السَلآْم عَلْيُكّمٌ وٍرٍحَمُةّ الله ?
لأُمنياتك المستحيلة:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ﴾
ــــــ ـ ــــــ ـ ــــــ ـ ــــــ ـ ــــــ
تن*دت فاطمة بانزعاج واضح بينما ترفع وجهها من الوعاء الذي وُضع فيه ماء ساخن مع بعض الأعشاب، أزالت الغطاء من على رأسها وجففت جبينها من حُبيبات العرق لتقول بضيق:" هل تُريدون قتلي، لقد أحترق وجهي من شدة الحرارة، أُريد أن أكون ق**حة ما دخلكم أنتم؟!".
ـ أولا هذا يُسمى " حمام بُخار" وهو يجعل بشرة وجهكِ طرية وناعمة، وثانيا لم يتبقى على زواجكِ سوى يومان لذا توقفي عن التذمر حتى تكوني بأبهى حُلة.. أجابتها مُزن بعملية كأنها خبيرة تجميل.
ـ هٌنالك الكثير من الأشياء عليكِ فعلها قبل يوم الزفاف مثل رسم الحناء، واختيار ثوب الزفاف وثوب "الجرتق" والذهاب لصالون التجميل.. أخذت لمياء تُعد لها بينما باقي الفتيات يضحكن على شكل فاطمة التي بدا عليها الهلع.
مُنذ أن أخبر يوسف جدها بموعد الزواج بدأ الأهل والجيران بالتوافد إليهم لمساعدتهم كعادة سودانية عريقة. وفي هذه الفترة
مُنعت فاطمة من الخروج بما يُسمى
بـ" حبسة العروس" حتى يتم تجهيزها للزواج و الاعتناء بها عناية فائقة؛ لتكون الأجمل يوم زفافها.
ذلك الاهتمام الزائد جعلها تشعر بالغضب؛ فهي لم تتعود عليه يوما، كما أنها تكره أن يٌجبرها أحد على فعل شيء لا تُريده.
هربت فاطمة إلى غُرفتها عندما اشتغلت الفتيات برؤية " الشيلة" ـ الملابس التي يجلبها الزوج لزوجته ـ لتأخذ هاتفها عندما أضاء باسم يوسف.
ـ ماذا تُريد؟ أجابته ببرود قبل أن يصلها صوته لتشعر بالأحراج فهي دائما ما تُفرغ عصبيتها فيه!.
ـ وعليكم السلام ورحمة والله... أراد تذكيرها لتُغير فاطمة من نبرة صوتها ثم حادثته بهمس:" أنا أعتذر كنتُ غاضبة"
ـ من الذي أغضب زوجتي قبل يوم زفافها؟!
مجرد سماعها لكلمة " زوجتي" سبب لها قُشعريرة في جسدها وكأن الفراشات تحوم في بطنها! وكم أرادت أن تُلقي الهاتف بعيدا حتى لا تسمع المزيد من هذه الكلمات فمُنذ أن تم عقد قرانهما في المحكمة وهو لا ينفك من مُغازلتها بها!.
ـ أنت بالطبع...
ـ ما الذي فعلته؟ سألها بنبرة هلعة.
ـ لن تُخرجي من المنزل بعد اليوم فزواجك قريب، لن تقومي بالأعمال المنزلية فيجب تجهيزكِ للعُرس، عليكِ أن تزيدي من وزنك قبل الزواج فأنتِ نحيفة جدا. لقد زاد وزني وكُل هذا بسببك أنت... هتفت فاطمة فجأة وفي داخلها شعور بأن حديثها غير منطقي ولا يمُت له بصلة، لكنها ببساطة أرادت شخصا تتحدث إليه.
انتظرت رد فعله طويلا وظنت أنه سينفعل فيها غاضبا كما يفعل الأخرين لكن صوت ضحكاته أنساب إليها لتعقد حاجبيها وتسأله بدهشة:" هل تضحك علي؟!".
ـ أنتِ جميلة كما أنتِ لا داعي لفعل كل هذه الاشياء.
وها قد عاد قلبها للخفقان مرة أُخرى لتتلعثم في حديثها لكنها كابرت كعادتها لتٌجيبه بعد لحظات:" لِما لا تُخبرهم حتى يتوقفوا عن إزعاجي" .
