هيدال.
إقتربت من النهر ببطئ وغمست كفاي بماءه البارد. الشتاء يقترب والسماء تبدو حزينة أكثر، كل شيء هنا يبدو وكأنه يجبر عقلي البائس على العمل أكثر بينما يتجلى الصداع صارخًا بأن ما فيّ يكفي.
ضربت وجهي بالماء مستفيقًا، ثم رمقت النهر متن*دًا بثقل. علي أن استحم هنا والآن.
ترددت لبضعة ثوانٍ ثم خلعت ملابسي بنفاذ صبر وغرست ساقاي بالنهر مستقبلًا مجموعة من الرعشات المتتالية. ووسط لفحات هواءٍ تداعب شعري وحفيف أشجار طفيف بدى أكثر متعة من عزف الكمان فقدت عقلي تمامًا.
قبل عدة أيام.
"ذاك الأشقر، لقد سخر قائلًا ألا تثق كمن يقرأ الأفكار..ولكنها لم تكن سخرية حقًا، أليس كذلك؟"
ترخي أناملها الباردة تمامًا فوق وجنتي..تراقب بعينيها المتطفلة كل إنش بوجهي صلبًا متجمدًا، تزيح وشاحي عن شعري الأصهب بهدوء..وتهمس.
"أيها السيسن، هيدال سيووند."
"ما الذي تقولينه؟"
أطلقت ضحكة بسيطة ساخرة، ورفعت جسدها بصعوبة مكملةً: "لست أنت فقط من تعرف أكثر من الجميع. كما تعلم، نحن من مملكة سورد. وبماذا تتميز مملكة سورد؟"
رفعت حاجباي بعدم إستيعاب، لم أدرِ ما الذي أرادت قوله تحديدًا، وحركت شفتاي متسائلًا: "نحن؟"
همهمت بتدارك، ثم وضعت بسمة بلهاء تتناقض مع نبرتها المتغطرسة وأكملت: "أنا من سورد، مثلك تمامًا. ما أخبرتك به منذ قليل كانت قصة هذا الجسد فحسب."
"ما الذي يعنيه هذا؟"
ألقيت أسئلة كثيرة على غير العادة، أنا السيسن. أنا من اقرأ أفكارك ومشاعرك من لمحة بسيطة تخترق أعماق عيناك، أنا من أعرفك أكثر من نفسك. أنا من أستطيع إنقاذك، إحتواءك، إحياءك..وإهلاكك كأنك لم تكن. لماذا الآن أنا الهالك؟
تمتمت ببعض الأشياء التي لم أسمعها، ثم فرقت فمها الضئيل بهدوء وتحدثت: "انت طفل كثير السؤال. لو كنت أكثر هدوءًا لعرفت أن مملكتنا، مملكة سورد تتميز بالسحر. ذاك النوع الذي لا يبرز به أحد سوانا. إذا كنت أميرًا مجتهدًا حين كنت ما تزال في بلاط القصر الملكي لأدركت أن مهارة كالسيسن هي في الحقيقة سحر قوي طويل الأمد لا يعرف أحد في أليماندرا مص*ره الأكيد بعد. لكن، هل سمعت عن ڤيرونا؟"
بلعت ريقي ببطئ، ورمقت ملامحها المنسجمة صامتًا. كان ذلك حين هزت رأسها في تساؤل وعانق خنجري عنقها النحيف حين هامستها:"فور أن يعتقد عقلكِ الضئيل أنكِ تستطيعين التلاعب بي، ستكون النهاية."
"لا تهددني، أنا في صفك."
"لا أمتلك صفًا، ولن أرغب بأطفالٍ به."
فركت جبينها كامرأة يائسة، ثم ألقت حروفها حادةٌ على مسامعي: "لقد قلت، ما أخبرتك به كان قصة هذا الجسد. أنا لست طفلة، ولست آيان..لقد ماتت آيان منذ عدة سنوات."
أخفيت ملامح الحيرة على وجهي بشكل جيدٍ، ولكنها وجدت طريقة لكشفي وأخفضت كفي المرتجف بهدوء. تلقي علي مجموعة من حرف الشين في إعتقاد رجعي أن هذا قد يهدئُني، ورمقتها بإزدراء لم أستطع حبسه داخلًا.
"لخمس دقائق. فقط لخمس دقائق، أريدك أن تستمع إلي جيدًا. إستمع إلي بينما أخبرك بالحقيقة لأن هذا نادرٌ في الواقع. لا تحتاج لخنجر بما أنني عاجزة عن الحراك على أي حال. وإذا كنت قلقًا بشأن أي أسلحة مخفية ففتشني. لكن هذا لا يبدو صائبًا بما أنك شاب مثير أكثر من صورتك التي بنيتها في مخيلتي."
