من ڤيسا، ولكنني رأيت رسومًا كثيرة في الكتب. عشرين نمرًا وعشرة ذئاب. مهاجمتهم في قطيع تبدو غريبة وكأنهم مُجبرون على ذلك.
وإنقطع حبل أفكاري عندما ربت العميل5 على مؤخرتي عدة مرات بسيفه متحدثًا:"أتستطيعين التصويب أمامهم؟"
"ما الذي تفعله؟! لحظة، لماذا لا أصوب عليهم؟" بادلته الصراخ، وقفز فوق جذع شجرة مفاجئ لأتشبث به ويُكمل:"هل انت حمقاء؟ إنها ح*****ت مسحورة، ستموتين إذا قتلتِ أيًا منهم."
لم أفهم كثيرًا، لكنني سحبت القوس من ظهري رفعت جسدي بثقل محاولة التصويب. أغلق عينًا بخفة وتتسع الأخرى على أقصاها، جسدي يتأرجح مع كل خطوة يسرقها العميل5 وترتجف الصورة في عيناي كأنها هزة أرضية أشعر بها وحدي.
هذا ليس مثل صيد الأرانب، ولكنني لا أحتاج أن أصوب عليهم، فقط أمامهم.
أخذت أنفاسي بهدوء وقسمت تركيزي بين رسغي وعيناي. تجاهلت صرخات العميل اللاعنة وإنتظرت.
ثانية، إثنتين، ثلاث.
إنطلق السهم من بين أصابعي وغُرس تمامًا أمام قدم أول نمر في القطيع. وبشكل غير منطقي توقف النمر متسببًا بتوقف الجميع من خلفه وكأنهم ماكثون أمام سد يعجزون عن عبوره.
أرخيت ظهري للأسفل بتعب وكررت على العميل5 أن ينزلني عدة مرات. إستمر بتجاهلي لدقائق ثم أنزلني قرب شجرة ضخمة تبدو عالية كفاية لتلك الدرجة التي يستحيل فيها رؤية السطح.
حاصرت قلبي النابض بينما أرمق الشجرة بتساؤل، وشعرت بكف صلب يمسد رأسي بهدوء.
"أحسنتِ." تحدث العميل لاهثًا.
وألقيت عليه وابلًا من الاسئلة فور أن جلس أرضًا."ماذا كان ذلك بحق الجحيم؟ لقد كنا على وشك أن نلقى حتفنا!"
"نمور مسحورة، هذا النوع من الأشياء منتشر في مملكة سورد. أعتقد أنهم يتبعون أحدًا من مجلس الشيوخ."
"مجلس الشيوخ ونمور مسحورة؟"
تعجبن، وتن*د بثقل ثم بدأ بالشرح بينما يدلك عضلات فخذيه:"مجلس الشيوخ كان مجلسًا يتولى زمام بعض الأمور كحل الخلافات بين الممالك والحفاظ على السلام والبيئة الجيدة للحياة ثم تفكك قبل قرابة العشرة أعوام بسبب مقتل الرئيس، بالطبع هذا ما يُقال. الحقيقة أنه مازال موجودًا وكغيره يبحث عن الڤيرودوس ليعتبرها حجة تجعله قادرًا على النهوض مجددًا والعودة لمكانته القديمة."
كنت اومئ بتركيز كلما ينهي جملةً. وجُبت حوله بهدوء معقبةً:"ما الذي سيساعده على النهوض في الڤيرودوس؟"
"لا أعرف. بما أنها تشكل خطرًا فأظن أعضاء المجلس يخططون لإستغلالها بشكل يُظهرهم بطوليين."
عقدت حاجباي بإمتعاض، وهز كتفيه بقلة حيلة ثم أكمل:"إذا تكرر الأمر فصوبي أمامهم لا عليهم. بالرغم من أنهم نمور مسحورة إلا أن أشياء بسيطة كالتصويب بقربهم أو الإختفاء من أمامهم فجأة كافية لإرباكهم. مهما حدث لا تقتلي أيًا منهم، سيهاجمك سحرهم ويقتلك في المقابل."
"لماذا لا نسحر نمورًا نحن أيضًا إذًا؟"
نهض وأدار ذراعه اليسرى للخلف كحلقة لعدة مرات، ثم كرر الأمر مع الذراع الأخرى وأجاب:"أخبرتك مرة، نحن لا ننتمي لأي مملكة. كذلك إذا حدث وحصل على نمر من نمورنا ساحر فهو يستطيع معرفة المالك من النمر. وهذا سيكشف هوياتنا."