شعرت فاطمة بتن*ده ولكن ما باليد حيلة فقلبها مُلأ بالثلوج حتى تجمدت المشاعر بداخله، لن تكون يوما تلك العفوية اللطيفة التي تتحكم بها مشاعرها، قد يخفق قلبها في كل وقت تستمع فيه إلى صوته لكنه سيظل ذاك الغريب الذي دخل حياتها عنوة دون استئذان!.
ـ سأُعاود الاتصال بكِ لاحقا فأمي تُنادي علي.. جاءها صوته بعد لحظات وكم تمنت أن تقول له لا تذهب فأنا لم أشبع من صوتك بعد، ولأنها فاطمة قامت بتوديعه فقط ثم أغلقت هاتفها محاولة عدم التفكير فيه لكن محاولاتها باءت بالفشل!.
وضع يوسف الهاتف جانبا عند سماعه لنداء والدته ليُجيبها من فوره سامحا لها بالدخول.
ـ لماذا لا ترد علي، صديقك مُحمد ينتظرك في الأسفل.
ـ أعتذر منكِ يا أمي سأذهب إليه في الحال.
توجه إلى صديقه بينما وقفت رُقية تبحث عن ابنتها وهي تهمس بغضب:" تلك الفتاة ال**ول إلى أين تذهب كلما جاءنا ضيوف؟!".
كانت ملاذ تقف خلف أحد الأعمدة الموجودة تحت السٌلم بينما تسترق النظر إلى مُحمد الذي جلس في احدى الأرائك التي تٌقا**ها مما سمح لها برؤيته دون أن يشعر بها. كان يرتدي "جلابية" بيضاء ويضع شالا مُزخرف في كتفه، زيّن قدماه بـ"مركوب" بُني اللون. وقف مُسلّما على يوسف فور رؤيته له ثم جلسا ليحجبه أخاها عنها.
ـ هل عليه أن يجلس في هذا الكُرسي؟
همست ملاذ بضيق لكن انزعاجها تحول إلى خوف حال سماعها لنداء والدتها لها. هرولت بسرعة نحو المطبخ وبدأت بإعداد القهوة قبل وصولها.
ـ أين كُنتِ قبل لحظات ألم تسمعي ندائي؟.. صاحت رُقية بصوت عالي واضعة يديها على خصرها لترد عليها بتلعثم:" ذهبت إلى غُرفتي حتى أجلب حجابا فقد جاء صديق أخي ".
ـ هيا أعدي القهوة بسرعة، لا تجعلي ضيفنا ينتظر.
أومأت لها برأسها ثم ابتسمت حال تذكرها لملامح مُحمد " توقفي عن التفكير فيه؛ فهذا لا يصح!".. حادثت نفسها علّها تعود إلى صوابها فهي تفقد السيطرة على تصرُفاتها في كل مرة يزورهم فيها!.
دلفت إلى غُرفة الجلوس حاملة آنية القهوة وواضعة فيها بعض " البخور" والم**رات، تأكدت من تعديل حجابها قبل أن تُقدمها له، ليحمل "فنجان القهوة" دون النظر إليها فعيناه لا تُفارقان الأرض إطلاقا.
بعد أن أنهت ضيافتهم انتبهت فجأة إلى شكل "الفنجان" الذي يحملهُ يوسف لتقول له بتوتر:" لا تشرب من القهوة يا أخي!".
ـ لماذا، هل وضعتي لي فيها سُما؟!..
سألها مُمازحا.
ـ هذا، لأن... أجابته بتلعثم عندما لاحظت نظرات الجميع المصوبة نحوها.
ـ أنت تحمل فنجان القهوة الخاص بي... علل له مُحمد بعد أن رسم ابتسامة على ثغره.
ـ وكيف علمت ذلك؟.
ـ يبدو أنها انتبهت لأني أشرب القهوة بعد أن تبرد تماما ولا أضع فيها أي سكر.
ـ هكذا إذن... قال له يوسف ثم تبادلا الأكواب، شعرت ملاذ بالراحة لأنه أجاب عنها لكنها لاحظت ابتسامته التي يُحاول إخفائها لتهرب إلى المطبخ فورًا!.
ـ إنه يعلم بأمر مراقبتي له! همست لنفسها بذعر ووضعت يدها على قلبها علّها تٌخفف من وقع دقاته.
ركضت إلى غُرفتها مُغلقة الباب خلفها ثم حملت هاتفها لتتصل على قريبتها.. انتظرت قليلا حتى جاءها صوت ناعس لتصيح عليه بهلع..
ـ إنه يعلم بأمري! إن أخبر أخي فأنا حقا سأموت خوفا.. ما الذي علي فعله يا وجن؟
ـ إن كان موضوعك يتعلق بمُحمد فأنا سأحظر المُكالمات الواردة منكِ حتى أرتاح من قصة حُبكِ السخيفة وأستطيع النوم بسلام..
ـ أنتِ قاسية جدا معي! كيف تتصرفين مع ابنة عمك بهذا الشكل؟!.
وصلها صوت ملاذ الباكي لتتن*د بضيق واضح لكنها تمالكت نفسها.. " أنا لا أقصد أن أقسو عليكِ لكنني أُريدكِ أن تكوني واقعية أكثر، إنه صديق أخاك قبل كل شيء، وهو يكبرك بعشر سنوات أنتِ في العشرين من عمركِ يا صغيرتي وما زال تفكيرك طفوليًا ".
ـ الحُب لا يعرف عُمرًا، ما ذنبي إن كان قلبي قد مال له؟!
ـ وما ذنب قلبكِ إن كان هو لا يُبادلكِ نفس المشاعر؟
ـ هذا ليس عادلا... صاحت ملاذ بانزعاج وقد امتلأت عيناها بالدموع.
ـ أنا يا صغيرتي لا أُريدكِ أن ترتكبِ نفس خطأي! الحياة قد تكون قاسية معكِ.. تمنحك السعادة حينا ثم تسرقها منكِ فجأة!.. لا تُحاولي التشبث بأشخاص لا يكنون لكِ نفس المشاعر فعند أول منعطف سيفترقون عنكِ وكأنكِ شيء عابر في حياتهم.
ـ هل أنتِ بخير؟ سألتها ملاذ بقلق وقد نسيت سبب اتصالها بها.
ـ اليوم رأيتهٌ مع زوجته لقد كان سعيدا جدا وكأنهُ لم يدمر حياتي!.
ـ وجن أرجوكِ أنسي أمر ياسر، هو صار من الماضٍ الأن وأنتِ لن تتأثري بعودته أُريد أن أراكِ قوية كما عهدتُكِ.
ـ سأُحاول... أجابتها باختصار ثم أغلقت الهاتف بحجة أن عمتها تُنادي عليها.
أحنت رأسها في الطاولة التي بقربها وسمحت لدموعها بالنزول كانت روحها مُتعبة جدا أنهكها كُتمان الحُزن في قلبها بينما تُظهر للجميع أنها الأسعد في العالم.
ـ ما زلت تُحبين هذا المعتوه؟! أنساب إلى مسامعها صوت غاضب تعرفت على صاحبه بسهولة. مسحت دموعها بسرعة وعدلت حجابها قبل الالتفات إليه..
كان مُهند يتكئ على باب غٌرفتها وقد كتف يديه حول ص*ره لتقول له بنبرة حادة:" كيف تدخل إلى غرفتي دون أذن هيا أخرج منها حالا.. " حاولت دفعه لكنه لم يتزحزح من مكانه شبرا واحد فبُنيته قوية .
ـ هل ستقضين حياتكِ في التحسر على ماضٍ لا يستحق؟! لِماذا لا تجعلي الحياة تستمر؟.. لِما لا تُحاولين النظر إلى حاضركِ لعل هنالك أشخاص يكترثون لأمركِ أكثر منه..
فهمت وجن أنه يقصد نفسه بحديثه لكنها كابرت كعادة الأنُثى التي يملاؤها الكبرياء ومنعت قلبها من الضعف أمام أي مشاعر أُخرى!.
ـ فقط أخرج من غُرفتي.. همست له بعد لحظات ليُسقط يداه ويخرج دون أن ينبس بكلمة أخرى، توجه إلى غُرفة التدريب الخاصة به علّه يُفرغ غضبه في كيس المُلاكمة بدل أن يتعدى على أحدهم!.
كانت صفاء تُراقب كل شيء من بعيد وقد شعرت بالحزن من الحالة التي يمر بها ابنها بسبب ابنة عمه وجن لتتوعد بتلقينها درسا لن تنساه في حياتها.
ــــــ ـ ــــــ ـ ــــــ
حل مساء اليوم الموعود، كان يوسف يقف أمام سيارته مُنتظرًا خروج فاطمة. تأمل نفسه للحظات كان يرتدي ثوب " السُرّتي" التقليدي وهو عبارة عن قميص أبيض طويل يصل إلى ما بعد رُكبتيه ومعه بنطال أبيض واسع وأخيرًا شال مخطط باللونين الأبيض والأحمر، وُضع في كتفه الأيسر مع طاقية/قبعة من نفس اللونين.
