هيدال.
"ماذا تقصد؟"
"كما أخبرتك، هل تبحث عن لايدا؟"
خفق قلبي بعنف ومرت ثوانٍ قصيرة شعرت بها أني لم أكن موحودًا. ارتعدت أطرافي كانني سمعت اسمًا لم يتوجب علي سماعه. ورمقته مستكشفًا، آملًا أن اقرأ أفكاره وربما اقرأ ذكرياته فآخذ من المعلومات ما يرضي جوعي.
كنت أعرف أنه ليس شخصًا سيئًا، ولم أمتلك أي دليل على ذلك سوى وببساطة أنه برفقة تورو، أعرف أن تورو ينتقي من يرافقهم بدقة.
بدى مدمرًا أو منهارًا، حاقدًا أو غاضبًا..مزيج من المشاعر الذي لا أعرف بدايته عن نهايته. كان يعرف جيدًا أنني أبحث عن لايدا. كان يعرف أنني سأجيبه ب'أجل' حتى لو لم أكن أفعل، هو لا يسألني لإجابتي..إنه يلقي لي طعمًا فحسب.
"هل تعرف أين هي؟" أخبرته ملتقطًا الطعم بكفاءة، وقهقه بخفة ممررًا خصلاته الشقراء للخلف ببطئ.
"أنت تمر عليها كل صباح ومساء."
أنظر لعيناه وينظر لعيناي، اترقب جملته التالية. لو كان هناك جملة تالية.
"هنا." راقبت سبابته تشير نحو الأسفل، نحو الأرض. هكذا جذبته من ملابسه نحوي دون أن أعي، أنفاسي تتسارع فجأة بينما ينصهر جسدي بلا مقدمة تذكر.
"من قتلها؟" بصقت الحروف من بين شفتاي. مرت ثوانٍ من الصمت..ثوانٍ تلتها قهقهات عالية تسللت لزوايا الغابة الهادئة، كان يضحك كمجنونٍ فاقد للعقل وزاد ذلك من غضبي.
"تمالك نفسك. هي لم تمت، هي حقًا أسفل الأرض." ارخيت قبضتاي، مازلت لا أفهم ما يقوله ولكنني أدرك أني لا يجب علي قتله.
"مجلس الشيوخ يحبسونها في مقرهم منذ شهور عديدة. كانوا يتلاعبون بعقلها وذكرياتها منذ زمن بعيد، ربما منذ خطت أولى خطواتها البائسة. ودعني أخبرك، أنت متأخرٌ جدًا."
بلعت ريقي ببطئ. 'أجل، تنفس هيدال..لا تهرع.' اخبر نفسي كمختل ما، كطفل توبخه أمه، كأخرق كبير. وقع كلماته يغرقني كموجة هائجة تبتلع كل ما تلمس.
"متأخر؟"
"نعم، متأخر عن رؤية لايدا بينما ما تزال لايدا."
لم تفلت عيناي مقلتيه المحمرتين، أراقبها بجد، أراقب لون عينيه وانعكاس أشعة الشمس فيهما، أراقب الشرايين الصغيرة المتفجرة ويتفجر قلبي مثلها، أبحث عن أي لمعة تطمئنني، تشعرني أنني لست بذلك الحمق على الأقل. أنني لست السبب.
"لماذا علينا أن نثق بكلامك؟" تدخلت نينا فجأة، لم يكن سؤالها ذا فائدة تذكر..هذا الشاب لا يكذب، هذا الشاب يعرف الكثير، ويعرف لايدا جيدًا..يعرفها أكثر مني.
"لأنكم لن تجدوا من يذكر لايدا على لسانه سواي..قتلت كارين كماشية ليس لها ثمن، قتلوها وقتلوا ابني معها، ولم يكن أحد في بلاد الجوع بأكملها يعرف بوجود لايدا سوانا..أنا، كارين وديرما."
"من أنت؟" سألت.
الحقد في نبرته لم يضاهى بأي نبرة سمعتها من قبل..إنه كقنبلة مؤقته ستنفجر في أي لحظة، ذاك النوع من القنابل الذي لا يأبه ما إن كان سيمزق أشلاء عدوه أم حليفه. رفع ملابسه بهدوء كاشفًا عن ندبة قبيحة في بطنه..وتحدث واثقًا، مبتسمًا: "أدعى جايد، وأظن أني قد نجت من طعنه سيئة كتلك فقط لأخبرك بأنك متأخرٌ جدًا."
لايدا.
أجزاء الصورة أمست تتجمع أمام عيناي كدرب من الخيال، كل شيء بدى واضحًا لأول مرة. ذكريات وذكريات، أحداث عديدة لا أذكر حدوثها سوى توًا.
لقطات متفرقة من طفولتي، أيام غريبة أضل بها الطريق مع ماتيلدا في منزل عجوز مجهولة..قلادة عجيبة المظهر ترتكز فوق ص*ري، هل كانت هنا طوال الوقت؟
بدأت أخيرًا أستوعب ما حدث تلك الليلة، في ذلك اليوم الذي أسرت به مع ديرما وجايد وكارين..كيف فررنا؟ حينها لم أكن أعرف. لكن كل شيء يرتكز هنا الآن..تمامًا أمام عيناي.
كانت مجرد خطة بائسة تم الإتفاق عليها من قبل ديرما ومجلس الشيوخ..كل شيء كان مخططًا له. كان ديرما يعرف أنني سآراقبه بينما يقتل الجندي الذي سرق حياة فتاته الصغيرة سيرا. كان يعرف أنني سأتبعه ولن أبعد ناظراي عنه، وكان قد جهز كل شيء مسبقًا ليبدو منطقيًا تمامًا.
سنُؤسر، سيضع خطة فاشلة نصدقها جميعًا..سيدخل حارس بذيء لينتشل كارين من بيننا، سيتظاهر الحارس كأنه حليف كارين ويطلق سراحها..سيفر ديرما مع جايد بسهولة متوقعة لأنها مجرد مسرحية رديئة على أي حال.
في ذلك الوقت يعود الحارس البذيء ويحقنني بعقار كتب على علبته الزجاجية 70ب، عقار أعرفه جيدًا. وأعتقد أن هذه اللوحة ما هي الا نتيجة لذلك العقار، وربما تكون من أعراضه الجانبية.
بعد أن يصحبني الحارس للخارج ستُطبع عضة الصحراء على جسدي مجددًا..وسأنسى كل شيء مجددًا. كل ذلك بدى مفهومًا، لكن هناك جزء صغير لا أجيد له تفسيرًا..إذا كان أقصى ما استطاع هؤلاء فعله بي هو حقن بعض من العقاقير وسحب الذكريات ثم تركي خاوية إلا من الظلام، فماذا كان ذلك الصوت؟
من الذي كان يطالبني باستماتة أن "تذكري" وسط الغابة؟ من الذي كان يقترب مني تارة تلو الأخرى كلما أختلي بنفسي كل ليلة، من الذي يقبع هناك، خلفي تمامًا في كل ذكرى أسترجعها؟ لا أعرف..لا أعرف سوى أنها امرأة لا توجد فيها من معالم الإناث شيئًا، لا تحرك ساكنًا ولا تلفظ إلا بالقليل.لا أعرف سوى أنها كانت دائمًا خلفي، منذ ولدت وحتى هذه اللحظة، عندما أنام وأستيقظ وأسبح وأجمح..كانت دائمًا تراقبني بهدوء واتقان، وكانت دائمًا أكثر من يعرفني.
من هي؟ لا أعرف..لكنها تقف خلفي الآن. ولأول مرة..انا أراها.
"هم قادمون مجددًا."همست.
"مجددًا.." أجابتني..وابتسمت.
"كل هذا بسببكِ..أليس كذلك؟ هم يريدونكِ أنتِ."
"وأنا أريدكِ."
"أعرف."
