الفصل الثالث

1354 Words
في مكان آخر في ذات البلاد كانت الليلةُ الخريفية المُنعِشة تبدوا اكثر دفئًا وصخبًا، تتلألأُ اضواء الحفل من بعيد فتعكِسُ زيف نفوس الروّاد، تترامى الصفقاتُ هنا وهناك، تتناغمُ الأجساد شبه عارية على انغامٍ صاخبة وأُخرى هادئة، تتلصصُ العيون على الثنائي المثالي، ابطال حفل اليوم السيد مُرتضى العدني وزوجته الحسناء كهرمان النجار، فاليوم بحديقة فيلا آل العدني تُقام الذكرى الثانية عشر لزواج رجل الأعمال الشهير الأبن الأكبر للسيد وضاح العدني صاحب المجموعة التجارية الشهيرة التي تُعد من ركائز الإقتصاد في البلاد، لذا كان الحفلُ استثنائيًا كعادة كل شيءٍ يخُصّ هذه العائلة. تقدّمت السيّدة كهرمان تتأبطُ ذراع زوجها وابتسامةٌ مُتقنة ترتسِمُ على شفتيها المصبوغتان بلونٍ احمرٍ قانٍ يماثلُ تلك الوردات بثوبها ذي الت**يم الخاص جدا، بالتأكيد كان هذا من اهم الأشياء التي ركزت عليها لتكون كنجمةٍ سينيمائيةٍ اليوم. لمعت عيون النساءِ غيرةً من جمالها واشتعلت اعيُن الرجال إنبهارًا بف*نةٍ تُعلِنُ عن نفسها دون خجل، بالرغم من طول فستانها الأبيض ذو الورود الحمراء وإلتفاف قماشه الناعم على ذراعيها الّا ان جمالها الأخاذ لا يخبو مُطلقًا، وكإمرأةٍ بمطلع الثلاثين إنها بالفعل من المع السيدات في البلاد، خاصّة بما انجزته من نجاحات في مجال عملها كمحامية وصيتها الذائع في مجال العمل الطوعي، فبالنهاية هي ابنة عِز، خُلِقت لتكون الاولى دومًا. لتشعر بخفقات قلبه الهادرة ليجيبها بصدق: - لا يمكنني ان انسى شيئًا يخصّكِ يا عزيزتي. - عسى ان يحميكما اللهُ من أعين الناس. قاطعت والدتها حوارهما وهي تبارك ذكرى زواجهما مع بقيّة افراد عائلتهما. وبعدها ابتعد مرتضى ليرحب ببعض منافسيه في العمل وركب من المعارف بينما تتأكد زوجته من ان الحفل يسير كما خططت له. كانت هيفاء تعمل على حاسوبها عقب عودتها من البنك لتسمع رنين الجرس، قطبت حاجبيها بدهشة فلازال الوقتُ باكِرًا على عودة علي.. لا تدري لماذا شعرت بالقلق إلّا انها سارعت بإرتداء عبائتها وخمارها لتفتح الباب، وللحظةٍ ارادت ان تقف خلف الباب وتسأل عن الطارق كما كانت تفعل في طفولتها إلّا انها تراجعت وهي تفتح الباب لتجد امير امامها. رمقته بنظرةٍ مُشمئزّة وقالت بغضبٍ مكبوت: - ما الذي أتى بك الي هنا؟! ماذا تريد؟ - هيفاء، ارجوكِ اسمعيني للحظة، انا اعتذر عن كل ما بدر منّي، فقط دعينا نتحدث قليلًا وبعدها سأُغادِر، انا لا ارغب بان يتحوّل الأمرُ بيننا لهذا الطريق المسدود. كانت نبرته اقرب للتوسُّل وهو يحاوِلُ إقناعها ولكنها لا تسمعُ سوي صوت سبّابه التي كالها لها ولوالدتها الميّتة، لا تستطيعُ غُفران ايّ من اخطائه فقلبها إن كرِه لا يعرفُ الرحمة، ثُم إن امير ليس له اي معزّةٍ بقلبها لتشفع ولو للقليل من افعاله ولكن رغما عنها كانت تُريد ان تعرف ماذا يريد منها او كيف سيحاوِلُ التمثيل عليها. كانت قلبها يقرع جدران اضلُعِها دون سببٍ مُبرر ولكنها ادّعت القوّة والصرامة وهي تسمحُ لهُ بالدخول وتركت الباب مُشرعًا في اشارة واضحة بعدم الثِقة به ولكنه لم يُعلّق بل دلف لتتقدم وتجلس في الأريكة المقابلة له وتقول بنفاذ صبر: - ما الذي تريده؟! هل قررت ان يتم كل شيءٍ بهدوء بدلًا عن الفضائح؟! - هيفاء انا آسف.. همس في محاولة للإعتذار ولم يكتفي بتلك العبارة الجوفاء بل نهض وتقدم ليجلس بجوارها لتتراجع بحركةٍ غريزيةٍ بعيدا عنه الّا انه لم يسمح لها بالإبتعاد اكثر وهو يمسك بيدها مُتضرِعًا: - اسمعيني ارجوك، وبعدها سيكون لكِ كامل الحُرية فيما تريدين. سحبت يدها منه بعُنفٍ وزفرت انفاسًا غاضِبة ليُكمل بحسرة: - صدقيني انا لم اقصِد إهانتكِ، انتِ لا تعلمي ما يحدُث في حياتي، ثمّة الكثير من الأشياء لا يعرفها احد لذا لا تحكُمي عليّ من كلماتٍ القيتها في لحظة يأس بعدما ض*بني اخيكِ بلا رحمة. - تلك الكلمات التي ص*رت منك في لحظة يأسٍ كما تدّعي هي رصاصةً لا زال نزيفها بقلبي، لا يمكنك ان تؤذيني في اُمي وتنتظر منّي شفقةً نحوك. همست وغصّة تثقبُ حلقها، يا إلهي ما اقسى هذا الوجع! ذلك الألم تجرعته طوال تلك السنين عن طيب خاطر لشعورها بأنه مظلومٌ مثلها، مُجبرًا على امرأةٍ لا يحبها ولكنه اهان والدتها وهذا ما لن تسمح به، فمنذ سنواتٍ طويلةٍ قد تخلّت عن كل شيءٍ لتقِف سدًّا منيعًا ضد كل ما قد يؤلم والدتها، لن تكون هيفاء إن لم تجعله يدفع ثمن حديثه. - صدقيني انا لم اقصِد، انا اُحبُّكِ يا هيفاء واريدُ ان نكمل حياتنا سويا. - حقًّا؟! بهذه البساطة؟! تسائلت بإستهزاءٍ ودموعها تسقُطُ لاوّل مرّةٍ امامه، تلك الدموع الأبيّة عصتها اليوم وفضحت ضعفها. - امير، ارجوك توقف عن لعِب هذا الدور، لا يليقُ بك مُطلقًا! همست وهي تنهضُ مُدعيةً قوّةً لا تمتلكها وإلتفتت نحوه لتقول ببرودٍ شديد: - وإن كُنت مُحِقًا فأنا لا اُحبُّك! هل تفهم هذا الكلام! - انا أُحاوِلُ إصلاح الأمر فلا تعاندي يا هيفاء! فكري جيّدًا كم عمركِ؟! ومن سينظر إليك بعد طلاقٍ من اقرب الناس إليكِ عن طريق المحكمة! ماذا سيقول الناسُ عنكِ؟! وكيف ستواجهين حياتكِ ولقبًا ثقيلًا مُلصقًا على جبينك؟ همس بنفاذ صبرٍ لتبتسم بظفرٍ عندما ادركت انه قد خلع وجه الحُبّ الزائف ليبدوا اكثر بشاعة ووضوحًا فأمير لم يكُن يومًا رجُلًا، لطالما كان ولدًا طائشًا فاسِد الطِباع، يُعلنُ بوقاحةٍ مساوءه ويأبى ان يلعب دورًا اقلُّ جُرأةً من شخصيته الحقيقة وهذا ما جعلها تحترمه، نعم لقد احترمت رفضه القاطِع للزواج منها وكانت تعلمُ انهُ صادِقًا في عدم رؤيته لها كإمرأة وكم احبّت ذلك! فقد خفف عليها حِملًا ثقيلًا وهي المُكبّلة بحُب رجُلٍ آخر ليصبحا حينها مُتعادلين. واليوم امير يريدُ الكذِب ليضمن سكوتها عن حقها الذي كفلهُ لها الشرع! تلك النقود التي من واجب الزوج منحها لزوجته يجب ان تأخذها جميعها! ستجرِدُ معه حساب سنواتٍ من الزواج لم تنل منها سوى القليل من المال والكثير من الحسرة. نهش الناسُ لحمها وهم يتهامزون عن المسكينة ابنة المرأة المجنونة التي تركا زوجها بعد شهرٍ من زواجهما ولا يدري احدٌ انه لم ولن يكون ذات يومٍ زوجها وان تلك الوصيّة الغ*يّة من جدّها ليست سوى كذبة كبيرة مثل الجميعُ انها حقيقة. - لا تدعي الإهتمام يا امير! لا يليقُ بك الكذِب، فأنت ملِكُ الوقاحة. همست