حاولت أن أتظاهر بأنني لم أرَ تلاعب حاجبيها توًا، وأخفضت سلاحي مشيرًا بكفي أن تكمل. وضعت إبتسامة صغيرة منتصرة على أطراف شفاهها ثم لعقتها بخفة.
"اسمي هو نينا، ليس اسمي الحقيقي لكنه ما صرت أستعمله في الأربعين عام الأخيرة. لو كنت طفلًا هادئًا أكثر لعرفت أن ڤيرونا هي آلهة أليماندرا المحرم ذكرها. حين إنقلب عليها ملك من الملوك بجيش ضخم وهب به لڤيسا وضعت ڤيرونا لعنة عليه وعلى سلالته، فقتلوا جميعًا خلال أسبوع واحد. وألقت بسحرها على قلة مميزين من أتباعها وأسراها من الجيش. لتنتقم من أليماندرا، أو بصيغة كتب التاريخ سحرت ڤيرونا رضيعة وحيدة مميزة، رضيعة كان اسمها هو- " ڤيرودوس."
قاطعتها، واومأت بجدية معقبةً "هذا صحيح، كانت الرضيعة إبنة زنا وتَفرقت من توأمها فور أن ولدت بسبب وفاة أمهما في حادث غريب. ردد أهالي القرية أن ڤيرودوس هي شيطان جلب معه لعنة على ڤيسا، وسحرت ڤيرونا الرضيعة ڤيرودوس بسحر مظلم كئيب. وضعت به كل ما إمتلكت من غلٍ، قررت أن يتشكل إنتقامها على هيئة طفلة لا تفهم من الحياة شيئًا وكتبت مصيرها بالدماء فوق جبينها..حقيرة، او هذا ما ذكرته الكتب."
"وإذًا؟"
"المنتصر يكتب التاريخ، وقد أُبيدت عشيرة ڤيرونا بأكملها بعد أن ألقت ثلاثة أعمال سحرية قوية، سحر ڤيرودوس، سحر السيسن والذي كان على أسير شاب من مملكة سورد، والسحر الموت الذي قتلت به سلالة قائد الجيش كاملةً. ثم إختفت ولم يجدها أحد حية أو ميتة. لذلك، فمن كتب التاريخ هم اولائك الذين أفزعتهم حادثة ڤيرونا حد الموت، إنهم أولائك الذين لا يرون سوى ما هو واضح يتراقص أمام أعينهم..وما لا نريده نحن."
كانت معلومات مألوفة كثيرًا، بل أنني أحفظها في الواقع. ڤيرونا تلك الالهة القاتمة التي لعنت أليماندرا بڤيرودوس يحتل أراضيها كل فترة من الزمن. ڤيرونا، تلك الآلهة التي يتمنى الجميع سرًا أنها لم تتواجد يومًا.
"هل تعرف لماذا سحرت ڤيرونا شابًا من سورد؟"
رفعت عيناي نحوها حين ألقت سؤالها بتركيز، وأجبت هادئًا: "للقضاء على ڤيرودوس."
"هذا صحيح، كل ما يحصل عليه السيسن من قدرات كقراءة الأفكار والمشاعر ورؤية الذكريات والخطط هي قدرات يتوجب تنميتها فقط لكي تُستخدم على فتاة بائسة لم ترغب يومًا أن تصير جزءًا من هذه المهزلة، وفي كل مرة تظهر ڤيرودوس، يولد السيسن بريئًا. ويموت قاتلًا."
قهقهت بإستهزاء حين تسللت لذاكرتي ذكرى لكبير مجلس الشيوخ مقتولًا بين يداي. ثم لفظت مجددًا."ما علاقة كل هذا بكِ؟"
"بالطبع، كل سيسن يحتاج أن يطور من نفسه قبل أن تكتمل مراحل ظهور الڤيرودوس. ولكن التطور السريع يحتاج شخصًا خبيرًا."
أشارت على نفسها بسبابتها القصيرة. ورفعت حاجباي في صمت قبل أن أتنهد."هل هذه نكتة؟"
"سورد هي مملكة السحر، ولقد سُحرت في شبابي سحر الخلود. حسنًا، الاسم مبالغ به قليلًا لأنني سأموت بشكل أو بآخر. لكن سنوات حياتي تمتد حتى الأربعمئة عام. هذا يعني أنك رابع سيسن أقابله حتى الآن. وإذا أزحت هذه النظرة الساخرة عن عيناك فستكون رابع تلميذ لي."
عقدت حاجباي لعدة ثوانٍ، بالرغم من أن سحر الخلود لا يبدو كشيء مشهور إلا أنني أتذكر جيدًا أن أفكار الحكيم في قصرنا حوت شيئًا كهذا. ولكنني لم أستطع سوى أن أشكك متحدثًا. "من يُسحر بسحر الخلود يجب أن يكون شخصًا ذكيًا كفاية لإستحقاق الحياة لكل تلك السنوات. أنتِ لا تبدين كذلك، فكيف اتأكد من مصدقيتكِ؟"
داعبت فمها بأناملها هادئةً لوهلة..وصُعقت عندما تسللت تلك الحروف لعقلي فجأة.
"هل تقرأ أفكاري الآن؟ لا تتحمس كثيرًا، فأنا من سمحت لك."
كنت مذعورًا، وبوصف أدق، كنت محبطًا. في هذه اللحظة فقط أدركت كم أن كلمات الكتب تلاعبت بعقلي قبل أن يتلاعب به أي شخص آخر. توهمت بالكمال حتى صارت فكرة إختراقي هي شيء أشبه بالمستحيل. لا أحد يعرف فيما أفكر، لا أحد يستطيع فهم كل هذه الجبال فوق ص*ري، لا أحد يعرف من هو هيدال سيووند.
ولا أحد يتسلل خارج الأسوار التي بنيتها بيداي، لكن الآن..يبدو أن أحدهم كان في الخارج منذ البداية.
جفلت أسفل كفها البارد الذي طُبعت لمساته فوق جبيني، وراقبت عيناها تضيق بقلق زائف مردفةً:"لا تضغط على نفسك كثيرًا. هكذا تكونون دائمًا حين تدركون أنكم خاضعون أكثر مما تظنون."
دفعت يديها بضيق وقبضت حول معصمها غاضبًا. أنا؟ غاضب؟ أرخيت كفي بعد عدة ثوانٍ واعتذرت بخفوت، لم أدرك لماذا كنت اعتذر تحديدًا. هل لإستخدام العنف مع طفلة عاجزة أم لإستخدامه مع عجوز تبلغ المئات من السنوات؟
"دعني أبدد شكوكك، سحر الخلود يُطبق على الروح لا على الجسد. أي أنني يجب أن أنتحل جسدًا ميتًا حديثًا كل أربعين عامًا تقريبًا، حين أفعل فذكريات الروح السابقة تختلط مع ذكرياتي. وأستطيع في خلال ساعات تقمص شخصيته كأنه لم يمت يومًا. آيان هي طفلة ڤيسية قُتلت من قبل والدها عندما حل على محصوله عاصفة قاسية وظن أنها السبب وأنها توقفت عن جلب الحظ الجيد له. في تلك اللحظات إنتحلت جسدها ولم يبالِ والدها كثيرًا ثم سلمها لأقرب قطاع طرق مروا به. طفلة بائسة، تستطيع أن تتخيل كيف كانت تشعر قبل أن تُذهق روحها للأبد."
لوهلةٍ كانت متغطرسة كما لم يُخلق أحد من قبل. في الثانية التالية هي جدة ثرثارة تلقي بعض المحاضرات على من لا يود سماعها، وبعد قليل، هي مجرد أعين حزينة مُثقلة بكثير من المشاعر لدرجة تجعلها تبدو كقنبلة يدوية تستعد لتنفجر في أي لحظة فتلطخ الجميع..ومع ذلك، هي لا تنفجر.
"إذًا، ما تقولينه هو أنك كنت مدربة لثلاثة من السيسن السابقين وترغ*ين بتكرار نفس الشيء معي. وأنك قمت بكل تلك التمثيلية عديمة الجدوى منذ قليل فقط للتسلية؟"
راقبتها تلف خصلات شعرها حول إصبعها وتهمس عابثةً."بل أنه كان إختبارًا صغيرًا لإكتشافك. أنت ألطف مما يبدو عليك، أليس كذلك؟ تعمل جهادًا لمساعدة الجميع. تحمل هموم المارة على كتفيك وتتبع ما تسمعه اذناك بدون تفكير. ثم تترك نفسك للغرق حتى لن يعود أي شيء قادر على إنقاذك..أنت توزع نفسك تدريجيًا على كل من يهتز له قلبك، وقريبًا، لن يتبقى منك جزءًا."