فُتحت البوابة بهدوء فتسلل لعيناي ضوءٌ ساطع غير محبب، ثم عاد الهدوء عندما اقتحم سجني تهدج أنفاس أحفظه جيدًا. "هل تحدثين نفسكِ الآن؟" سأل متبسمًا..وبادلته الضحكة بوجه بشوش غلب عليه الاسترخاء.
"قريبًا ستعرف."
"ماذا سأعرف؟"
"أن تلك الليلة كانت غلطة حمقاء."
علت قهقهاته فور أن أنهيت جملتي، وحاول أن يتمالك نفسه محاصرًا فمه الذي غلفه وشاح داكن يحجب عني أغلب تفاصيل وجهه. كان يخفي ملامحه عني، يحسب أن الوجه هو نقطة الضعف الوحيدة التي ستكشف سره الصغير. يخشى أن تذرف لايدا دموعها أمام كبير الشيوخ وتنوح صارخة:"لقد تسلل لغرفتي واغتصبني !" كان أ**قًا..وكم راقني ذلك.
"انت ظريفة، اليس كذلك؟" تمتم أثناء اقترابه أكثر فأكثر، وبادرت هي بالاقتراب من خلفي. إنه مثال حي ل'العدو من خلفك والبحر من أمامك'. مثال حي لبئر داكن لا مخرج منه.
يضيق تنفسي من كل إتجاه حتى يبدو قلبي كصخرة ثقيلة على وشك السقوط..يرخي الشاب كفه الدافئ فوق بطني بتبجح، ثم تهمس المرأة قرب أذني في هدوء، بنبرة باردة يقشعر لها بدني: "هل تريدينني أن أقتله؟"
ماتيلدا.
"هل انت متأكد؟"
"أخبرتك مسبقًا أنني توليت الأمر."
"لقد كذبت! ماذا لو اكتشف هو الأمر؟" صحت، ودلك العميل5 كتفيه بهدوء ونظرة ساخطة لم تنل على إعجابي.
"انا أعرف الرئيس جيدًا."
من ضمن شروط المهمات الخطرة هي أن يبدو مظهرك بسيطًا وعاديًا قدر الإمكان، وبالطبع..عليك أن تخلع قناعك. وكان الفضل في رؤيتي لوجه العميل 5 كاملًا هو ذلك الشرط الغريب الذي نفذناه قبل يوم من الآن.
أكملت التهام أظافري في توتر وداعبت شعري القصير باستمرار. العميل 5 يكذب على الرئيس قائلًا أنني نفذت المهمة بينما لم أفعل. حسب قوانين العصابة هذه خيانة واضحة، الكذب هنا محظور، الكذب هنا يساوي الموت.
وهذا الرجل الغريب أمام عيناي في أتم الاستعداد لأن ي**ن عصابته في سبيل **ب ثقتي. لكن ذلك و بشكل ما زادني شكًا.
"أنت تخدعني." أخبرته، وتن*د بثقل ثم نهض وفتح باب الغرفة متفقدًا الممرات. عاد لإغلاق الباب بعد ثوانٍ قليلة من الصمت، ثم أسرع نحوي وأمسك بوجهي بين كفيه.
"هل أبدو لكِ كمخادع؟"
نظرت لعيناه، زرقاوتين هادئتين. لا تبدوان كأعين رجل مخادع..لكنه مثير للشك. لا أريد أن أجيب بالنفي، لكني لا أقدر على معاداته.
"لا."
"هناك عملاء يراقبوننا من وقت لآخر، وإن كان هناك من ي**عك فهو الرئيس وعملاؤه..ليس أنا. كل ما فعلته هو أنني أقنعتهم بأنهم ينجحون."
بدى مرتاحًا بعد أن أعطيته ردي، وأزحت كفه عن ذقني ثم أشحت بوجهي بعيدًا. كلامه بدى منطقيًا وسخيفًا بذات الوقت، الرئيس يحاول استغلالي، هو يريد شيئًا مني، أدركت ذلك من اللحظة الأولى. ولكن لماذا؟
"ماتيلدا." نادى العميل، وجفلت ملتفتةً نحوه.
