الفصل الثاني

1501 Words
صباح الخير ايتها ال**ولة، هيا استيقظي يا جميلة العينين، فامامك يومٌ طويل. حدثها صوت عقلها دائم التفكير حتى وهي نائمةٌ يعملُ بجُهدٍ بدلاً عن جسدها. تمطّت تفردُ يداها بنعاس ورموشها الكثيفة الشبيهة بظلال صغيرةٍ تلاعب اشعه الشمس فتحجبها حينًا عن حدقتين بلون العسل وتفتح ستارها حينًا آخر، لاحت بسمةٌ مُشاغِبةٌ علي شفتيها وهي تتذكّر الرسالة الرائعة التي وصلت اليها مساء الأمس، قد تم قبولها في قسم المبيعات في شركة لم تكن تحلم بها. حقًّا إنها محظوظة كما تقول والدتها دائمًا، فمثل هذه الوظيفة يظل يبحث عنها الخريجين لسنوات بينما نالتها هي عقب تخرجها بثلاثة اشهُرٍ فقط ودون اي وساطة بل اكتفت بإرسال سيرتها الذاتية المليئة بالمغامرات إذ انها كانت تعمل في كثير من الشركات الصغيرة اثناء دراستها واستطاعت بتفوّق ان تؤمن مصروفها وبمساعدة والدتها قامت بعمل مشروع صغير للطعام المنزلي يؤمن لهما مبلغا لا بأس به من المال. ببساطة تسير حياتها كما خططت لها تماما، وستكون افضل ما ان تحقق نجاحًا اكبر في عملها الجديد. قطع شرودها الصباحي المُحبب صوت رسالة في هاتفها ذو الطراز الحديث الذي ابتاعته مؤخرًا، قرأت الرسالة وابتسمت بحُب، إنه مروان الجزء الأكثر جمالًا في قصة حياتها. ضغطت على رقمه ووضعت الهاتف على اذنها وهي تسترخي مُجددًا في فراشها لتأتيها نبرة صوته من الجانب الآخر بنبرةٍ تعشقُها: - صباح الخير يا حياتي. - صباح الخير مروان. - انت لا تفهم! لا يمكنك ان تفهم ما نريد. همست وقد اعادتها جملته الأخيرة لنقطة الصفر بعد ان بدأت تلمس اهتمامه الجديّ بها طوال الشهرين الماضيين لتكمل بحسرة: - مالك لن يمنحني ظِلّا اتكئُ عليه! لن يقيني برد الخوف في كل ليلةٍ وانا احكم اغلاق الأبواب عليّ وابنتي! لا اريدُ منك شي يا عثمان فما اردته طوال حياتي هو فقط ان اغمض عيناي واغفوا براحة، دون ان اخفي سكين قلقي اسفل رأسي، دون ان اخاف من الليل وظلمته، يبدوا انك لن تمنحني هذا. نهضت من جواره ب**ت تجرجر اذيال خيبتها غير قادرة على تحمُّل كلمةٍ واحدة القاها سهوًا فلازالت تشعر بأن من يقف امامها هو ذلك الشاب الغني الذي اشتراها بنقوده في لحظة شهامة عندما باعها اخيها بابخس ثمن. بينما راقب هو افولها لتغرب شمس الأمل بداخله ولا يدري ماذا يمكنه فعله ليزيل كل تلك الحواجز التي تحجبه عنها، صحيح انه حاول طويلا بالاشهُر الماضية إلّا انه لا زال ثمة شيءٌ بينما عالِقٌ بالمنتصف، كحاجِزٍ غير مرئيٍ لا يسمح له بالاقتراب منها بالرغم من لهفته لذلك الشعور الذي لم يجربه منذ سنواتٍ طويلة. بعد ساعاتٍ قضاها جالسا على الأريكة شعر بالرغبة في النوم ولم يدري لما قادته قدماه لغرفتها، فلم يجدها وخمن ببساطة مكان تواجدها، إنها هنا! بغرفة سلاف تنام مُحاطة برائحتها. اقترب بهدوء لكي لا يوقظها واستلقى بجوارها لتجفل بفزع، ولكنه جذبها نحوه يُهدئ خوفها بقبلةٍ توّاقة كبحها طويلا ليدرك ان هذه المرأة مكانها الدائم هنا، بين ذراعيه الى الأبد. بينما كانت هي تغرقُ بتخبُّطٍ لم تعرف هي تهرب منه، حاولت الابتعاد عنه ولكن ثمة ما يجذبها اكثر نحوه، نحو ذلك الجنون المتنامي بداخلها كشرارةٍ وسط كومة قش، فتلك العواطف المتضاربة لم تكُن ذات يومٍ مطلبًا في حياتها لأنها ببساطة لم تعايشها طويلا، لم تشعُر بها سوى في أشهُر زواجهما قصير المدى لتدرك اليوم ان الزمن لم يمُر، بل وكأنها غفوةٌ صغيرة تلك العشرين عام وقد استيقظت بعدها لنجد نفس الرجُل الذي هو زوجها ونفس مشاعرها المُضطربة والخجولة نحوه. كل ذلك الشعور اللذيذ اختبرته بقبلةٍ واحدة افسدت كل ما خططت له من هجران و**رت كل الحواجز الذي بنتها ذات يوم لتعود لنقطة البداية. تلك الفتاة الصغيرة البريئة والشاب الغني ذو الخبرة الواسعة بكل شيء. - لا تخافي، لا شيء قد يخيفكِ وانا موجود. تمتم وهو يستلقي ويضمها على ص*ره بحنان وكل تلك البراكين الثائرة بداخله تتحوّل لرماد واناملها تتشبث به بقميصه وكانه تخبره سرّا ان لا يبتعد ولم يكُن هو ليرغب بأكثر من ذلك، على الأقل قي الوقت الحالي. ادعت النوم هربًا من كل شيءٍ لتنام بالفعل بعد دقائق قليلة ولازالت بين ذراعي الرجُل الوحيد الذي دخل حياتها، والذي نسِيت في خضم كل ذلك انه زوجها، مهما طال الزمن وباعدت بينهما المسافات فهي لازالت ترتبطُ معه بميثاقٍ غليظ لن يتلاشى تحت اي سبب. ورغما عنها كانت تشعُر احيانًا بالذنب نحوه خاصة عندما اخبرها بما حدث قبل هروبها، لقد كان اخيها قد اعاده لطريق الضلال و*دى مُدمنًا ولأجلها فقط اراد ان يتعالج ويصبح بخير ولكنها تركته لينت** مرّة اُخرى عقب فراقها، يتجرع مرارات الفقد بذلك السُمّ الذي انهك جسده الى حدّ مقاربته للموت ولكنه تعافى، لأجل املٍ ضئيلٍ بلقياها وها هي آماله تتحقق، ليكتشف امر ابوته لسلاف ويزوجها اليوم، هل هنالك شيئًا اجملُ من هذا؟! ليت هذه الليلة لا تنتهي وتظل زوجته الحبيبة بجواره الى الأبد! ولكن ذلك لا يمكن، ففي الصباح ستعود لتبتعد، تؤنب نفسها على لحظة ضعفها وستبعده من جديد. - لن اسمح بذلك! تمتم وهو يضمها بشدّة يستنشقُ رائحتها بشوق من يستنشقُ آخر أنفاس الحياة وراح كلاهما في نومٍ عميق، لم توقظهما منه اشعة الشمس التي **ت الأرض منذ ساعات ولكن مكالمة سلاف فعلت، إذ ان رنين الهاتف دفع مريم للاستيقاظ لتكتشف انها غفت ببن ذراعي زوجها، لم تدري كيف تنهض دون ان توقظه وقطعا لا ترغب بأن ترى ردّة فعله حول الأمر الآن ولكن صوت الهاتف الذي لم تستطع الوصول اليه دفعه للتململ بإنزعاج ليجدها نصب عينيه ما ان فتحهما، تطالعه بوجه اصفى من العسل، وانقى من طفلٍ وُلد لتوّه، لا يدري لماذا شبهها بهذه الصورة في تلك اللحظة إلّا انها بدت بالفعل كذلك. - الهاتف يرن. تمتمت وهي تحاول ابعاد يديه التي تحتويها بتملُّك ليدفعها ويجثم فوقها تمتمًا بإبتسامةٍ واسعة: - ادفعُ ما تبقى من عمري لأسيقظ كل يومٍ على هذا الوجه. - لقد دفعت ما سبق لتبتعد عنه، عشرون عامًا وانت بعيدًا عن هذا الوجه، هل غدى اليومُ جميلًا؟! همست بقوّة بالرغم من انتفاض قلبها بذُعر ليجيبها مبتسمًا بعذاب: - انا راضيٍ بأن تثأري منّي عن كل لحظة قضيتها بعيدًا عنكِ، بل مُستعدُّ لكل ما ستحكمين به يا ريّا القلب. - يبدوا ان ذاكرتك لم تشيب. علّقت وذكرى لطيفة تمُرُّ ببالها كنسمة صيف لتتفاجأ بإبتسامته وقد غشى عينيه التماع الدموع: - ولا قلبي يا ريّاه! لازِلتُ كما انا ولكن الفرق الوحيد انني أُحبُّك، ربما لم تنسح لي الفرصة بالماضي لأُثبت لك ذلك ولكننا هنا اليوم، ولن يكون بيننا حائلٌ منذُ اليوم. - حقا؟! هل هكذا قررت؟ وانا طبعا من المفترض ان اطيعك كالعادة واقول نعم يا سيدي كما كنت افعل طوال حياتي أليس كذلك؟! عليّ الإمتنان لأنك عُدت بعد اكثر من عشرين عامًا لتأويني انا وابنتي. تمتمت بقسوة وهي تدفعه وتنهض بسرعة غير قادرة على تكملة هذا الحوار المؤذي لكليهما لتلتقط هاتفها وترد على ابنتها ولا تدري كيف فجأةً تحوّلت قوتها لسيلٍ من البكاء ما ان سمِعت صوت سلاف. ظلّت تبكي دون ان تستطيع الكلام الى ان اخذ عثمان منها الهاتف ليطمئن ابنته القلِقة قائلًا بحنان: - سلاف صغيرتي، والدتكِ بخير لا تقلقي هي فقط تفتقدك. من الجهة الأخرى بكت سلاف وهي تقول: - وانا ايضا افتقدها يا ابي، افتقدكما للغاية وارغب فقط بأن اعود اليكما الآن واحتضنكما طويلا. ابتسم بلهفةٍ وهو يسمع منها كلمة ابي بشوق واعترافها بفقدانه هو قطعًا أجمل ما قد يحدث بحياته. - يا حبيبة ابيك وانا ايضا اشتاقُ اليكِ، لا ارغبُ بقول هذا ولكنني نادِمُ على الموافقة على زواجك بهذه السُرعة، ربما كان من الافضل ان نبقى سويًا لعامٍ او عامين. ابتسمت من بين دموعها ولا تصدق انها قد تحظى بهذه المحادثة بينها وبين ابيها بعد اشهُرٍ من ال**ت وادعاء اللامبالاة. اقتربت مريم ليفتح سماعة الهاتف ويقول: - ها هي والدتك قد انهت نوبة بكائها وقطعًا تريد الآن التحدُّث إليكِ ذات الحديث الذي يُقال في هذه الأوقات، كيف كانت ليلتك يا عزيزتي؟ هل الزواج جميل؟! انهى حديثه ضاحكًا عندما سمع شهقة سلاف وهي تقول بحياء: - ما الذي تقوله؟! عيب يا ابي. - سلاف حبيبتي انتِ بخير أليس كذلك؟! كيف كانت الليلة الماضية تسائلت مريم بجدية لتهمس ابنتها بتلعثم وهي تغرقُ في وسادتها: - امي، ساغلق الهاتف الى اللقاء. وبالفعل اغلقت هاتفها ووجنتاها تتلونان بحمرةٍ قانية بينما ابتسمت مريم وهي لا تصدق الى الآن ان ابنتها الصغيرة قد غدت امرأة. - صوتها مليئٌ بالفرح، إنها بخير لا تقلقي. قال بهدوءٍ ونهض ليتجه خارج الغرفة ليسبقها صوتها هامسًا بإسمه، وعندما التفت لم تدري بماذا ترد عليه فجاء سؤالها عفويًا: - هل انتَ ذاهب؟! اعني بإمكانك تناول الإفطار ثم المغادرة، انا اساسا سأعده لنفسي. ابتسم وهو يردّ عليها: - انا لن أُغادر، بل ساذهب لأبدل ثيابي في غرف*نا، وفي هذا الوقت حضري لنا الإفطار. - هل ستبقى؟! أليس لد*ك عمل؟ ثم انني سمحتُ بوجودك سابقًا فقط لأجل سلاف ولكنني الآن وحدي ولا... - لا ماذا يا مريم؟! لا يجوز؟! تسائل مقاطعًا أياها وعندما لم تجد القدرة على الرد اقترب منها هامسًا بعتاب: - ما لا يجوز هو هذه المسافة التي تضعينها بيننا، ما لا يجوز هو ان آخذ الإذن لألمسك وترفضين بتمنُّع، أنتِ زوجتي يا مريم، إن مرّ عقدان او ألف عام ستظلين زوجتي والى حين ان تقتنعي بذلك لن اغادرك مطلقا. كادت ان تردّ عليه بغضبٍ كالعادة الّا انه وضع سبابته على شفتيها هامسًا: - لا اريدُ سماع اي كلام، وانا سأبقى شئتي ام ابيتي. - هذا بيتي! تمتمت وعيناها تتسع بغضب ليقول بالمقابل واصبعه يوضع علي قلبها: - وهذا بيتي انا! - طلقني! هتفت بتهوّرٍ ليجيبها ببساطة: - قبل موتي، ساكتبُ علي وصيتي ان تظليّ تحت ع**تي الى ان نلتقي في العالم الآخر، اما الآن فانتِ مُجبرة على ان تكوني زوجتي. تركها ببساطة وهو يتجه لغرفتها لتتبعه هاتفة بحدّة: - سأرفع عليك قضية، انا لا اريدك ألا تفهم؟! ابتسم وهو يفتح الخزانة التي رتّب فيها بالأمس ثيابه لتهتف بجنون:
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD