الفصل الرابع

744 Words
بعد عدّة ايام وفي احد الصباحات جلست عائشة على الكرسي الهزاز بغرفة المكتب والذي اصرّت على ان يكون بركنٍ قاصٍ بجوار المكتبة التي جمعت كتبها منذ مراهقتها، جلست وبيدها كوبًا من القهوة وبالأخرى كتابًا عن فن المسرح، مستغرقة تماما بين سطوره عقب مغادرة زوجها لعمله وانشغال الطفلين بأل**بهما الجديدة. مرّ بعضٌ من الوقت قبل ان تزفر بضيق، فأفكارها تفسد عليها متعة اللحظة، افلتت كوب القهوة على الطاولة المجاورة وعادت لتحتضن الكتاب بين يديها ورأسها يستريح على ظهر الكرسي وعيناها مغمضتان بسكونٍ يتنافى مع تلك الضجّة الدائمة بداخلها، تشعر دومًا بأنها بحاجةٍ للقلق على ابنائها، زوجها، عائلتها، كل شيء، لقد صارت تشعر بالغرابة إن لم يمارس عقلها طقوس افكاره السوداء اليومية. منذ ان ترك فاروق مسؤولية الأطفال على عاتقها بغيابه الدائم إزداد ذلك الشعور الذي يلازمها منذ طفولتها، لطالما اخبرها والدها انها خُلِقت بقلب اُم، دائمة القلق والخوف، تمنح مشاعرها لمن حولها دون ان ترتجي مُقابل، تمارس العطاء الى درجة انها قد تخنق من حولها ولطالما شعرت بذلك في الفترة الأخيرة، خاصّة في علاقتها مع ابنها البكر الذي يحاول الإنشقاق عنها مُدعيًا النُضج، يخبرها بصراحةٍ بمدى إنزعاجه من إلتصاقها الدائم به ولكنها لا تُعير احاديثه الطفولية ادنى إهتمام، إنه ابنها ومن حقها عليه ان ترعاه او هذا ما تظنه. نعم تظن ذلك بددت وحدة طريقها ببعض الموسيقى، تسيرُ بخمولٍ شديد عقِب عودتها من العمل، نظرت نحو حذائها الرياضي الذي تلطّخ ببعض الطين من رطوبة الشوارع، زفرت بملل وقد زاد غيظها مع تساقُط الأمطار فجأةً لتفتح مظلتها تحمي بها جسدها وحقيبتها من البلل، واخذت تُسرِعُ الخُطى نحو بيتها فالليلة تبدوا عاصفةً **ابقتيها. اثناء مسيرها لم تنتبه للعربة التي تراقبها منذُ خروجها من العمل ولم يخطُر ببالها ان احدهم ينتظرها كل يومٍ الى ان يوصلها الى البيت، او بالأحرى شخصين، كلاهما يشكلان جانِبًا مُهمًّا في حياتها، اوّلهما حبيبها الذي ترفضُ مُصالحته منذ اسبوعين والثاني من يتمنى ان يحذِف كل ما خلّفه في حياتِها من ألم. وصلت بسلامٍ الى منزلها ظنّا منها ان هذا اليوم سيمُرّ كبقيّة الايام ولن تراه ايضًا، رغمًا عن عقابها القاسي ورفضها التام لرؤيته إلّا انها تفتقده في كُلّ لحظة، تشتاقُ لسماع صوته ورؤيته والسير معه في ذلك الطريق الذي يبدوا كحقلٍ من الورود برفقته ولكنه اليوم صحراء مُغفِرة. هو لا يعلم مص*ر خوفها، كرهها للسجائر وخوفها بأن تتحوّل ذات يومٍ لشيءٍ اكبر واكثر تدميرًا لنفسه ولها، قد تظُنّ والدتها بانها لا تذكُر شيئًا من الماضي ولكنها على الع**، لا زالت تختزِنُ بعض الصور البشِعة في رُكنٍ قاصٍ بذاكرتها، قد تبدوا ملامح خالها ضبابيّةٌ ولكن رائحة السجائر مصحوبةً بقذارة الكحول لا زالت طازجةً بأنفها كجُرحٍ غائرٍ ينزِفُ بغزارة. وكوالدتها تماما تظاهرت بالنسيان ولكن عميقا بداخل كُلّ منهما اشياء تحرقُ القلب، لا تعلم مدى عُمق جِراح والدتها ولكنها تعلمُ يقينا انها تتألّم، لسنواتٍ طويلة ادّعت تلك الإبتسامات الى ان اعتادتها ولكن مساءً عندما تتظاهرُ هي بالنوم تسمعُ نحيبها الخافت، وانين آلامٍ لم تستطِع علاجها الى الآن وكم يؤلمها ذلك. - مساء الخير عزيزتي، حمدًا لله انّكِ وصلتِ، يبدوا ان الأجواء ستزداد سوءً. همست والدتها وهي تستقبلها مبتسمة لتخلع حذائها على عتبة الباب قبل ان تدلف هامسة بإرهاق: - مرحبا امي. - تعالي يا صغيرتي، تبدين مُنهكة للغاية، لماذا لم تستغلّي عربة أُجرة الى المنزل؟! قالت والدتها تراقبها تُلقي بحقيبتها على الأريكة بينما تتجه الى غرفتها: - بالله عليكِ يا اُمّي، راتبي بالكاد سيكفي لفواتير الكهرباء والغاز والماء هل ساُهدِرُ ما يتبقى منه في سيارات الأُجرة؟! نظرت الى والدتها التي تبعتها لتجِد بعيناها التائهتين حُزنًا عميقًا وبعض الخجل وكانها تعتذِرُ منها عن سوء ظروفهما، لعنت نفسها آلاف المرّات، كيف لها ان تكون سببًا في حُزن أقرب الناس إليها؟! ليت الأحزان تضلُّ طريقها إليكِ يا حبيبة القلب. همس قلبها ولا تدري ايّ منهما تواسي الأُخرى، أهي تُخفي احزانها بقلب والدتها ام الأخيرةُ تحتمي بها خوفًا من مجهولًا يؤرّق حياتها. - ارجوكِ أُمي لا تحزني، انا مُعتادة على المواصلات العامة حبيبتي، فقط ادعي ان تمُرّ فترتي التدريبية على خير وحينها سيتم وضعي بمنصب ثابت وراتبي سيكون مُضاعفًا حينها ستجلسين كالأميرات وساجلب لكِ كل ما تتمنين. ابتسمت بمحبة ووالدتها تقبلها على وجنتيها وتدعوا لها بالسعادة والنجاح، وتخبرها بأن تبدل ثيابها ريثما تحضر لها العشاء لتغادر الى غرفتها حيث اتجهت لخزانتها لتُخرِج بيجامة الغيوم الملوّنة علّها تُساعِد في تحسين مِزاجها الكئيب. في تلك الأثناء رنّ جرس الباب لتخرج مريم من المطبخ وتتجه نحوه وما ان فتحته حتى فُتِح امامها الماضي بكُلّ آلامه، مرارته وحلاوته التي لم تذُق منها سوى القليل بين يدي هذا الرجُل قبل ان تعود الحياة لتنتزِع منها السعادة كالعادة وترميها بعيدًا... بعيدًا عن الرجُل الوحيد الذي استطاع ان يتغلغل بروحها. - مرحبًا يا زوجتي. همس بنبرةٍ اعادتها لأكثر من عشرين عامًا، بذات الأنفة والصلابة التي قالها قبل سنين في صالة بيت والديها العتيق عندما تم عقد قِرانهما.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD