بقيت كلمات ريف تدور بذهنها لليومين اللاحقين.. تفكر بها وهي مسترخية في كرسي المكتب بجوار جوزف بانتظار وصول كولين الذي تأخر بسبب حالة طارئة كما اخبرهما محاميه الشاب ذاك..
تفكر وتحلل وتحاول ان تدرك ما الجديد في تسوية كولين هذه المرة.. ليته فقط...
ودعت ربها ب**ت ان يحن ويغفر فيهبها ماتريد...
وراقبته بعيون لامعة يدخل المكتب ملقياً تحية هادئة على الجميع ففعلت جود كما في كل مرة ولم ترد تحيته.. تلاحقه بنظراتها وهو ينزع معطفه ثم يتخذ الكرسي المقابل لها بجوار محاميه رافعاً انظاره اليها ليدقق بها بالمثل..
(( أدعى كولين.. كولين والكر.... ان بقيتي اسفل الامطار ستمرضين صدقيني.. انا طبيب واعرف بهذه الامور ))
لقد ضحكت في ذلك اليوم.. نظرت في عينيه كما تفعل الان وضحكت.. ففعل المثل.. ثم حينها وقعت في غرامه.. فوراً.. بلحظة واحدة ودون اي ادراك او تخطيط...
احبته.. احبته كما لم تحب بشراً يوماً..
واسدلت نظراتها لما لمعتا بذكريات الماضية المريرة.. تحدق في الطاولة امامها بشفتين مرتعشتين وقلب نازف...
انه ليس كولين.. ليس حبيبك..
كولين ذاك.. بقي في قلبك فقط.. وهذا...
مجرد خيال خارجي له لا اكثر..
" طبعاً.. هو اجتماعنا الاخير.. سواء قبلتما بالتسوية ام لا.. لاننا حينها سننتقل الى المحكمة بحسب الموعد المحدد لنا.. السيد والكر قدم بعض التنازلات والعروضات لنسارع من عملية الطلاق "
" والتي هي؟! " تساءل جوزف فأجابه
" سيقدم مبلغاً اضافياً من المال.. 30% من ثروة الزوج بالاضافة الى المنزل الموجود في الضاحية الشمالية.. ورصيد بنكي ستحدد رقمه موكلتك.. "
" والوصاية؟ "
" ستنسى امر الوصاية.. سيحق لها بيوم واحد فقط دون مبيت كحل اخير.. يوم واحد كل اسبوعين "
اختنقت انفاس جود بعدم تصديق فتطلعت في وجه المحامي الشاب المقابل لها لا تستوعب ما نطق به
" وتريد لموكلتي ان تغض النظر عن حقوقها كأم فتأخذ المال وتسكت.. صحيح؟ "
" حقوقها كأم!؟. " سخر المحامي راسماً ابتسامة خبيثة على شفتيه
" دعنا ننسى امر تلك الحقوق تماماً كما فعلت موكلتك مع الطفل في الحديقة.. اتفقنا؟ "
غصت جود بسيول الكلمات التي ارادت الصراخ بها في وجهه.. تحدق به غير مصدقة ثم ترتد نحو كولين الصامت الموافق بعيون دامعة مذهولة..
" ليتك تفعل انت ايضاً ف*نسى ذلك الماضي.. لان موكلتي تغيرت.. هي حالياً نظيفة من الكحول وتعمل في وظيفة محترمة وقد فعلت ما بوسعها لتؤمن للطفل حياة كريمة.. هي تستحق حضانة مشتركة "
" هي لا تستحق حضانة مشتركة.. فكيف ستفعل ان كانت تعود من عملها بعد منتصف الليل.. كيف ستعتني بالطفل اخبرني؟ "
فاض الكيل!!!
هتف عقل جود بغضب فرفعت يدها لتض*ب براحتها الطاولة.. بطريقة عنيفة ا**تت الجميع.. تضم فكها عنيفاً وهي تجحد المحامي النذل بنظرات قاتلة ساخطة.. ثم تبدأ بالتحدث لتطلق سهام كلماتها في وجهه بصوت عالي غاضب ومخيف..
لقد تحدثت للمرة الاولى منذ بدء اجتماعاتهم:
" اسمعني جيداً.. سيد.. لا يهمني اسمه.. اظن انه من المعيب في حقك ان تسخر من عملي وتأخري لانك تدرك لما افعل ذلك.. اني احاول بشتى الطرق ان اؤمن كافة احتياجات طفلي لاضمن وجوده معي في المستقبل.. تعلم جيداً لما أعمل في وظيفتين ومع ذلك تتخذ الامر ضدي.. وهذا الوضع المؤقت سينتهي مؤكد حين يكون الصغير معي.. فلا اظنني ساتركه وحيداً لاقصد عملي.. لذلك افضل ان تحترم مكانتك واسلوبك فتتحدث بتأدب اكبر.. وان ظننت بأن هراءك هذا عن حضانة كاملة وعدم وجود ابني بجواري للسنوات القادمة سوف يحبطني فأنت مخطئ تماماً.. حاذر جيداً مما تنطق به في وجهي فأنا لن اجلس صامتة انصت لاهاناتك المتتالية في حقي كأم.. ابداً "
" انا لم... "
" انطق خيراً او ا**ت.. وان لم تفعل اقسم باني ساعلمك طريقة افضل لل**ت. "
" انها ليست طريقة مناسبة للتحدث سيد والكر "
" لست السيدة والكر.. ولستَ بشخص عاقل ليخبرني بما اقول ولا اقول.. تسويتك التافهة هذه مرفوضة فيمكنك ان تاخذها وتضعها في.. " ورفعت حاجبيها بتعبير صريح جعل جوزف يضم فمه كي لا تُسمع صوت ضحكته..
في حين بقي كولين صامت متجهم... فارتدت اليه ايضاً لتنطق بكل ما في داخلها والا اختنقت وماتت
" لا استغرب وجود محامي مثله معك.. فهو شبيه لك تماماً.. انه كما انت.. لا يملك اي ذرة احترام او عطف.. تتحدثان عني كأم مهملة متناسياً ما فعلته انت.. متناسياً غيابك الدائم منذ ولد عنه.. متى جلست بجواره او هدهدت له.. " واشارت باصبعها نحوه تتهمه
" متى حملته واعتنيت به.. اخبرني.. انت لم تكن موجود معظم الوقت في تلك الاشهر.. ثم تأتي فتلومني على انهياري.. على عودتي الى الحضيض.. اتظن بان شيء سيتغير بعد الطلاق؟. بأنك ستعود الى حياة طفلك بكل بساطة.. فتغير من روتينك وحياتك لاجله.. مخطئ طبعاً.. انت لن تكون في حياته.. لن تترك عملك المهم ذاك لتجلس قربه.. لا لشيء..
بل لانك فاشل تماماً في الحفاظ على الاشخاص الذين تحبهم وتهتم لامرهم.. فاشل تماماً في البقاء قريب.. انك ناجح فقط في دفعهم بعيداً عنك.. غير مدرك كم الخسارة في ذلك.. انك ناجحاً فقط في طردهم من حياتك ثم طعنهم في الظهر مظهراً لا شفقة.. ولا حب.. ليتك تلاحظ ذلك فقط.. ليتك تفعل! لكنك اكبر من ان ترى عيبك.. فكيف لم اراه انا.. وكم كنت عمياء لألا أفعل!. "
و**تت اخيراً تستنزف اخر انفاسها المختنقة.. تشعر بص*رها يتوقف عن العمل من جديد.. فتضغط راحتها نحوه لتحد من ألمه
" جود!! " همهم جوزف باهتمام لما لاحظ شحوبها.. يلامس كتفها براحته مقترباً منها فتململت سريعاً تحمل حقيبتها لتتجه نحو الحمام.. عليها ان تهدأ والا ماتت هاهنا
" انا س... "
" لا يمكنك الهروب نحو الحمام في كل جلسة للتباكي سيدة والكر.. انها تصرفات اطفال فاجلسي لو سمحتي " اهانها المحامي ذاك من جديد فوقفت بقرب كرسيها متطلعة نحوه تسمعه يتم
" سوف نستأنف النقاش بوجودك او عدمه.. لقد مللت طريقتك في الهروب الى الحمام عند كل جلسة.. بحق الله! ماذا تفعلين هناك؟ "
" هذا يكفي توم الا تظن؟ "
" اريد ان اعرف "
همهم ساخطاً فمدت جود يدها نحو حقيبتها لتخرج عبوة الدواء.. تسارع لقذفها في وجهه غير ابهة انها قد اصابت عينه فتأوه متألماً
" هذا ما افعله يالعين.. فأنا مصابة بالربو "
وضغطت فكها تكتم انفاسها المختنقة.. تلقي نظرة نحو كولين الذي حدق بها ب**ت مطبق وملامح متجهمة لا تعبر عما يشعر به..
