الفصل الثاني:

1102 Words
لم تدري جود كيف انقضت الساعة التالية.. هي فقط جلست وانصتت و**تت.. تدخل كولين احياناً بصوته الاجش الجاد ليلقي ببعض الملامحظات على امور التسوية اما جود فظلت على **تها وشرودها.. لكنه رفض الوصاية المشتركة.. سوف يسلبها طفلها.. وهي ستقف مكتوفة الايدي غير قادرة على فعل اي شيء لاستعادته.. خرج الجميع قبلها.. فجلست في كرسيها تتأمل مكانه الفارغ.. تضم يديها في حضنها كطفلة يتيمة مذنبة.. هاهي ذا تدرك من جديد مامعنى الوحدة.. الخسارة.. العيش دون عائلة او حبيب.. ورفت بجفنيها تطرد الدموع خارجاً تشعر بها تنساب بدفء على وجنتيها.. تضم فمها لتكتم انتحاباً كاد يغادرها.. لم ارد ان اخسرك!. لم ارد ان اعيش يوماً لست فيه.. احببتك.. وساحبك حتى اموت.. ليتك فقط تدرك ذلك!. همهمت لخياله القابع امامها تبتسم حين ابتسم لها شاعرة بكل حب العالم يتجمع في قلبها.. اشتاقك!. اشتاق اليك في كل ثانية.. ولولا صورك المنثورة حولي لفقدت اي اثر للضوء في عيني.. اني اعيش لاجل وجودك.. اعيش لانك تعيش... وقريبا سوف أُهلك.. دونك سوف أهلك.. ليتك فقط تشعر بذلك... واغلقت جفنيها لثانية سامحة لدموع جديدة بمغادرة عينيها.. تختنق انفاسها من جديد فتحاول سحبها بهدوء ورتابة.. تضغط اصابعها عند ص*رها لتوقف الالم فيه لكن بلا فائدة.. العيش في تلك الغرفة سيسبب لها ازمة تنفسية قريباً.. فالرطوبة والعفن الذي ينتشر في زواياها لا ينبئ بالخير.. وهي فعلاً تشعر بتأثيرها السلبي عليها.. تنفست بصرير تسارع لاخراج عبوة الاستنشاق من جديد من حقيبتها فتضعها في فمها.. التوتر والحزن لهما نفس التأثير ايضاً.. وتنفست لمرات من الدواء علها ترتاح.. تسعل باختناق ثم تعود فتاخذ نفس طويل شاعرة بانها افضل.. عليها زيارة الطبيب قريباً.. لربما يصف لها رزاز مختلف ذو تأثير اقوى.. واعادت العبوة الى الحقيبة ثم وقفت تحمل معطفها واغراضها وسارت خارجة.. تتوقف عند الواجهات الزجاجية الداخلية للمكتب لتتقابل بكولين.. لايزال واقفاً هناك يراقب وجودها في الداخل.. عيونه ضيقة وملامحه جدية.. تسمعه يسالها وهي تتخطاه لتغادر " هل انت بخير جود؟ " توقفت حين نطق باسمها.. اسمها الذي حرمت منه لشهور... ترتد براسها لتحدق به فتهيم روحها المعذبة شوقاً اليه.. هل انا بخير؟!!. وهل ساكون دونه؟!.. القت عليه نظرة حزينة مطولة ثم عادت لتتم سيرها فلا تجيب تساؤله.. ربما مهنته تحتم عليه ان يسال.. ان يهتم ويلاحظ.. فهو طبيب.. ولطالما اهتم بأمر حالة الربو لديها خاصة خلال حملها بطفلهما جايكوب.. لكن الان!.. ماعاد سؤاله يحمل الاهتمام نفسه.. ولا العناية.. لقد بات مجرد سؤال بارد عادي.. سؤال لا تجد اية اجابة له... فكيف تكون بخير وقد سلبت كل ما حلمت به وسعت اليه.. سلبت كل شيء.. وبفعل يديها.. سارت بخطواتها الشاردة اسفل المطر متجهة الى حيث تسكن.. تعبر الشوراع والمنعطفات غير ابهة بالبلل او الهواء الذي عصف بها.. بخصلات شعرها التي باتت مبللة بالكامل.. او معطفها الذي راح يقطر ماء.. كان يوماً مشابهاً لهذا اليوم.. الامطار تساقطت بغزارة والهواء عصف في الطرقات.. وظهر حينها هو.. من حيث لا تدري ليعرض عليها ايصالها الى حيث تقطن.. عثر عليها وسط كم من المصائب والضياع الذي عاشته.. ليخرجها من الفوضى تلك باعثاً الامل والحب فيها.. ما بدأ كتوصيلة انتهى بقصة حب عميقة وزواج سريع.. ثم توج بطفل.. طفلهما!. عقدة الذنب لديها!!. غاصت مقلتيها بالدموع وهي تتذكر طفلها الصغير.. بخدوده الممتلئة وابتسامته البريئة.. لقد حرمت منه باكراً كما حرمت من عائلتها.. من دفء وحنان الاب والام.. فقد تخلوا عنها صغيراً.. وضعتها والدتها عند باب ميتم مقيت وتركتها لتحيا قدرها المشؤوم.. ترعرت هناك.. لم تحصل على تعليم جدير بالذكر فبالكاد انهت الثانوية وانطلقت للحياة لتعمل وتكدح.. تهيم في كل صوب لتجد ذاتها المفقودة.. وفشلت.. للاسف فشلت!!. اتخذت اخيراً المنعطف التالي زافرة بارتياح لوصولها.. تنزل عدة سلالم تحت الارض لتدخل المكان.. تفتح الباب الحديدي باصابع مرتعشة باردة وتدخل سريعاً.. نحو ممر مظلم طويل.. ثم جانباً عند باب خشبي لغرفة كانت تقطنها.. غرفة لا ترى الشمس وبالكاد يدخلها ضوء النهار من نافذة صغيرة عالية تطل على الشارع.. فيها سرير صغير عند الحائط وخزانة خشبية مهترئة.. مرآة معلقة بالحائط وعلاقة ملابس خلف الباب.. سارعت لوضع معطفها فوقها ونزعت حذائها الموحل ثم خطت تضيء الضوء فهي بالكاد ترى امامها.. تحمل منشفة لتجفف شعرها قبل ان تريح جسدها فوق السرير ستغادر الغرفة بعد يومين وتنتقل الى شقة صغيرة قريبة من مكان عمليها.. وبهذا ستغدو اكثر قبولاً لتحصل على حضانة مشتركة لطفلها.. عليها ان تفعل المستحيل لاجل ذلك.. فهي تستحق.. هي جديرة بذلك.. واحنت راسها لتدفن وجهها بين راحتيها.. رؤية كولين بعد غياب اشهر اعاد كم هائل من الالم اليها.. مشاعر متخالطة لاتكاد تعرفها.. لكن تشبثه بحضانة كاملة قتلها في ال**يم.. هو لايريد ان يمنحها اية فرصة... لقد حكم عليها قبل ان يفعل القاضي حتى.. وان لم يتوصلا لتسوية قريباً.. فسيكون عليهما الذهاب للمحكمة.. فإن فعلا ستخسر.. هي تدرك ذلك جيداً.. زفرت بثقل وفركت جفنيها الثقيلين.. هاهي ذا تتحمل وزر اخطائها.. ستدفع الثمن حتى مماتها.. ثمن ذاك الشراب الذي تجرعته لايام فجعلها منفصلة تماماً عن واقعها وحياتها.. وهي التي وهبته وعداً بالا تعود للشراب يوماً.. فخذلته.. وخذلت نفسها.. وطفلها!!.. قضت دقائق طوال شاردة ساكنة في مجريات احداث الشهور القليلة قبل ان تدرك مرور الوقت فهبت سريعاً تستبدل ملابسها لتقصد عملها الثاني.. فهي تعمل ضمن مناوبتي عمل.. صباحاً في مخبز قريب صغير تشرف فيه على البيع من خلف الزجاج ثم عمل اخر يبدأ في الرابعة مساء داخل فندق كبير وسط المدينة حيث ترتب الغرف وتخدم الزبائن.. كان العمل جيد والعائد ممتاز من كلا الوظيفتين.. لكنها احتاجت كل فلس لتدفع اتعاب المحامي ولتضمن استئجار شقة مناسبة فتحوز بها على استحسان القاضي.. لقد باتت قاب قوسين من النجاح.. تحتاج فرصة واحدة فقط لتثبت فيها ان غدت امراة مختلفة. امراة افضل... *** هرعت جود على الطريق بانفاس لاهثة واطراف متألمة.. تحاول الوصول باسرع وقت ممكن.. تتشبث يدها بالكيس فهو الاهم.. تنعطف اخيراً فتسارع من خطاها اكثر حتى كادت ترتطم باحدهم فتمتمت معتذرة وصعدت السلالم الحجرية للبناء المطلوب.. تتنفس بصعوبة نازعة المعطف حالما وصلت.. تفتح الباب الزجاجي العريض وتدلف للداخل الى حيث ينتظرها طفلها كما في كل اسبوع.. ابتسامة مشتاقة اليمة غطت شفتيها وهي تراه جالساً في وسط الغرفة والال**ب تحيط به يحاول الوصول لمعظمها ليضعها في فمه مهمهماً بكلمات غير مفهومة " حبيبي.. ماما هنا! " همست له وجلست بقربه تضع الكيس جانباً تلاحظ بان المراقبة العامة تتخذ كرسي جانبي فتراقب ما يحدث.. تمد يديها اليه لتحمله فيتوقف جايك عن الحراك ليدقق بها مستغرباً.. مؤكد سينساها فهو بالكاد يراها.. وشتمت الضعف الذي بعث الدموع الى عينيها ثم سارعت لتضم الصغير الى حضنها مقبلة اياه لمرات ومرات.. " تأخرتي جود " " اعتذر.. لكنني احاول التوفيق مابين العملين والانتقال الى الشقة.. اعتذر لاني تاخرت عليك " " لم يتبق لك سوى نصف ساعة " سحبت انفاسها برفض مرير لكنها لم تعلق بل عادت لتتشبث بالطفل واخرجت اللعبة التي اشرتها له من الكيس " انظر ماذا جلبت ماما لك.. أرنب صغير لأرنبي الوسيم.. انظر " اخذه منها باصابعه الصغيرة ومنحها ابتسامة عريضة اوقفت قلبها عن العمل.. كيف كنت بهذا الغباء لتخسري وجوده؟. كيف اقترفتي بحقه اب*ع الاشياء وانت التي تحبينه حد الموت!!. وكيف سيسامحك ان علم بما فعلتي!؟. كيف سيسامح غيابك المرغم عنه.. كيف سيعتاد خسارتك الابدية.. واي حياة هي هذه حينها!؟. ***
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD