عقب صلاة الفجر تأخذُ الأرضُ تنهيدة راحةٍ من كل شيء، اصوات السيارات.. صراخ الصِغار.. هتافات الباعة المتجولين، حتى اصوات الح*****ت تهدأ في لحظةٍ عظيمة من السكينة والسلام.
لم تكن هيفاء تفوت هذه اللحظات، فبكل يومٍ عقب ادائها لصلاتها تجلس على شرفتها المُطلّة على العالم دون ان تفعل اي شيء، فقط تتق*فصُ ارضًا على سجادتها وتطالع السماء دون ملل، تناجي الله كل يومٍ وتخبره بحبها له وحبها للطفه على عباده بالرغم من ضعفهم وقلّة حيلتهم، تحمده على نعمٍ تغمرها منذ طفولتها، نِعمًا لولاها لكان اليوم مصيرها الذُلّ والهوان الّا انها اليوم بفضل الله لا تشعر بالخوف، تنام كل ليلةٍ غريرة العين تسير حياتها بهدوءٍ طالما احبّته، هدوء ان تكون محاطًا بالمحبة الصادقة والحب الغير مشروط.
مرّت نصف ساعةٍ قبل ان تجهز للخروج، وقفت امام طاولة زينتها التي تحوي مشطًا خشبيًّا وفرشاة شعر ورباطات شعر كثيرة إلتقطت إحداها لتجمع بها شعرها كذ*ل حصان قبل ان تقوم بلفّه حول بعضه ووضعت حوله رباطًا آخر لتحكم الكعكة البسيطة من السقوط، رفعت خمارها لتلفه بحرفية حول رأسها وعنقها ليخفي جسدها العلوي بإحكام تارِكًا وجهها الشاحب وقد **ى عينيها إحمرار طفيف يدلُّ على بكاءٍ اوشك على النفور من بين حدقتيها الّا انها كالعادة تكتمه بداخل قلبها.
عادت لتنظر لنفسها من جديد...
هيفاء محمد زكي، فتاة بعمر الرابعة والثلاثون، عادية، بسيطة مثل آلاف الفتيات في العالم، تعيشُ بشقتها الخاصّة التي ورثتها واخيها عن والدتهما والتي يتوافق اليوم الذِكرى الثانية لوفاتها.
تحركت نحو شرفتها التي تحوي احواضًا بلاستيكية متعددة بها انواعًا من الزهور المتفتحة، اتجهت رأسًا نحو الورد الإنجليزي الأحمر، وبمقصّ الزراعة راحت تقطف بعضًا منها، وحانت منها نظرة نحو الريحانة التي يفوح عبيرها في الأرجاء فأخذت منها بضعة فروع، وقامت بتوضيب باقة صغيرة من الورود غلّفتها بعناية قبل تخرج لوجهتها.
كانت الساعة قد تجاوزت السابعة والنصف صباحا ولكن معظم سُكان الحي نائمون إذ ان اليوم هو بداية عطلة الإسبوع، حتى الشوارع هادئة كحال الجو الم**وّ ببعض الغيوم ورائحة المطر تأتي من بعيد مُنذِرة بخريفٍ وفير لذلك لم تنسى ان تضع شمسيتها في الكرسي المجاور وهي تستقل السيارة البيضاء العتيقة التي بدأت بالشخير بصوتٍ مُزعِج قبل ان تتحرك بترنُّحٍ قبل ان تستعيد هدوئها في الطريق العام المؤدي الى المقبرة، كانت المسافة بين المنزل والمقبرة بعيدة بعض الشيء لذا اضطرت لركوب سيارتها وهي تفكر جديًّا بإستبدالها.
بعد فترة قصيرة ركنت السيارة امام السور المُعلّق على رأسه لافتة بإسم ( مقابر حي النور)
كانت حينها الورود قد انتعشت وتفتحت وكأنها تحيي ديار اهل الجِنان، كم في القبور من اسرار.. تلك الحفرة الصغيرة قد تكون جنّةً او جحيمًا لساكنها... تلك الديار الخاوية هي ملاذنا الوحيد في كل هذه الدنيا، لا اهل.. لا مال ولا حبيب سيُدفن مع المرء.. لا شيء سوى عمله، ذلك العمل الذي ينساه الإنسان إنشغالًا بملذات الدُنيا ويغفل عن ملذات اُخرى دائمة ثمنها فقط الخير.. أمن الصعب فعل الخير وتحريه في هذه الدنيا؟!
اقشعرّ بدنها ورهبة المكان تزيدها حُزنًا وقلقًا.. فلطالما كان قلبها رقيقًا مُرهفًا، لم تظُنّ انها قد تُصبِح رفيقة القبور .. تأنسُ وحشتها دونًا عن احياء لم تجد فيهم ملاذًا آمِنا، تفرحُ وهي تُطبطِبُ على شاهدة قبر اغلى الناس على قلبها، امها الحبيبة أوهنالك اغلى من الأُم؟!
- اُمّي!
خرج صوتها مُرهقًا مهزومًا امام الدموع فاغمضت عينيها، وضعت الورد على الحشائش الخضراء التي كانت ذات يومٍ جسدًا لأُمّها، وضعت خدها على شاهد القبر تشعر بدفئ اسمها، ذكرى، حتى اسمها يؤلم.. لقد غدت بالفعل مُجرد ذكرى.
لم يكن هناك الكثير ليُحكى، لا شيء مُطلقًا قد تخبر به والدتها او هكذا اعتادت، تأتي لتقرأ لها القرآن وتعود ادراجها ب**تٍ اجادته طوال حياتها، تذرفُ بعض الدموع شوقًا وتعود لتمسحها عندما تدرك انها لن تفيدها، قطعًا لن تفعل.
- الى اللقاء أُمّي.
هكذا انتهى لقائها لتعود لسيارتها وفي وقتٍ قصيرٍ كانت تقوم بإعداد الإفطار عقب وصولها لشقتها، تنعم بسكونٍ لا يتناسب مع تلك الفوضى التي يضجُّ بها عقلها وترفض تماما ان يقاطع هدوء روحها.
قبل عامين فقط من هذا اليوم كان لهذا البيت نكهة، كانت رائحة امها تفوح مختلطةً بعبق الزيتون والزعتر فمهمة إعداد الطعام لم تكن يومًا موكلةٌ لأحد سوى والدتها التي تصرّ على ذلك بصرامةٍ غريبة، وكانت تعلم سبب ذلك الإصرار فالمسكينة لم تكن تستطيع فعل شيءٍ سوى الطبخ، فعقلها متأخر النمو جعل منها مجرد طفلة بجسد امرأة، طفلةً لم يرحمها اهلها فزوجوها لاوّل طامِع جاد به الطريق.
طرفت برمشيها تزيح دموع قهرها بعيدًا قبل ان تصرخ بهلعٍ وجسدها يُحملُ فجأةً وصوتٌ يداعب اذنيها بمرح:
- صباح الخير يا جبانة.
زفرت بعُمقٍ ما ان لامست قدماها الأرض لتهتف بغيظ:
- ستقتلني ذات يومٍ يا عليّ، توقّف عن إفزاعي بهذا الشكل.
ضحك الشاب ذو العضلات المفتولة والمزاج المازح مفلتًا خصرها ليقف امامها وسكت تمامًا عندما لاحظ تلك الدموع التي تجمعت فجأةً بعيني اخته، تلك الدموع التي لا تسقط الّا نادرًا ويعلم جيدًا ما سببها اليوم.
- لماذا لم تنتظريني لنذهب سويًّا؟!
عندما لم يجد منها ردًّا ضمّ كتفيها برفقٍ لتتن*د ب**ت طويل اعقبه بكاء خافت، لطالما كان كلّ ما يخصّها هادئًا ناعمًا كالنسيم، يستغربُ كثيرًا في تلك القشرة الناعمة التي تغلّف قلبها كيف لم تتمزّق مع مصائب حياتهما الصعبة؟!
- لا بأس، لاتبكِ يا عزيزتي، ألم نتفق على ان نمنحها ما يريحها بقبرها؟! لا بكاء على ذكراها فهي عند من لا يظلم.
يا الله كيف لكلمةٍ ان تردي احدهم؟! شعرت بأن روحها تحترق من الألم ومجرد ذكرى بسمة والدتها البريئة تخبرها بكمّ العذاب الذي عانت منه، ربما استطاعت واخيها ان يحبانها بكل مشاعرهما ولكن كيف الحال قبل مولدهما؟ كم من الألم تحمّلت تلك المسكينة؟ كم مرّةً ذرفت دموع قهرٍ لا تفهم معناه؟ بل كم مرّة حرق احدهم روحها وعقلها البسيط لم يدرك.
- آهٍ يا اخي.
آهتها تلك حرقت قلبه كما حال روحها المعذّبة ليبكي كلاهما بأنينٍ فقد أُمّ كانا والديها وابنيها، كانا كل حياتها وكانت بعجزها ما تبقى لهما من الدنيا.
بكيا عليها دمًا كما تبكِ السماء وابِلًا من المطر.
ولم تكن الدموع لتعيدها للحياة ولكنها تفرغ القليل من آلامهما المكتومة وعزائهما الوحيد انها هناك! لدى الحقّ الذي لن يظلمها كما ظلمتها الدنيا، لدى الحيّ الذي سيمنحهما روحًا لمجابهة الحياة بدونها كما ارسل على قلبهما الصبر على فقدها.
.
.