في الخارج استغلّت سُلاف المركبة العامّة لتتوقّف في احد المحطات قبل بلوغها منزلها، وتسير بأحد الشوارع العامّة الى ان وصلت لورشة الميكانيكا التي يعمل بها حبيبها.
- مساء الخير يا رِجال، أرأيتُم خطيبي الوسيم اليوم؟!
هتفت بمرحٍ فور دخولها للورشة ليبتسم إليها العجوز الذي يقوم بتفحُّص احد السيارات بينما الصبيّ المراهق اشار إليها نحو احد السيارات لتقترب منها بهدوء.
كان مروان حينها يرقد اسفل السيارة يربط على رأسه مصباحًا صغيرًا.
جلست بجواره غير عابئة لذرّات الغُبار التي لوّثت بذلتها الجديدة التي هي السبب الأساسي بخصامهما اليوم، فعندما انتظرها صباحًا امام منزلها بأحد السيارات القديمة التي يقوم بتصليحها، وجدها ترتدي تلك الثياب التي صُمِمت خصّيصًا لترسم منحنيات جسدها بدقّةٍ وترفعُ ضغط دمه.
لم تكن تريد أن تفعل اس شيئ لقد كان غاضبا وهي أكثر غضبا منه ولكنها لا تريد أن تفعل اي شيء يغضبه فهي تحبه للغاية، لدرجة أنها لا تتحمل خصامه مطلقا، لقد كانت هناك في عملها، بأول يوم تفكر فيه وبكلماته وبحبه الغير مشروط الذي يحيطها به في كل وقت
امي، يا حبيبتي يا احلى البنات.
همست وهي تركض نحوها لتحتضنها، آهٍ كم زاكيةٌ هذه الرائحة، رائحة القرنفل الممتزج بصابون الاستحمام الذي لا زالت تذكر كيف يذوب بعطر جسد والدتها ليكونوا مزيجا تموت وتستنشقه من جديد.
- هيفاء يا حبيبتي.
يا إلهي ما اقسى تلك الحياة! كيف عاد ذلك المشهد بكُلّ تفاصيله الصغيرة ليتجسّد امامها الآن، ذلك اليوم الذي اغتيلت فيه تحت مسمى السُترة، وقبلت فيه ان تُمتهن كرامتها فقط لتبتعد اخيها ومصائبه لتكتشف انها اوقعت نفسها في نيران احرقت ما تبقى منها، ولم يظلّ من قلبها سوى رماد، رمادًا لا زال دخانه يجوب الأرجاء.
- من انتَ؟! وماذا تريد؟! يبدوا انك اخطأت في العنوان.
همست بثباتٍ تُحسدُ عليه ولكن عيناها وحدها لم تستطِع الكذِب، لقد تغيّرت كثيرًا..
هكذا فكّر وهو يتأمّل جسدها إنشًا إنش، وكأنه يبحث عن أُخرى لا تشبهها، أُخرى كانت ذات يومٍ أضعف أُنثى على وجه الأرض ولكن اليوم عيناها تحملُ قسوة الحِجارة، ولكن لا يهم، لا يهم ايّ شيءٍ مادامت هنا، حيّةٌ تُرزق، بل هي لا زالت حيّةٌ بقلبه كما لم يظُن.
- لقد تغيرتِ كثيرًا يا مريم، يا زوجتي الصغيرة.
صوته دفعها للتراجع بضعة خطوات وعندما حاولت إغلاق الباب وجدت يده تحول بينهما، وبسهولةٍ إستطاع التغلُّب على قوتها ودخل مُغلقًا الباب خلفه ولازالت عيناه تأبى ان تبارحها، تتصارعُ نظراتهما بجنون، يخفقُ قلبيهما بذات القوّة أحدهما شوقًا والآخر خوفا.
ليتها تموت الذكريات! ليتها تفنى كأن لم تكُن، ليته فقط رآها اليوم دون سابق معرفة، كانت لتتغير كل الموازين.
- انا لستُ زوجتك!
همست ورأسها يتحرك يمينًا ويسارا بالتزامن مع هطول دموعٍ تماثل المطر المنهمر بالخارج بينما يومئ هو بالإيجاب وبنبرته تملُّكًا غريبًا:
- انتِ زوجتي، ووالدة ابنتي الوحيدة التي حرمتِني منها طوال تلك السنين.
وهي خضمّ تلك المواجهة لم ينتبها لتلك الفتاة التي تشهد اكبر واقسى ذكرى بحياتها.
مرّت الكلمات نحو عقلها ولكنه لم يستوعب بعد، يترددُ صدى العبارة الأخيرة بصورةٍ عالية جعلتها تضع يديها على اذنيها قبل تصرخ بشدّة ويتداعي العالم من حولها مع انهيار كل الحقائق التي شكلت ذات يومٍ عالمها.
وكانت تلك الصرخة رصاصة في قلب كليهما عِقابًا على تدمير حياةٍ بريئةٍ ليس ذنبها سوى انها ثمرة ذنبٍ وخوف، ضعفٍ ولا مبالاة، والأدهى انها ثمرة حُبٍ وأدته الأيام قبل ان يخرج للحياة.
- ابنتي!
كان كلاهما يصرخ بتلك الكلمة، كلاهما يشعر بذات الوجع وهذا وحده كفيلا بإقرار الحقيقة... سلاف لديها اب... ووالدتها كاذبة...
فصل طويل للغاية
ثمة الكثير من الأسرار ستكشف في الفصول القادمة.
من قابلته كهرمان
ومن ارسل الرسالة لهيفاء
هل ستتقبل سلاف حقيقة والدها
القادم اجمل بكل تأكيد.
مع حبي فايا