وهي تنظُر نحوه مُبتسمةً بغلٍ ليلعق شفتيه ونظرةً غريبةً تُظللُ حدقتيه، ينظر إليها بإعجابٍ لما يرى خلف تلك الصرامة الغير معهودة، فلقد كانت دومًا ضعيفة، خانِعة مع لمحة قوّةٍ خفية يبدوا انها بدأت الآن بالظهور. ولكن ما جذبه اثناء النظر نحوها انها بدت مُختلفة، اكثر جمالًا او انه لم ينتبه من قبل لملامحها، كان قوامها اهيفًا كإسمها تميلُ للطول كغُضنٍ اخضر، ولون جسدها كالمرمر، بل سيكون اكثر جاذبيّةً في ثوبٍ قصيرٍ يُظهر مفاتنها، وجهها اكثرُ ملامحها ثورةً بذلك الخدّ المرتفع والذقن المختوم بغمزة الجمال، تلك التي ورثتها عن والدتها... اما عيناها فكانتا شمسين على وشك الغروب. رفعت وجهها بحركةٍ تنمُّ عن الترفُّع عندما نهض مُقتربًا منها ولكنه وبلحظةٍ واحدة جذبها نحوه، بعُنفٍ لم تتوقعه وفي اثناء محاولتها لإستيعاب هجومه لتفهم انها بحاجةٍ للدفاع كان فمه يلتهِمُ شفتيها بضراوةٍ لتجِد نفسها فجأةً تصرُخ بقهرٍ وهي تنشِبُ اظافرها في عنقه تنتزعهُ عنها بعنف وعادت لتصرخ من جديد ولكن هذه المرّة وقبل ان تكتمل صرختها تم تكميمها بيديه الغليظتين للتجلى اقسى إمارات الرُعب على ملامحها، لا! لا يمكنه ان يفعل ذلك! لا يمكن ان ي**رها لأجل المال! هل يريد الإنتقام لانها ستأخذ حقها منه؟! من سينتقم لها إن كُسرِت من جديد بل هل ستستطيعُ الوقوف من جديد إن لوثّها الى الأبد؟! بكت بصوتٍ مكتومٍ وهي تشعُر بالضعف وهمسه يزيدُ من رُعبها: - إذن يا ابنة عمتي تريدين الإنفصال؟! وستقولين للمحكمة انّك عذراء لتنتهي القضية أليس كذلك؟! تريدين حقوقك الزوجية؟! إذن لماذا لم تطلُبي ذلك منّي كُنّتُ لأفعلها على الرُحب والسعة! ضحِك بشدّةٍ وهو يدفعها نحو الأريكة لتسقُط عليها ويجثِمُ فوقها متمتما بحدّة: - لقد حاولتُ إرضائكِ بالحُسنى ولكن يبدوا انّكِ تُحبين الطُرُق الوعِرة. - يا حقير! ساعدوني! النجدة! صرخت ما ان استطاعت التحرر من قيد يديه ليصفعها بقوّة ويعود لتكميم فمها بينما بيده الأُخرى قد انتزع خمارها وهو يهتِفُ بجنون: - لن يسمعكِ احدٍ، وحتى إن فعلوا لن ينقذكِ أحدٌ منّي، فأنت لا زلتِ زوجتي لو نسيتي الأمر. بكت بشدّةٍ وقد بدات قوتها بالإنحسار بينما يزدادُ هو ضراوة، بكت حينها وهي تناجي الله بكل خوف، تناجيه بحقّ توبةٍ طرقت ابوابها منذُ سنين، بحق صلوات الليل ودعاء السجود. - يا رب! احميني منه يا إلهي! لن احتمِل **رًا جديدًا، لم يتبقى لي سوى روحي طاهرة، لا تجعله يلوثها. شعرت بأنها على وشك الإغماء ويده على فكّها تخنقها بشدّة بينما بيده الأُخرى يستبيحُ حُرمة جسدٍ ليس لهُ فيه حق، هو ليس زوجها! لم يكُن يومًا كذلك. ازدادت دموعها ويديها مكبلتان بشدّةٍ بينما شُقّت لنصفين ليظهر جسدًا كرمتهُ منذ سنين بالستر ليتعرى اليوم امام عدوٍ لن تسامحه بحياتها. ولكنها لم تيأس من روح الله، كانت تتوسله لآخر لحظة علّه ينقذها بمعجزة... ولكن يبدوا ان زمن المُعجِزات قد ولى... سلطانة البريئة في الفصول القادمة ستبدأ حكايتها مع ابن الجيران وهمام سيتخذ خطوة جديدة في علاقته بهيفاء كونوا بالإنتظار
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD