غصت الكلمات في حنجرتها فضمته اقوى.. واغلقت جفنيها على رائحته..
اسئلة لطالما تبادرت الى ذهنها..
كيف يعيش..؟ من يعتني به.. يستبدل ملابسه.. يطعمه ويرضعه.. من يخلد للنوم بقربه.. يحمله حين يبكي.. من.. ومن.. ومن؟!.
كان عليها هي ان تفعل..
تباً.. كان هذا هو دورها في حياته!!.
فكيف سيسامحها يوماً!!
لاطفته ولاعبته بمرور الوقت لا تلاحظ انتهاء النصف ساعة حتى اعلنت المراقبة ذلك فحدقت بها متوسلة ان تهبتها لحظات اخرى..
" اعتذر جود.. هذه هي القوانين.. وانت تاخرتي! "
" خمس دقائق بعد.. ارجوك "
وتشبثت به تضمه لص*رها وهي واقفة تهدهد له فيما يركن قرب عنقها متنفساً بانتظام
" انه يكاد يغفو "
**تت المراقبة تتأثر بدموعها التي فاضت في مقلتيها وفي اللحظة عينها دلف كولين للغرفة..
للمرة الاولى حضر لقاءها بابنيهما.. لا تدري لما لكنه ظهر فجاة وقطب بحيرة حين وجدها لاتزال موجودة
" مرحباً " حياها وحيى المراقبة المدعوة سيلا ف**تت جود لا ترد تحيته.. تراقبه فقط وهو يتقدم ببنطاله الجينز وقميصه الازرق المخفي اسفل معطف اسود.. خصلات شعره المائلة للبني مبللة متهدلة على جبينه وعيناه الغامقتان لامعتان جادتان..
" علينا الذهاب جود.. انتهى الوقت "
ومد يده لها لتعطيه الطفل فتراجعت خطوة
" قليلاً بعد ارجوك.. انه يكاد يغفو "
" سينام في السيارة.. اعطيني اياه "
" قليلاً بعد ارجوك "
والقت نظرة متوسلة نحو سيلا فزفرت الاخيرة باستسلام
" السيدة والكر وصلت متاخرة قليلاً ولذلك لم تحظى بالوقت الكافي دكتور كولين "
" متاخرة!! " وقطب مستاء " انه ليس ذنبي جود.. انت من عليه الالتزام لا انا.. انه طفلك من تتأخرين عنه "
ضمت فمها المرتعش فعاد ليقترب منها ماداً يديه ليحصل على الصغير
" اعطيني اياه "
" ارجوك كولين.. بضعة لحظات فقط "
وحدقت به بعيون دامعة متوسلة فضغط فكه وتجهمت ملامحه
" اعتذر.. وقتك انتهى " ولامس ظهر الطفل براحته لياخذه فاستسلمت جود وسلمته له برويد شديد كي لا يستيقظ..
تنظر في وجه الحبيب القاسي غير قادرة على تصديق ماتراه..
اهو الرجل الذي احبته يوماً.. وغرقت حد التخمة في عشقه؟.
لكنها لم تجد اي منه في ملامحه..
لقد مات ذاك الرجل!. مات مع موت قلبها الذي توقف عن النبض حين تخلى عنها وطردها من حياته لتلاقي مصيرها السقيم خارجاً..
توقف كولين ليحدق بها بالمثل.. ضاماً فمه كما طفله لحضنه فشعرت جود بالحسد والغيرة..
ليته فقط... ولو ليوم واحد.. يهبها اياه..
" لمن هذه اللعبة؟ "
تساءل لما وجد طفله متشبثاً بالارنب القطني ف**تت جود لا تنطق.. فان هي فعلت ستصرخ به باكية ان يرحمها.. ستخر ارضاً تتوسله ان يعيد طفلها اليها.. وهو لن يفعل.. لن يفعل..
" جلبته جود لطفلها.. ابقيه معه " همهمت سيلا
" حسناً "
تمتم موافقاً فارتدت جود بجسدها له توليه ظهرها غير قادرة على الثبات اكثر..
وكأن روحها تسلخ منها في كل مرة..
تضم نفسها بذراعيها لتقيها الم الفراق.. تطبق جفنيها لتمنع تساقط اي دموع في حين تنصت لخطوات كولين وهي تبتعد.. يحمل طفلها فيسلخه من ذاتها لبعيد.. كما يسلخ الجلد عن اللحم.. بطريقة موجعة للغاية
وقفت لثوان طوال هناك.. تنصت لل**ت الذي تلا رحيله شاعرة بروحها تتفتت الماً..
اكانت تستحق هذا العقاب؟
هي لا تعلم!.
وسريعاً ارتدت على عقبيها لتلتحق به.. تضم فمها بقسوة كما قبضتيها.. تهرع في اعقابه لتجده خارجاً بقرب سيارته.. ينحني ليضع جايك في الكرسي الخلفي ثم يستقيم مغلقاً الباب خلفه فتقدمت اليه عابسة غاضبة.. تتساقط قطرات المطر على سترتها القطنية الرقيقة وخصلات شعرها المجموعة للخلف بعشوائية..
" كولين!! " هتفت به لما كاد يستدير ليصعد خلف المقود فتوقف وعاد اليها مقطباً..
" جود! " همهم متسائلاً فاجتازت الخطوات لتغدو امامه.. ترفع راسها لتنظر في ملامحه ال**بسة المنتظرة مكتفة ذراعيها.. تجترع ل**بها الجاف قبل ان تهتف
" اني فقط اتاكد بانك لاتزال موجود داخلاً.. في مكان ما.. كولين القديم الذي وقعت في حبه.. العطوف المحب "
سحب انفاسه بثقل واضح وتململ في وقفته فأتمت كلماتها
" انظر اليك فلا اكاد اعرفك.. حتى نظرات عيناك تغيرت "
" وما السبب ياترى؟ " تساءل رافعاً لحاجبيه
" هل استحق العقاب القاسي هذا؟ اعلم باني اخطات خطأ كبير جدا.. لكن.. هل استحق ان احرم من طفلي لاجل ذلك.. انصت لصوت قلبك وضميرك.. لقد رفضت وهبي لحظات كولين.. مجرد لحظات اشعر بها بجسد طفلي قريبا مني.. اي أب هو انت وأي حبيب!. اخبرني "
" خسرتي ثقتي جود.. اعلمي ذلك.. والحبيب الذي تتحدثين عنه قتله الخوف وهو يبحث ليوم كامل عن طفله في حديقة عامة لعينة "
**تت تضم فمها المرتعش للذكرى فدنا كولين براسه نحوها متمتماً بصوت اجش لائم
" لا تسالي عن الشفقة.. ولا عن الحب.. انت تستحقين ما تعيشين.. وصدقيني لا اشعر بذرة شفقة عليك.. ولن تنولي ولو يوم كامل كحضانة.. اعدك.. طفلك ذاك الذي نسيته بسبب طيشك وخمورك في حديقة عامة لن تريه نائماً.. ولا سعيداً.. ولا كبيراً.. سانتزعك من حياته.. "
" تماماً كما نزعتني من حياتك " همست بارتجاف
" بالضبط "
" تماماً كما حرمتني من البقاء بقربه في عيد ميلاده الاول.. متناسياً بأني من حمل به لشهور.. من تعذب بانجابه.. من بقي لشهور بقربه وانت في مناوباتك اللعينة السخيفة.. لا تسال ولا تهتم.. ماذا اردت مني؟ "
" ان تكوني بقدر المسؤولية.. ان تتصرفي كأم حقيقية.. ان تكوني موجودة بكامل وعيك.. لا ان تعودي للشراب كمدمنة تافهة.. لقد وهبتني وعدك جود.. ثم ماذا؟. نكثتي بذلك الوعد "
" تماماً كما اخلفت انت حين وعدتني بحب ابدي.. صحيح؟ "
ووهبته نظرة **يرة اخيرة ف**ت لا يجيب ثم عادت لترتد مبتعدة عنه
" الامر تخطى الحب جود.. افهمي ذلك "
توقفت قدميها عند السلالم تحدق امامها بعيون لا تكاد ترى وقلب جريح نازف.. تنطق بعذاب مجيبة
" لم يكن هنالك حب يوماً لنتخطاه.. لقد حرمت العائلة منذ ولدت.. وانت تدرك مقدار قسوة ذلك علي.. لكنك رغم هذا.. عدت فحرمتني منها مجدداً.. حرمتني وجودك.. وحرمتني طفلي.. وعلى هذا لن اسامحك يوماً كولين.. رغم عشقي المميت لك.. لن اسامحك "
وتابعت السير بكتفين مثقلين بهموم الدنيا واطراف مرتجفة متألمة..
*-*-*
" كنت بسن الواحد والعشرون حين تذوقت الكحول للمرة الاولى.. صغيرة وجاهلة.. ووجدته لذيذ.. وجدت فكرة ان يكون الانسان مخموراً متناسياً لمصائبه.. امر ممتع مريح.. فأدمنته.. انا فقط... أدمنته "
حل ال**ت حولها وهي تروي بقية القصة.. تشعر بالاحمرار يضرج وجنتيها لاعترافها بتلك اللحظات القاسية المقيتة من حياتها..
" كنت قد فقدت عملي للتو.. لم اكن املك مالاً ولا عملاً ولا تحصيل دراسي.. ولا حتى منزل ليأويني.. لاشيء.. ثم التقيت بجيدا.. سمت نفسها صديقة وعرضت علي العمل معها في ملهى ليلي.. ثم جعلتني ابات في شقتها.. وهكذا بدأت فصل جديد من حياتي.. عمل في ملهى.. سهر وشراب.. واصدقاء كثر.. وظننتها افضل ايامي.. لا هموم ولا اهتمامات.. لاشيء.. اقضي معظم ايامي مخمورة على الاريكة.. لا ابالي بشيء "
" اها " همهم المشرف عن الحلقة مشجعاً اياها ان تسهب اكثر.. في حين ينتشر العديد من الاشخاص الاخرين على كراسي متجاورة تشكل حلقة علاجية اسبوعية..
عبثت جود بخصلات شعرها تضعها خلف اذنها شاردة في تلك الذكريات تسترجع الاحداث كما لو انها تعيشها من جديد
" ثم التقيت بكولين.. صدفة.. اجمل صدفة حدثت في حياتي " وهامت عيناها بأسى مرير
" التقيت به وتمنيت لو اني فعلت منذ وقت طويل.. لو انني ماعانيت ابدا يوماً قبله.. كان اجمل ماحدث لي.. ووقعت في حبه.. وقعت حد التخمة.. "
سمعت تأوه متأثراً من امراة بجوارها تدعى لونا فتبسمت بشحوب وفركت اصابعها المجموعة في حضنها معقبة
" وفعل المثل.. احبني كثيراً.. وللمرة الاولى اشعر باني مرغوبة ومحبوبة.. بأني انسان مختلف تماماً عما كنت قبلاً.. كنت مستعدة لفعل اي شيء لاجله.. للتغيير والتحسن.. لان اكون امراة افضل.. امراة يفتخر بها.. وفعلت... لاجله فعلت.. ثم اعطيته وعداً بالا اقرب الشراب مجدداً ابدا.. لو مهما حدث.. "
وزفرت باختناق تنساب احدى دمعاتها على طول وجنتها الباردة.. تهيم روحها وهي ترمي باخر كلماتها الصادقة
" ونكثت.. نكثت بوعدي له "
*-*-*