استهلال
ليس ثمة جرح لا يمكن التخلص منه
إنني عميق الإقتناع بذلك؛ بوسع الناس أن يحولوا ندوبهم إلى قوة
وليس ذلك بالامر السحري
ذلك يستغرق بعض الوقت، وغالبًا لا يشفون بالكامل
لا يختفي الالم بالكامل حقًا، إنه يبقى جاثمًا في أعماقنا
إلا انه يجعلنا نواصل الحياة ونواصل طريقنا.
-غيوم ميسو-
•¤•¤•¤•
"من أخطر العلاقات على الاطلاق هي علاقة (الحبل السري) .. وفيها يكون أحد الطرفين هو المص*ر الوحيد لكل شئ بالنسبة للطرف الثاني .. مص*ر الحب، الحنان، ال
***ة، والامان .. يعمل جاهدًا على تجريده من كل المصادر الاخرى، أحباء، أهل، أصدقاء حتى لا يبقى له سواه .. لا حياة بدونه، لأنه هو مص*ر الحياة .. وفي المقابل يكون الطرف الثاني شديد الإعتمادية والسلبية في تلقى كل هذا .. ومن هنا يأتي التناغم بينهما، حيث يستمد الطرف الأول قوته وأهمية وجوده في العلاقة من ضعف وإستسلام الآخر، وكأن بينهما حبل سري خفي مزدوج الإتجاه .. أعتقد أن هذا هو الاساس الذي تقوم عليه العلاقة الس***ة .. وهناك نوع آخر من العلاقات لا يقل خطورة عنه وهو علاقة (ا***ى) .. وهنا أحد الطرفين لا يرى الطرف الثاني .. أقصد لا يراه حرفيًا .. بل يرى بدلًا منه شخصًا آخر .. يحمل بداخله مشاعر قديمة مخزنه منذ زمن تجاه شخص معين شكل مرحله مهمه بحياته .. حبيب سابق، أخ، أب، أم، أو حتى صديق .. ويبدأ يتعامل مع شريكه فالعلاقة بنفس هذه المشاعر .. وليس فقط المشاعر، بل بنفس إدراكه وفهمه وردود أفعاله وتأويله لتصرفات الشريك، وكأنه يرى صورة الشخص القديم متمثله به .. ومع الآسف، هذا يحدث دون حتى أن ينتبه أيًا من الطرفين"
أزيز إهتزاز الكرسي إرتجاعًا وإرتدادًا كان له صوت رتيب الإيقاع ولكنه مرخي للاعصاب .. عينيه الواجمه بضيق لا ترف، ولغة جسده المتنبة تخبرك بأنه يكثف جُلَّ تركيز وحواسه لإستيعاب ما يسمع .. ليس فقط إستيعابه، بل إخضاعه لعميله معقده من التحليل والإختبار، ليبدأ في خوض معركة طاحنه بعدها مع معتقداته العتيقة.
تأمل دكتور 'مايك' معالم التفكير والصراع تزحف على وجه الآخر .. ثم إستكمل بطريقه حثيثه وكأنه يسير على طبقة هشه من الجليد: " 'أدهم' .. أنت أعتمدت في علاقتك بـ 'فريدة' على كلا الشكلين .. أردت دمجها وربطها معك في علاقة (الحبل السري) تحت مسمى الس***ة .. أردت تجريدها من أي بديل آخر أو محتمل لما تمنحه لها من حب وإهتمام وأمان، حتى لا يبقى إمامها سوى إختيارك .. كنت تخشى الإختيار 'أدهم'، تخشى إذا أُتيحت أمامها البدائل تختار شخص آخر غيرك .. هذا لإقتناعك عميقًا بعدم إستحقاقك بها، وأنك غير كوفئ لها .. وعلى ما يبدو أنها تداركت بخبرتها العلمية ما تفعل وشعرت بخطورة مثل هذه العلاقة، وأرادت تقويم حدود للعلاقة لحمايتها وحمايتك .. ولكن هذا لم يتسبب لك سوى في تأكيد شعورك بعدم الاستحقاق، وأنها ليست بحاجة لك أو بحاجة لأيًا مما تمنحها، مما يعني أنه في إمكانها تركك وقتما شاءت .. والذي بدوره أعاد لك الذكريات وما تم تخزينه من قبل من خبرات عن الترك والاستغناء والخيانة، جميعها أسهمت في إنخراطك في علاقة (العمي) .. كل المشاعر المكثفة بالغضب، والشك غير المبرر التي كانت تملؤك بإستمرار دون سبب منطقي تؤكد هذا، خاصة وقد أخبرتني أن 'فريدة' تشبه في طباعها وإنعدام خبرتها الس***ة بشكل كبير 'ليتى' .. هذا كان سبب إنجذابك الجارف لها من البداية، ودليل أقوى على أنك لم تكن ترى 'فريدة' بالاساس في تلك العلاقة!!"
مع إنتهاء آخر جملة أوقف أدهم إهتزاز كرسيه، وإنفك جموده وخرج صوته دون أن ينظره بنبرة خافضه خطيرة، بينما يضم قبضته أسفل ذقنه المشذبه: أتقصد أنني لم أحب 'فريدة'؟؟
عقد مايك حاجبيه ثم أجابه مصححًا: انا لم أقل ذلك!!
ثم إعتدل بجلسته يقترب منه مسترسلًا: أنظر 'أدهم' .. علاقتك بها كانت مؤذية وغير صحية بنسبة كبيرة، مما يعني أنها كانت ولابد أن تنتهى بشكلًا ما، إذ لم تقودك إلى نهاية كارثية .. أما فيما يخص حبك لها من عدمه، فهذا تحديدًا ما نحاول فحصه معًا خلال جلساتّنا.
شق ثغره بصعوبه شبح إبتسامه وهو يهز رأسه بإستنكار: بحق الجحيم، أي نهاية يمكن ان تكون كارثية أكثر مما حدث؟!
ثم أضاف بفظاظه وهو ينهض: ثم انا أدفع لك ثروة ليست بصغيرة على مدار أكثر من سنة لكي تريحني، وليس لتشكك بما أشعر به!!
إتجه بعدها ليصَبّ لنفسه من ذلك الشراب الذي رغم تذمره من رائحته النفاذه، إلا إنه يساعد لسانه على التحدث دون عائق .. دقائق مضت إنتظر بها مايك منه أن يهدئ: حسنا، على ما أتذكر أنك مَن إخترت هذه النهاية بإرادتك، حتى دون أن ترجع لها في ذلك!!
شرد أدهم لأكثر من ثانية وبدا انه يفكر بالامر، ولكن ذلك لم ينجح، فقد جعد بعدها انفه بتقزز وهو يلقي الكوب بالقمامه قائلا بإشمئزاز: مذاقه كالبول!! .. أليس لد*ك أي شراب مثل العالم؟؟
خلع مايك نظارته الطبية بيأس: هذا شراب بابونجي وليس بول .. وأنت بعيادة نفسية لذلك لن تجد شراب!! .. والان رجاءً لا تتهرب من الإجابة كلما تطرقنا إلى تلك النقطة!!
يضغط عليه، كان يعلم ولكنه أرهقه طوال خمسة عشر شهرا منذ أن جاءه أول مرة يشكو من الارق الحاد وإضطرابات النوم مع أعرض إكتئاب جسيم كان سيفضى بحياته إلى الإنتحار حتما .. يعترف، شخصيته صعبة ومميزه، ليس من السهل إختراقه أو التعامل معه، ولكن مايك بشخصية الذكية إجتماعيا إستطاع **ر الحاجز بينهما و**ب ثقته حتى أصبحت العلاقة بينهما تعتبر صداقة أكثر منها علاقة علاجية.
أردف مره أخرى ليحثه: 'أدهم' .. ظنك بأنك قد أنهيت هذا الامر دون راجعة يبدو أنه ليس مقنعا ابدا لعقلك الباطن ومشاعرك، التي مازالت تحارب بضراوة للبحث عن أي منفذ لإعادة فتح الامر ثانية والتفكير به من جديد، علَّها تصل لحل مرضي أكثر مما أخترته أنت .. وهذا واضح جدا في طبيعة أحلامك المتواتره عنها وعن لقاءك بها والمحادثات التي قد تجرى بينكما .. هذا اذا كان له دلاله على شئ، فهو أنك عميق الاقتناع داخليا بإمكانية رؤيتها يوما ما وفض هذا الصراع المحتدم داخلك .. لذا كلما تحدثنا عن الامر، كلما أصبح من السهل تخطيه!!
تلاقت أعينهم لأكثر من لحظة وكأنه يخبره بأنه قد وضع يده على المشكلة الان .. تخللت أصابعه بين خصلاته وهو يلتمس طريقه إلى الكرسي مرة أخرى .. ثم إفترقت شفتيه بطريقة خالية من الحياة: لا تمر ليلة عليَّ دون التفكير في ذلك اليوم .. أفكر وأفكر وبالنهاية أصل إلى أن ما فعلته كان الانسب لها .. ذلك اليوم كنت هناك، أقضي اليوم كباقي الايام منتظر بالخارج، حين لمحت الاطباء يهرعون في الرواق جهة غرفتها، عرفت حينها بأنها إستعادت وعيها .. رغم تلهفي لرؤيتها والاطمئنان عليها إلا انني لم أجرؤ على الدخول، خشيت ان تؤذيها رؤيتي، توقفت قدماي عند حافة الباب، ولم أستطع التوغل للداخل .. همهمات الاطباء كانت تصلني بوضح إلا أنني كنت أفتقد صوتها الغائب بينهم، وعيناي لم تستطع الوصول لها وسط تجمهرهم حولها بعد أن منعوا والدتها وأخيها من الدخول .. مضت دقائق قبل أن أسمع صوت صريخ متحشرج مكتوم جعلني أقتحم الغرفة ﻷراها وهي تصارع الاطباء بهياج هستيري إستدعاهم لتخديرها بمنوم .. بداخلي توقعت حدوث هذا لكن بالخارج علمت أنه لم يكن بسبب ما فعلت بها .. بل ﻷنها عندما افاقت أكتشفوا .. أكتشفوا أنها تعاني من شلل كامل بالوجه .. لذلك هي لم تستطع التحدث!!
أرتعشت العضلة التي بفكه لشده جزه على اسنانه وتوقف عن الحديث .. إلى الان مازال يتذكر جيدا صدمته وهو يستمع لما تسبب حقنه المتعدد لها ب(الريتالين) من حدوث تورم بالعصب الوجهي المسئول عن تحريك عضلات الوجه، أدى إلى شلل بكلا جانبي الوجه .. هو مَن فعل بها هذا .. هذا صنيعة يداه .. هو مَن سلبها الحياة وتركها أقرب إلى الجثة .. فلتلاحقه ا****ة أينما ذهب!!
إبتلع بصعوبة وهو يكمل: بالكاد كانت تستطيع إخبارهم بما يؤلمها، لا تستطيع إطباق جفنيها أو الإبتسام .. لا تستطيع حتى البكاء، لجفاف حدقتيها .. وبالطبع بعد سبعة أشهر راقدة بغيبوبة لا تستطيع المشي .. لهذا اصيبت بصدمة عصبية عندما أكتشفت عجزها الكامل .. عندما خدروها إستطعت رؤيتها، ولم أكن أدرك انها اﻷخيرة .. فحين إستفاقت وبدأت بتقبل حالتها إستكمل الاطباء فحصها وهنا بدأ القلق يتزايد .. بالبداية لم تكن تتذكر أين هي أو ماذا حدث، وأرجع الاطباء ذلك لطول غيبوبتها، لكن بعد أن دخل كل من والدتها وأخيها ومريم للأطمئنان عليها إكتشفوا أنها لا تتذكر شيئا سواهم .. لا تتذكر مريم، لا تتذكر بأي بلد هي أو بأي سنة .. لا تتذكر سوى أنها بالسنة النهائية من الجامعة .. أي انها فقدت خمس سنوات من عمرها، لا تتذكر عنهم أي تفصيله!! .. لا تتذكر كاليفورنيا، بعثتها، وعملها .. لا تتذكر 'بن' .. لا تتذكرني، ولا انها قد تزوجت بيوم!! .. والأهم انها لا تتذكر ما حدث!!
إبتسم بعاطفة وحزن داكن بينما تنخرط دمعه على طول وجنته اليمنى وهو يريح ظهره بالكرسي ليبدأ بهزه مره أخرى وكأنه إنفصل عما حوله تلك اللحظة.
هنا أضاف مايك بدلا منه وهو يعيد إرتداء نظارته: فقدان ذاكرة إنتقائي .. هذا أحد الاعراض الشائعة ﻹضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وفيه يرفض المريض تذكر فترة معينة من الماضي ويقرر حذفها من الذاكرة لمده من الوقت تدريجيا حتى يكون ذو قدرة على تقبل واقعه وما حدث .. لكن ما لا افهم، لمَّ تركتها بالرغم من أنها كانت فرصة جيده لك ﻹصلاح ما حدث حتى يحين وقت تذكرها .. فربما تعبيرك عن تغيرك كان ليشفع لك وقت المواجهه.
أومئ بخفة وتعابيره كتلة قاتلة من الحزن والندم: انا أيضا كنت أظن هذا .. لكن باللحظة التي ترددت قدماي على أعتاب الغرفة مرة أخرى وبزغ بداخلي رهبة وخوف من لقاء عينها، فطنت السبب .. تساءلت حينها بداخلي، ماذا سأقول لها الان، هاي فريدة انا زوجك، ألا تتذكريني؟! .. وأي رواية سأروي الان؟؟، هل سأكذب؟!، أستمر بخداعها؟! أتستحق مني بعد كل ما حدث؟! .. ما حدث لم يكن فرصة جيدة من أجلي، بل ﻷجلها هي .. ﻷجل أن تبدأ حياتها من جديد دون أشباح الماضي، من دوني، هذا ما تستحقه .. لمَّ حقا سأفسد ما تكفلت العناية الإلهية بإصلاحه؟؟ .. تراجعت بخزي وجبن حتى من وداعها .. أترى؟؟ كنت أجبن من توديعها للمرة الأخيرة!! .. لم أكن أضمن ماذا سأفعل حينما تتلاقى الأعين .. لفرط حبي بها لم أستطع أن أكون معها .. النهاية.
أردف مايك: حسنا، عليَّ ان اقول ان عقلك الباطني وقلبك لم يتقبلوا هذه النهاية .. كما أخبرتك، ما حدث يندرج تحت المواقف غير المنتهية .. وهروبك منها لن يحلها أبدا بالع** يزيد من حده الصراع النفسي داخلك!!
تشنجت ملامح أدهم بإنفعال: ماذا عليَّ أن أفعل وا****ة!!
تن*د مايك قبل أن يقول ما ينهي به الجلسة: بهذه المواقف ليس أمامك الكثير من البدائل لحل هذا الصراع .. يجب أن تتقبل عواقب قرارك هذا وتعمل على تحسين شعورك بالرضا تجاهه، بدلا من إتخاذه كعقاب نفسي قاسي ومؤذي بالتأكيد سيفضي بك للجنون يوما ما .. أنت حكمت على نفسك بالحرمان من حبك الوحيد وتوقف شعورك بالحياة بدونها .. فإما أن تتوقف عن التعامل معه كعقاب والمضي بحياتك، أو أن تخطي مخاوفك وتنفذ رغبة قلبك وعقلك في حل هذا الصراع بالمواجهة الحقيقية .. مواجهة فريدة!!
#يتبع
● ● ●
ليس ثمة جرح لا يمكن التخلص منه
إنني عميق الإقتناع بذلك؛ بوسع الناس أن يحولوا ندوبهم إلى قوة
وليس ذلك بالأمر السحري
ذلك يستغرق بعض الوقت، وغالبا لا يشفون بالكامل
لا يختفي الألم بالكامل حقًا، إنه يبقى جاثمًا في أعماقنا
إلا انه يجعلنا نواصل الحياة ونواصل طريقنا.
-غيوم ميسو-
•¤•¤•¤•
مصر .. القاهرة
داخل هذا المطعم الأنيق، وعلى طاولة تطل على النيل، تعالت أصوات فلاشات متتالية لكاميرا فوتوغرافية صغيرة، كانت تتص*ر وجهها بإزعاج محبب، لتندلع منها ضحكات عالية، وكأن ما يحدث يدغدها!!
"كفى .. كفى تصوير 'سارة'!!"
أزاحت الكاميرا عن وجهها وهي تمرر الصور برضا بعد أن أخذت كفايتها منها، لترد بعدها بتوبيخ:
- توقفي انتِ عن إفساد فرحتنا وابتسمي بإتساع .. هيا، هل كل يوم نحتفل بشفائك؟!
إبتسمت فريدة بتلقائية لدى سماعها للجملة الأخيرة ثم أدرفت بنبرة يشوبها الشجن:
- مازلت لا اصدق أن هذا الكابوس قد انتهى!!
- صدقي 'فريدة'!! .. هذه كانت الجلسة الأخيرة من العلاج الفيزيائي، تستطيعي الآن وضع أضخم إبتسامه في الكون!!
إلتفتت لجملة مراد التي ألقها وعلى وجهه اكثر التعابير غبطة .. كان واضحًا حقا أنه سعيدًا من أجلها، وهذا تحديدًا ما جعلها ترتبك .. تأملتهما سارة بنظرة ذات مغزى، قبل ان تسحب حقيبتها وتنهض معلنة:
- سأذهب انا الآن لأحضر الصغيرات من المدرسة .. لا تطلبوا الطعام بدوننا، لن أتأخر!!
أومأت لها فريدة وتتبعتها بنظرها وهي ترحل لتنتبه لمراد الذي تقدم بجلسته منها مبادرا:
- أخبريني .. ما خططك القادمة؟؟
عقدت فريدة حاجبيها:
- خطط؟؟ .. أي خطط؟؟
تذمر مراد:
- هيا 'فريدة' .. لابد أن نتنبهي قليلًا لمستقبلك، الحياة مازالت أمامك!!
تن*دت فريدة ببطئ وهي تغوص بكرسيها مغمغمه بشرود:
- لا أعلم .. ليس لدي أي خطط .. كل ما كنت أريده هو أن أعود للتحدث من جديد وأتخلص من ذلك الشلل الذي إجتاح وجهي وجسدي .. أشعر بأنني مشوشه قليلًا، مازلت أواجه صعوبة في إستيعاب كل ما حدث .. أعنى، أنت ليس لد*ك أي فكرة، كيف تنام وأنت في العشرون من عمرك، لتستيقظ وتجد نفسك بالسادسة والعشرون وقد إنقلب كل شيئًا بحياتك .. لا تستطيع التحدث، البكاء، التعبير عن صدمتك، لا تستطيع التحرك ودخول المرحاض بمفردك .. لا تستطيع حتى إغلاق جفنيك لأنك تعاني من شلل لعين يحرمك من ذلك .. ستة سنوات كاملة سُرقت من حياتك، ستة سنوات حدث فيهم أكثر مما تمنيته يومًا، ولكن لحظك التعيس أنت لا تذكر أي شيئًا عنه!! .. أخذت بعثة تفوق، حضرت الماجستير وحصلت على الدكتوراه، عملت بالخارج لسنوات بمفردي، وتزوجت!! .. ولأنني لم آخذ كفايتي من الصدمات، لم أجد ذلك الذي يسمى 'زوجي' بجانبي، ولا حتى أعرف مَن هو .. فقط هكذا، بمجرد أن أستيقظ أنا من غيبوبة دامت سبعة أشهر، يختفي هو، ويبدأ العالم كله في البحث عنه ومطاردتي بأسئلة لا أعرف إجابتها، ﻷنه -ولشقائي- كان شخصية عامة .. فإذا كان سؤالك هو هل أملك خطط لحياتي، فلا 'مراد'، أنا لا أملك أي خطط لحياتي، ﻷنني ببساطة أشعر بأنني قد عشتها وأنهيتها مبكرًا دون حتى أن أتذكر أنني فعلت!!
صفحة وجهها خالية من أي عاطفة، إبتسامه ساخرة تلوح على ثغرها .. تتحدث وكأنما الأمر برمته لا يعنيها .. إنتهت لتفتح زجاجة الماء وتفرغ منها قليلًا بكوبها وترتشفها دفعة واحدة .. لم تخف عن عين مراد الرجفة الواضحة التي إجتاحت أصابعها .. عُطب ببعض الأعصاب الطرفية، أخبره عنه طبيبها المختص وأنها ستعاني منه على المدى البعيد، ولا يزال السبب مجهول!!
أغمض عينه بآسى ليتنحنح ثم سألها محاولًا الوصول إلى شئ:
- ما آخر تطورات علاجك النفسي؟؟ .. ألم تستردي أي شئ من ذاكرتك؟؟ .. أعني لقد مضى أكثر من سنتان، وليس هناك حتى أحلام حول الحادث؟!
هزت فريدة رأسها بالنفي:
- لا .. الأمر ليس بهذه البساطة مراد .. ما اعلمه عن الأمر انه يكون تبعًا لحجم الصدمة النفسية ومدى تأثيرها على العقل .. فكلما كانت صعبة، كلما طال مدة فقدانها .. وانا لا اعرف بالضبط ما حدث، سوى ما سمعته حينما إستفقت منكم عن حادثة إختطاف أو ما شابه .. أيضا الأمر يتوقف على إستعدادي النفسي لتقبل هذه الصدمة الآن، وانا لا أعرف مراد، أنا فقط كلما فكرت في الأمر، أو حاولت تذكر أي شئ، أجد حائل ضبابي ضخم يضغط على عقلي ويقبض قلبي .. حتى الأحلام كانت متداخله وقوية في للبداية، أم الآن فليس هناك أي شيئا عنها!!
- ولا حتى حول أدهم؟!.. زوجك أقصد؟؟
ضاقت عينها لجزء من الثانية، ثم إستعادت ملامحها اللامبالية مرة أخرى:
- أنا حتى لا أذكره سوى من حديثكم عنه .. فكيف لي أن أحلم به .. ولكن أتعلم 'مراد'؟؟، يراودني شعور قوي أن كل الإجابات التي أبحث عنها لدي أدهم هذا!! .. أعني، إختفائه المفاجئ غريب، لا شبه جنائية حول الأمر، حتى عائلته أثارت حملة بحث ضخمة حوله لفترة ثم خَبَىَ كل شئ وسكن فجأة .. أتعرف ما هي خطتي؟؟ أول شئ سأبدأ به هو البحث عنه والتحري فيما صار لي قبل الحادثة!!
- لا!!
هتف بها مراد زاجرا إياها وهو يستكمل بنبرة أقل حده:
- إياكي 'فريدة' .. لقد تعبنا لنحرز ما نحن به من تقدم في حالتك!! .. ألا يكفيكِ ما ضاع من حياتك في حادثة ومن بعدها علاج؟؟ .. الأولى أن تنظري لمستقبلك بدلًا من العوده للوراء والنبش في الماضي!! .. ثم ألم يحذرك الطبيب من تتبع كل ما هو مرتبط بالصدمة حتى لا تتأذى نفسيتك هذه المرة، ومن يعلم ماذا سيحدث حينها؟؟ .. بحق الله، لمَّ تريدي إفساد كل هذا؟!
إرتبكت فريدة قليلًا من حديثه لتشيح بوجهها بعيدًا عن دائرة تأثيره، فهي على علم بمدى صحة حديثه ولكن لا تملك شيئًا لتفعله .. كيف يطلب منها المضي بحياتها، وهي لا تعرف أي شئ عن الماضي الذي أوصلها لهذه النقطة؟!
مسح مراد وجهه ثم عاد الحديث مرة أخرى بعدما لمح ضيقها:
- فريدة .. أنا اعلم جيدًا ما عانيتيه وما تعانين منه لذلك أحاول مساعدك، ولست ضدك!! .. أنظري، بما انك لا تملكين أي خطط فأسمحي لي أن اعرض عليكي خطتي!!
إبتسمت فريدة بإستغراب وهي تدنو من الطاولة بإهتمام:
- لد*ك خطة من أجلي؟!
توسعت شفتيه بإبتسامه عذبة ردا على إبتسامتها:
- في الحقيقة هما اثنان، وليست واحدة!!
رفعت إحدى حاجبيها بدهشة:
- أوه .. أخبرني!!
تنفس مراد بعمق قبل يقول بجدية:
- جامعة القاهرة لديها عرض من اجلك .. ستعودين لها مرة أخرى، ولكن ليس كطالبة، بل كواحدة من أعضاء هيئة التدريس!!
عرفت فاهها بدهشة:
- فعلت ذلك من أجلي؟؟
- لم أفعل شيئًا فريدة .. هذا المنصب كان شاغرًا في مجال تخصصك .. والآن أخبريني أنكِ موافقة!!
تن*دت بقوة وتقضم شفتها بخفها .. فعاجلها مراد:
- لا تقلقي .. هم لديهم علم بحالتك وسيقدموا لكِ يدى العون!! .. أليس هم عائلة الثانية كما كنتِ تخبريني سابقًا؟؟
لمح التوتر البادر على وجهها فقرر أنك يترك لها حرية القرار ليضع يده في سترة مهمهما:
- هذا كان العرض الأول .. أما العرض الثاني فهو...
لم يكمل قوله ﻷنه لمح عودة شقيقته سارة ومعها الصغار .. إبنته (فريدة) وإبنة سارة (داليدا) .. ليعيد ما كان على وشك إخراجه مره أخرى موضعه ويبتسم بترحاب لإبنته التي تجاوزته وهي تلقي بنفسها في حضن فريدة التي تبدل حاله مئة درجة:
- 'ديداا'!!
قالت الصغيرة بشبه صراخ وهي تحضنها بكلتيا يديها الصغيرة .. لتتلقفها فريدة وهي تقهقه بحبور:
- كيف حال 'ديدا' الصغيرة؟؟
تلعثمت حروف الصغيرة وهي تشير لها على جبهتها:
- المعلمة أعطتني نجمة اليوم!!
- أحسنتي صغيرتي .. هل تعلمين ماذا سأعطيكي أنا لتفوقك؟؟
هزت رأسها بعيون لامعه بسعادة، لتبتسم فريدة وهي تقول:
- سأحضر كعكة شيكولاته كبيرة لكِ أنتِ و'داليدا'!!
صفقت الصغيرتان بحماس طفولي صاخب لتنتهز سارة الفرصة وتهمس لمراد سرًا:
- أخبرتها؟؟
قبضة اصابعه على العلبه التي يحمله بداخل جيبه ثم هز رأسه بضيق:
- لا!!
● ● ●
#يتبع
تعقيب الكاتبة:
بداية جديدة علينا إن شاء الله ومدخل طويل للجزء الثالث
اعتقد أنه ارضى فضول الكثير حول تساؤلات النهاية
واني لم انصف مشاعر أدهم رغم إكتفائي بوصفها خلال مشهد الحلم ومشهد حديثه الاخير مع فريدة
فريدة أصيبت بفقدان ذاكرة جزئي ناتج عن الصدمات القاسية التي تعرضت لها
لو راجعنا أحداث القلعة الاخيرة سنجد ان اعراض الاضطراب ظهرت على فريدة قبل الغيبوبة، انا حاولت جاهدة تصوير الحالة الذهنية بدقة لمريض اضطراب PTSD من تشوش الوعي والشرود وتبلد المشاعر وغيرها من الاعراض
وسنجد أيضا بوادر حدوث شلل الوجه من تخدر وتنميل فالوجه وحرقة باعصاب الوجه وسائر اعصاب الجسد ناتجه عن فرط النشاط العصبي بسبب المنشط الذي حقنت به
ده كان مدخل دسم بالتحليل النفسي أستغرق مني وقت طويل لتجهيزه لذلك أتأخرت في عرض نشر الرواية لانه سيبنى عليه الاحداث القادمة
بالوقت الحالي لن يتم نشر إعلان للرواية حتى تعد مراحلها بشكلا جيد وأتأكد من سلامه وتسلسل الاحداث
الجزء الثالث مثل ما قولت سيكون مختلف عن الجزئيين السابقين بشكل غير متوقع .. سيكون إلى حدا ما بعيدا عن مشاهد العنف وإنسانيا أكتر وملئ بالمشاعر .. ان شاء الله يعجبكم