ـ هل أنت مُتوتر؟ أتاه صوت مازن وتبعه مجموعة من الضحكات الخافضة.
ـ سأكون بخير إن أغلقت فمك..
كاد مازن أن يرد عليه لكنه لاحظ خروج فاطمة وحولها مجموعة من الفتيات ليهتف بسعادة:" أخيرا ظهرت زوجة أخي، الحمد لله ما زال زوجكِ يقدر على الوقوف".
لكزه يوسف في بطنه وألتفت نحوها.. كانت ترتدي فُستان أحمر اللون فوقه ثوب حريري مُوشح بزخارف ذهبية بما يُعرف
بـ" التوب السوداني" استعدادًا لأهم وآخر طقس في الزواج وهو " الجرتق"، وقد مُلأت يداها "بالحناء" وبعض الأسورة المصنوعة من الذهب الخالص مع قُماشة من الحرير الأحمر في وسطها خرزة كبيرة تركوازية اللون.
لم يستطع يوسف رؤية وجهها؛ فقد وُضع غطاء حريري فوق رأسها يُغطيها تماما.. توجه نحوها راسما ابتسامة واسعة وأراد أن يُزيح الغطاء عنها لكن جدته منعته من ذلك ثم قالت له:" لن ترى زوجتك الأن ".
ـ لكن لماذا يا جدتي؟! لقد مُنعتموني من رؤيتها لأسبوعين كاملين أرجوكِ رفقا بقلبي..
ضحك الجميع من صراحته المُفرطة لكن جدته مسحت على رأسه ثم مازحته بقولها:" أرجوك كُن عاقلا من أجلها لا يسعني أن أتخيلك زوجا لهذه المسكينة! ".
ـ يكفي مُزاحا هيا أعطوني زوجتي الأن.. هتف يوسف بانزعاج ثم أمسك يدها وقادها إلى مكان الحضور.
جلس الأثنان في "عنقريب" وهو عبارة عن سرير خشبي فوقه قطعة مُزخرفة وبدأت النسوة في طقوس "الجرتق" وسط زغاريد الفرح الممزوجة بالأغاني الشعبية العريقة.
وأخيرا طُلب من يوسف رفع الغطاء قليلا حتى يتمكن من رؤيتها لوحده ليشعر بالسعادة لكن ما لبثت أن تحولت سعادته إلى حُزن حال رؤيته للدموع التي تملأ مُقلتيها!.
كانت تبكي وكأن الحُزن يأبى أن يُفارقها! لم يقدر يوسف على تهدئتها حتى لا يقلق الجميع لكن حال ركوبهما في السيارة وتوجههُما نحو الشقة التي سيبيتان فيها قبل سفرهما إلى مدينة "بورتسودان" حاول أن يتحدث إليها..
ـ هل أنتِ حزينة بسبب هذا الزواج؟ هل فعلتُ شيئا خاطئا سبب حُزنك؟ أرجوك كوني صريحة معي..
ـ لست السبب يا يوسف.. أجابته بينما تنظر من خلال النافذة حتى لا يُلاحظ حُزنها!" كل ما في الأمر أني أفتقد أُمي وأتمنى لو كانت معي في هذا اليوم ".
ـ أنا أسف.. أجابها بحزن واضح، كانت ستسأله عن سبب اعتذاره لكن السائق
أعلن وصولهما إلى الشقة.
يتبع...
أعتذر عن التأخير هاتفي كان مُعطلا ?
هذا الفصل بداية للأحداث المهمة في الرواية وستظهر بعده المزيد من الشخصيات.
"الجرتق"
هو طقس مهم في الزواج السوداني، ويتم في نفس ليلة الزفاف، ترتدي فيه العروس التوب السوداني والعريس يرتدي ما يُعرف بثوب السُرّتي.
" جلابية"
هي مثل الملابس التقليدية التي يرتديها الرجال في السعودية مع العُقال، بينما نحن نرتديها مع العُمامة أو الطاقية.
" مركوب"
هو حذاء رجالي تقليدي مصنوع من الجلد.
"بورتسودان"
مدينة ساحلية تُطل على البحر الأحمر، وهي كنقطة عبور إلى بلاد الشرق الأوسط.