راقبتها بجمود..لم يرمش لي جفن حين أنصت لها تهز دواخلي بكل كلمة تلفظها، فجأة بدت لي الحروف ثقيلة جدًا..فجأة بدي جسدي منهكًا جدًا، بدى ص*ري ضيقًا جدًا.
وفجأة..شعرت وكأن كل هواء هذه الأرض التعيسة لا يكفيني لأتنفس.
___________________________________
لا يتأثر سحر الخلود بالعوامل الخارجية كالقتل أو الموت من العطش والجوع، فالروح المسحورة بالخلود تموت في لحظة تُنهك بها الروح تمامًا، ويقول بعض السحرة أنها تنتهي بلا سبب محدد يذكر. وأن حالة الفرد الجسدية والنفسية لا تُشكل فرقًا.
___________________________________
في البارت القادم:
"ما الذي تفعله؟"
وجه عيناه التي كانت قاسية كفاية نحو العجوز المسترخِ أمامه، يرتفع البخار من حمامه الساخن بينما تقف المرأتين على جانبيه كما تفعلان دائمان. تغمضان عينيهما، وتنتظران.
"أستحم." أجابه المسن، وأسرع الآخر بالتحدث: "أنا لا أمزح هنا، ما الذي تفعله؟"
فرق عينيه بهدوء وإستنشق رحيق الزهور التي إرتصت على أطراف حمامه وتساقطت فوق كل إنش كما الأمطار لكن أزهى.
"بشأن؟"
"بشأن إلين."
"تقصد لايدا؟"
"إلين." كرر الآخر بحدة، وقهقه العجور على إصاراه هامسًا."لا نحتاج لخلاف طويل، يمكننا الإشارة إليها بڤيرودوس كما تعلم."
"مازلت غير متأكد من هذه المعلومة، ألست؟"
كان نزال نظراتٍ هادئ، همهم چيفان بخفة وأجاب:"ربما."
"لم ينص عهدنا على هذا، لقد أخبرتني أنك ستعتني بها. أخبرتني أنك ستحميها، والآن أجدها ملقاة فوق سرير تجاربك القذر بحفنة من الحمقى عديمي العقول يحشرون ما يشاؤون بوريدها؟ هل هكذا عنيت بـ 'حمايتها'؟" جز الشاب على أسنانه مستشيطًا، يتمالك أعصابه بصعوبة كفيضانٍ يحجمه سد من القش. وترقب رد الآخر أثناء علو وهبوط ص*ره المتكرر.
"أنا أحميها. في هذه اللحظة قد تكون الأخبار إنتشرت في كل مكان بالفعل، كل العصابات والمجالس والمتمردين وكل من يطمح لأن يكون بطلًا وكل من يرغب بأن يشهد ما لم يشاهده أحد من قبل سيحاول الحصول على الڤيرودوس. إذا لم تعجبك طريقتي فيمكنك إخراجها من هنا الآن."
أشار چيفان لإمرأة من خلفه، وأخرجت مفتاحًا من جيبها واضعةً إياه بكف العجوز المستقيم. "لكن لا تأتيني بعدها مترجيًا عندما تُذبح أمامك، عندما تصير قصة بائسة أخرى تضاف لتاريخك الفارغ. لأنني، وبلا ذرة تردد سأجعلك تدفع الثمن، ديرما."
قبض ديرما على يديه ممتعضًا، محاصر من الجهتين ويتهشم كل ثانية كأنه لا يمتلك الحق في التنفس.
"أي ثمن؟" همس.
"ثمن سرقة الڤيرودوس الوحيدة منذ خمسمئة عام من بين يداي."
رفع الشاب عيناه نحو الآخر. إستنشق بهدوء..عليه أن يفعل. حرر قبضتاه من حبسهما ولعق شفاهه باصقًا الحروف بحقد.
"لقد قتلت صديقاي لأجلك، إذا لم أحصل على النتيجه التي وُعدتُ بها فستدفع الثمن."
همهم العجوز بإهتمام، وسأل بعد عدة ثوانٍ: " أي ثمن؟"
"ثمن سرقة إلين من يداي."
تعالت ضحكات چيفان كأنه لم يضحك قبلًا، وتمتم ببعض الجمل اللي لم يستمع لها أحد بينما يرتجف كتفاه بعنف. دقائق ممتلئة بالغضب مرت على المنصهر المقابل له، وهز شفاهه بعدئذٍ مردفًا:"أنت تثبت لي فعاليتك كل يوم. ولكن ديرما، إياك أن تعتقد بأنك قتلتهما مجبرًا."
_________________________
رأيكو؟