خذلتني كولين!
ليتك تدرك كمّ الخذلان الذي اصابني بسببك.
ورفت جفنيها تطرد الدموع التي تشكلت سريعاً في عينيها لبعيد..
هي ليست ضعيفة.. لا...
هو **رها.. صحيح.. لكنها قادرة على ترميم نفسها كما سبق وفعلت في الماضي..
وارتدت لتغادر بجسد متعب ورئتين شبه معطلة.. تتنفس بصعوبة فتجاهد لتبقي نفسها اقوى.. لديها عبوة دواء اخرى في الشقة فهي لن تهين نفسها بعودتها لذلك المكتب من جديد..
وخطت في الرواق عدة خطوات حتى ماعادت قادرة.. فتوقفت تص*ر صريراً من رئتيها واستندت للحائط بجوارها...
يد على الجدار واخرى على ص*رها.. تغلق جفنيها محررة دموع الان**ار من عينيها..
اليس بالموت راحة.. وسلام؟
لما لا تنهي الامر اذاً فترتاح!؟
تساءلت ترخي جسدها فوق مقعد للانتظار في الممر..
تملئ صورة وجه جايكوب قلبها قبل عقلها.. فترتجف حباً وندماً..
كيف تفعل وطفلها يحتاجها..
هل ستتخلى عنه كما فعلت والدتها بها؟!
ابداً..
الجواب كان واضح.. وصادق
" جود!! "
سمعت اسمها وسط انفاسها المختنقة وجفنيها المغلقين ثم شعرت بفتحة العبوة تلامس شفتيها
" اسحبي نفس عميق.. هيا "
فعلت.. بارادة مسلوبة.. تنفذ الامر الصادر عنه دون اعتراض
" مجدداً.. هيا.. وليكن نفس اعمق جود "
أمرها بصوت جاد قلق ففعلت.. تشعر به قريب.. قريب جداً... بحيث تصلها رائحته وتحس بدفئه.. فابقت جفنيها مغلقين لا تريد النظر نحوه..
ان هي فعلت... خسرت حبيبها كولين.. ستراه الرجل الغريب من جديد.. ولن تحتمل كم الالم لذلك...
" مجدداً جود " عاد لينطق بهدوء فنفذت
" هل انت بخير جود؟ " قالها جوزف فاجابه كولين سريعا
" هي بخير.. تراجعوا عنها وهبوها بعض المساحة لتتنفس "
برويد افتحت جود جفنيها.. ترف بهما لمرات قبل ان تدرك ما حولها.. تنسدل يد كولين التي تحمل العبوة باستسلام فترفع يدها لتفرك جبينها المتعرق ثم تمسح خديها المبللين
" اتحتاج مشفى؟ "
" لا داعي.. باتت افضل.. صحيح جود؟ انظري الي "
عاد ليأمر فلم تنفذ.. ليس هذه المرة.. بل انتزعت العبوة منه ثم وقفت تسير مبتعدة
" جود.. لا تزالين متعبة.. توقفي "
" وكانك تهتم " همهمت بضعف تخطو في الممر دون ان تلقي نظرة واحدة اخيرة نحوه..
لقد ارادت الاعتذار عن عملها تلك الليلة لكنها لم تفعل.. مضطرة للمقاومة والوقوف رغم كل الظروف التي تعيشها فذهبت وعملت وتصرفت كانها تعيش اجمل ايام حياتها..
لا تحظى الا ببعض اللحظات المسروقة لتسترجع ذكريات اليوم الكئيب هذا.. فتقف بجسد ساكن مرهق شارد لتغلق جفناها فتسبح في موجات مُغرقة من الالم والمرارة..
تتساءل كيف كانت لتكون حياتها لو لم يتخلى والديها عنها.. لو عاشت وترعرعت ضمن اسرة حقيقة كاملة.. لو حظيت بالحب والحنان المفقودين في قلبها..
لربما تغير كل حاضرها هذا!.
لكنها مجرد تساؤلات وتمنيات تافهة بلا قيمة..
آمال ماكانت لتتحقق ولن تفعل..