اومأت بتفهم، ووجهت عدة نظرات مستكشفة نحو الشجرة قبل أن التفت ناحيته مردفةً:"أعتقد أنني أسقطت سواري في مكاننا السابق، سأحضره."
صددت ص*ره عندما أخد أولى خطواته راغبًا بمرافقتي، وأخبرته ببسمة زائفة أسفل قناعي أنني سأعود سريعًا. كما أقنعته بشكل ما أن ينتظر مكانه.
كان ذلك عندما إختفى جسدي بين الشجر، نفثت الهواء مهدئة قلبي النابض وتزايدت حدة عيناي. ثم داعبني همس نحيف خافت فجأة.
"لماذا تكذبين..؟"
هيدال.
"ركز أكثر." قالت خلف أذني، وقاومت رغبتي في محاصرة دماغي بيداي وربما تهشيمه تمامًا حتى لا أقوى على سماع أي أفكار مجددًا.
"ماذا أفعل؟ إذا عرفت أمي أني ضيعت باقي النقود سوق تعاقبني."
"أود أن أنام."
"هل هذه بريان؟ هل أناديها؟"
"هذا السوار بخمسة قطع ذهبية وهذه بثلاثة هذا يعني أنهم ثمانية، يمكنني سرقتهم فحسب."
"ماذا تسمع؟" سألتني نينا، وزفرت الهواء بإرهاق ثم أجبت:"هل ترغ*ين بمعرفة هذا حقًا؟"
"لا. فقط جد شيئًا مهمًا بهم كي نأخذ أول خطوة."أجابت.
"أبي؟ أين أبي!"
"ظننت أنني سأستطيع تولي أمر هذا العمل لكن يبدو أن العجز إستولى علي."
"لا شيء يمتلك زوايا دقيقة! لا شيء، لا أستطيع أن أقتبس لوحة من أي شيء هندسي هن-"ما المشكلة في كوني سمين-"هذا المشروب لاذع، علي أن-"متى يمكنني العودة للمنزل؟-"كان علي أن أرافق نيكيتا حين سمحت لي الفرص-"ياله من يوم مزدحم!-
"علي أن أنقذ إلين!"
فرقت عيناي بصدمة مستنشقًا كمًا ضخمًا من الهواء. بدى الأمر وكأنني أغرق في بحر عميق ليس له نهاية ثم اُنتشل منه بدون سابق إنذار قبل أن أتحجر بالأسفل للأبد.
الكثير من الأفكار والأصوات التي لا تكون صورة واحدة معينة، الكثير من الأفكار التي يصعب علي تحديد مص*رها بشكل دقيق.
"حصلت على شيء؟" عادت نينا لنفس السؤال، وأجبت بهدوء:"أحدهم ينوي سرقة عقد وسوار والآخر يرغب بإنقاذ إلين."
"هذه ليست أشياء مهمة." قالت بضجر، وعقدت حاجباي متحدثًا:"ماذا تنتظرين من تجمع بشري في سوق سورد؟"
"أيًا يكن، حاول قراءة أفكار هؤلاء الإثنين أكثر. كما أخبرتك مسبقًا، ما تسمعه هي مجرد مقطفات صغيرة من صورة ضخمة تفوق حجمك مرارًا. الجيد في الأمر هو أنك تسمع ما لا يسمعه أحد. السيئ هو أن هذا لا يكفي. إعتبرها أحجيه وحاول أن تصل لطرف الخيط. ابدأ باللص."
أغمضت عيناي مجددًا وحاولت التركيز، أرغب باللص. أرغب بسماع أفكار اللص فحسب.
"ا****ة! لقد رآني، علي أن أركض."
"ما المشكلة في سرقة تفاحة؟ هذا ليس غاليًا حتى."
"إذا سحبت هذا الرغيف لن يلاحظ البائع. فقط عندما ينهمك مع الزبائن."
"لست لصًا، لكن علي سرقة هذا القميص. أعتذر!"
"بجدية.." همست، وهمهمت نينا بفضول لأتحدث:"هناك أكثر من لص واحد."
"لا، إتبع أول لص قرأت أفكاره."
جذبت وشاحي وخبأت وجهي بخفة وحذر عندما لاحظت كهلًا يرمي بنفسه نحوي مستكشفًا، وتقمصت نينا دور الطفلة المسكينة لتنوح ببعض العبارات المتمسكنة ويعطيني الكهل قليلًا من الذهب متمتمًا بأن أطعم ابنتي.
بالرغم من أن هذا خداع واضح إلا أن طريقتها في جمع المال أثارت إعجابي. إنه يبدو وكأنني أعمل وأتدرب بذات الوقت.
ولأكون صريحًا، فلم يعجبني ذلك جدًا.
هنا نحن عرضة للوقوع بين يدا أي حارس أو مواطن يطمع بالجائزة التي وضعها الملك. وخصلة من شعري هي أكثز من كافية لسحبي نحو أقصى أعماق الجحيم.
"سأنتهز الفرصة المناسبة ثم أقتله. أنت لن تنجو مني."
التفت خلفي مسرعًا، بدت تلك الأفكار وكأنها ملك للشخص عبر سريعًا قربي منذ ثوانٍ قليلة. وقد بدت أخطر بمراحل من مجرد لص بائس.
تجاهلت اسئلة نينا المتكررة وجذبها لذقني بإستمرار كطفلة في الخامسة من العمر عندما بدأت بالتجول حول المكان. وضيقت عيناي مفرقًا نظراتٍ إستكشافية دقيقة.
شاب بأفكار مليئة بالحقد. يبدو وكأنه يراقب أحدهم مما يعني أنه متخفٍ في الغالب.
بحثت في كل زاوية ممكنة عن شخص بهذه المواصفات القليلة، وإقتربت بهدوء نحو جسدٍ قوي طويل نسبيًا يستند بظهره على جدار وسط زقاق ضيق بين محلين، يحيط بطنه بكفه الداكن ويرمق الجميع بتوتر جم.
لم يكن ذاك كافيًا، لكن صوتًا خافتًا بداخلي كان يعلو أكثر فأكثر كلما إقتربت نحوه. 'إنه هو' كان يصرخ.
هذا الواقف أمامي على وشك إرتكاب جريمة قتل مروعة. واكتشفت أنني غرقت بعالم عقلي الواسع زيادة عن اللزوم عندما إستفقت على ذلك المشهد.
كفي الذي يرتخي فوق كتفه هادئًا. ملامح حادةً متعجبة تلتهم كل إنش بي، وأعين سوداء صلبة تمتزج تحديقاتها المتوسعة مع زرقة عيناي فتغدو كليلةٍ لم يُخلق لها قمر.
"سباستيان..؟"
___________________________________
إذا قُتل أي كائن مسحور فهذا يؤدي إلى إنقلاب السحر على القاتل، أحيانًا يتعرض لبعض الأضرار أو التعوقات وفي الغالب يموت فورًا.
___________________________________
في الفصل القادم :
لف خصلة نحيفة من شعره الأ**د حول أنامله، يرخيها ثم يعيد لفها ثم يرخيها مجددًا. هنا حيث يقبع بين عملاءه الثلاثة الأكثر كفاءة لم يحتج أن يرتدي قناعًا خانقًا، حظى بدقائق طويلة مليئة بالتفكير عندما قاطعه عميل هادئ دخل عبر الباب الضخم المرصع بأحجار ثمينة صغيرة ثم توقف أمامه منحنيًا.
"مرحبًا بعودتك أيها العميل5." تحدث أ**د الشعر واضعًا ساق فوق ساق. ورفع العميل ظهره موجهًا نظراتٍ تفيض بالحدة نحو القابع أمامه.
"لقد كانت تحاول فعل شيء ما."
ضيق الآخر جفناه بتعجب، وأكمل العميل حديثه:"لم أتدخل كما أمرتني، لكنها كانت تحاول مراوغتي بشأن شيء ما عندما تجمد جسدها ولم تكف عن الإرتعاش لفترة من الزمن، لم تفصح عن أي شيء مع ذلك. قالت أنها تعثرت حين تظاهرت بأنني عثرت عليها لاحقًا."
همهم المستمع. تجول عيناه الداكنتين حول المكان بتفكير ويداعب ذقنه الأملس قبل أن يعقب فجأة. "سنفسر هذا لاحقًا. هل أخبرتك بأي شيء ذا أهمية؟"
___________________________________________
رأيكو؟
سباستيان عايز يقتل مين؟
ومين اللي همس جمب ماتيلدا + تفتكرو ماتيلدا كذبت فعلا؟