"أريني الجرح في ذراعكِ." اقترب برفقة بعض الرباطات القطنية والمطهر، ورفعت الملابس عن ذراعي. لحظات صامتة مثيرة للتوتر..أنامله الباردة تفك الرباطات الملطخة بدمائي وتلف أخرى، منهمك في عمله كطبيب جاد. بينما تتلاقى أعيننا ثم تتفارق كأن شيئًا لم يكن.
أدركت أن غرفة واحدة تجمعنا لم تكن فكرة جيدة، وبدت الأمور هنا وكأنها على وشك أن تأخذ منحنى غريبًا. ولهذا أخفضت كمي فور أن إنتهى ثم وضعت قناعي.
فرقت شفتاي موشكة على الحديث فسبقني العميل: "زهرة جميلة." لامس قلادة صغيرة من فوق ص*ري، وخفق قلبي بقوة كأنه على وشك الفتك بأضلاعي. الدم يسرى في عروقي مسرعًا كأنه سباق لا نهاية له وأخفض عيناي ببطئ نحو القلادة التي تضمها أنامله.
"منذ متى ترتدينها؟ لم ألحظ وجودها سوى الآن."
___________________________________
في الفصل القادم:
المشاعر تكون قاسية أحيانًا..أليس كذلك؟
ما الأصعب من أن تراقب زهرتك الضئيلة منبطحة فوق سرير خشبي غير مريح في غرفة من مخبأ عصابة انت رئيسها؟ ربما أنك، وبالتأكيد لا تستطيع الذهاب للتخفيف عنها مثلما يفعل العميل5.
وذلك لأنك كاذب، كاذب فضل أن يشوه صورته في أعين محبوبته كي ينتشلها من بين الأمواج.
كان يمكنني أن أترك ماتيلدا تذرف أيامها البطيئة في القصر تحت إمرة دوناريل ووالدي..ولكن، مع مرور الوقت سيقل مكوثي في القصر، لن تصير ماتيلدا أمام مرأي بعد سنوات قليلة..وحينما تصل خطتي إلى ذروتها فكل من يبقى في ذلك القصر سيتحول لرماد متطاير.
أجل..لقد كنت أخطط لإنقلاب منذ زمن، ليس إنقلابًا مثل إنقلاب عائلة دايري ورن..ليس التسلل كالفئران وتثبيت القنابل.
بل أنني سأشعل الجحيم متموضعًا تمامًا أمام أعينهم. أنا مايڤ ميين وأنا من أبيد عائلة ميين الملكية للأبد.
المشاعر قاسية، لا شك في هذا.
كم أخدني من وقت حتى أتخذ قرارًا كذلك يا ترى؟ الكثير..كثير جدًا. إنني أحلم بمظهر قصر ميين يحترق منذ عرفت بأمر عائلتي لأول مرة.
الكره لا يموت، كاذب هو من يتحدث عن التسامح كرجل دين..منافق كمن يجني النقود من المياتم ويشتري بها الخمر.
الكره كجبل لا ينحني، وإذا **ر فلا يُمحى..وإذا مُحي فمازالت آثاره موجودة لا تفنى.
أنا أكره هذا القصر منذ الطفولة، وإتخدت قراري منذ نعومة أظافري بلا تردد يذكر..على أليمندرا أن تدخل جيلًا جديدًا من الحكم.
__________________
خلصت
اسفة على التأخير كنت مشغولة عشان انا بزنس مانة????????
حلو؟ كتبتة من غير مراجعة ف...:) سلكولي
اني واي حاسة اني زعلانة اني قتلت كارين..يعني فعلا كنت بحبها بس...اوف...
هيدال هيعمل ايه؟
ولايدا هتقول للمرأة تقتله ولا لا؟
ومين بي**ع ماتيلدا العميل ولا مايڤ؟ ولا محدش؟
وبس والله هروح اموت في السرير والله انا هتجوز سريري لانه الشخص الوحيد اللي بحبه في كل أوضاعه?????