الفصل السادس

1131 Words
 سيادتك إنها المرة الثالثة التي أتصل بكِ اليوم و تخبريني أنكِ لستِ متواجدة ؟!  فلماذا حددتِ الموعد من الأساس ؟! لست أنتِ الطلب الوحيد لدي اليوم !  نطق خاطر بهذا السؤال عبر الهاتف بنبرةٍ مشتدة و قد بدأ يفقد صبره و بدأت السيطرة تهدد بالانفلات جراء ما يقا**ه يوميا من التعامل مع جميع أنواع البشر  الأسوأ منهم أكثر و الأحقر متواجد بنسبةٍ ليست هينة  و ها هي بعض من تلك النوعية متمثلة في صوت أنثوي مترفع غاضب و حاد كالإبرة يهتف في أذنه بقلةِ ذوقٍ متناهية  أخبرتك أنني لست في البيت ! فهل تريد أن تأتي في غيابي ؟!  لا أعلم كيف تفهم أنت ؟!  ثم أنني أحذرك , راقب نبرة صوتك و أنت تتحدث معي   برقت عينا خاطر و أصابعه تشتد على هاتف العمل المحمول بين أصابعه و أوشك على أن يهتف بشتيمة عبر الموجات بينهما مغلقا الخط كما فعل من شهرين و قد فقد عمله بالفعل لهذا السبب لبضعة ساعات , لكن بعد أن حسبها في عقله و لاحظ خطورة الموقف اعتذر  و بصعوبةٍ عاد للعمل مع القسم الا يعيدها مجددا  منذ ذاك اليوم أدرك أن الكرامة ما هي إلا مسمى مضحك  يستخدمه الإنسان حين لا يكون على المحك لكن حين يسلط السيف على العنق فلا مانع أن يتم حفظ الكرامة تحت الوسادة لليوم التالي  و لكن حين يقرر انتزاع كرامته مؤقتاً , فهي تترك مكانها قرحاً متقيحاً  يهدد أن ينتشر بداخله مع مرور الأيام و قد يحدث ما لا يحمد عقباه ذات يوم !  ابتلع خاطر الطعم الصدئ في حلقه بينما بدت عيناه الخضراوان سوداوان فجأة  و هو يقول بصوتٍ قاتم خفيض  متى ستتواجدين ؟ لأن لدي شحناتٍ أخرى أقوم بإيصالها   سمع صوتها المزعج يتكلم بأرفع نبرة على السلم الموسيقي , تلك القادرة على ثقب طبلة الأذن  ما تلك الطريقة في الكلام ؟! لا أعلم كيف لشركة شحن من المفترض أن تكون محترمة أن توظف عاملين لا يعرفون أبسط أصول التعامل مع العملاء ! أغمض عينيه للحظات وهو يحرك عضلة في حلقه مذكراً نفسه بالدروس الخصوصية التي هي أهم من طعامهم حاليا لو فقد الوظيفة و يظل هذا العمل أفضل من غيره لذا فتح فمه المتيبس و نطق ببطء  متى ستتواجدين سيادتك   سمع صوت تأففها واضحا في الهاتف قبل أن تجيبه ببرود  خلال ساعة هل هذا يناسب  سيادتك ؟  ظل صامتا لبضعة لحظات وهو يراقب الطريق بأناسه المارين أمامه  قبل أن يرد بصوتٍ حيادي باهت جيد  بعد ساعة سأكون أمام الباب  سمع صوت ضحكة مستهجنة ساخرة وصلته عبر الهاتف الا أنه أغلق الخط قبل أن يسمع المزيد ثم دس الهاتف في جيبه و معه أبقى كفه هناك وهو ينظر الى الطريق بشرود صامت قبل أن تتثاقل ساقاه فاستند الى مقدمة السيارة خلفه وهو يعدل من وضع حقيبة الطرود الصغيرة فوق كتفه يشعر بالرغبة في رميها و الابتعاد عن كل هذا , لكن الى أين ؟!  لا مهرب  فبعد أن هرب شقيقه و سافر ناسياً الأسرة بأكملها دون رسالة واحدة منذ سنوات , و بعد خروج والده على المعاش لم يعد هناك غيره  و بالطبع لا يزال الطريق طويلا أمام  الدكتورة  مروة كي يسلمها دفة الأمور ! ابتسم خاطر متسلياً وهو يتخيل نفسه و قد سلم شقيقته المسؤولية و الحمل بعد حوالي ثماني سنوات أو ربما تسعة  أو عشر كي يكون منصفاً  ضحك بخشونة وهو يهمس متلفتاً حوله بسخرية  عشر سنوات  يا للهي ! نعم إنه لا يشعر بتأنيب الضمير حين يعترف لنفسه أنه يتمنى لو لم يجد شقيقيه التوأم طريقهما لحياته لا يشعر بذرة ندم وهو يتخيل حياته أفضل دونهما بعيداً عن هذه الأسرة  لا يخجل من القول أنه يود لو يهرب كما فعل شقيقه و نجى بالمتبقي من الشباب بعيداً  سمع صوتاً يقول من خلفه آمرا  ابتعد عن السيارة يا أخ   استدار ليجد شابا يضع نظارة سوداء فوق عينيه وهو يفتح باب السيارة مشيراً اليه بالابتعاد و ملامح الامتعاض واضحة من جلوس أحدهم على مقدمة السيارة  لم يغضب خاطر هذه المرة , بل استقام واقفا وهو يرفع كفه بتحية ساخرة  فبكل أمانة لو كان يمتلك سيارة ووجد من يجلس على مقدمتها لجعل منه ممسحة للزجاج الأمامي  الكرامة التي يشكو حين يتركها تحت الوسادة كل يومٍ صباحاً قبل توجهه للعمل , لن تمنعه من أن يكون منصفا مرت الساعة بطيئة بعد أن سلم خلالها طردين من الثلاث  ثم وصل كارهاً الى باب صاحبة الصون و العفاف فدق الجرس منتظرا كان يسمع صوتها بوضوح من الداخل و هي تتكلم في الهاتف بميوعة على الرغم من رنين جرس الباب صوتها يقترب الى أن سمعها أكثر وضوحاً و هي تقول بملل  لقد وصل الطرد  انتظري لأفتح الباب لصاحب الصوت الفظ  فتح الباب ووجد أمامه فتاة ترتدي حلة بيت رياضية مكشوفة الأكتاف و الذراعين تصغره بالكثير , بالكثير فعلا لكن على الرغم من ذلك كانت تنظر اليه بامتعاض مقيمة من قمة رأسه و حتى أصابع قدميه  ثم رفعت عينيها قائلة بفظاظة مقصودة ها أنا ذا  هل انهار العالم خلال هذه الساعة ؟!  لعق شفتيه الجافتين وهو يبادلها النظر بقتامة دون أن تتغير ملامحه التي ارتداها حجرية  ثم نزع الحقيبة عن كتفه ليخرج منها طرداً مغلفاً قائلا بفتور وهو يمد إليها دفتراً و قلماً  من فضلك وقعي هنا  ردت عليه بحدة و فظاظة و هي تسحب الطرد منه  انتظر حتى أتفقد الأغراض لربما كانت ناقصة حينها ستعود بها الى الشركة لم يجبها خاطر بل ظل واقفا مكانه وهو يراها تستدير , توليه ظهرها و البنطال الرياضي شديد الضيق لا يرحم  مما جعله يبعد وجهه عنها منتظرا دون تعبير  فلتسقط إمكانياتها البارزة أمام قلة الأدب التي تتمتع بها  و لم تتهاون و هي تفتح علبة علبة  خاصة بمساحيق تجميل مختلفة , فاق ثمنها راتبه  و تمهلت أكثر من اللازم و كأنها تعاقبه بينما هو يقف في نفس المكان ناظراً اليها ب**تٍ شديد و هي تعود اليه , حتى مدت له النقود كاملة قائلة ببرود  تفضل أخذ خاطر النقود و قام بعدها إنها بالفعل تفوق راتبه ثم طبقها في الحقيبة مستديرا لينصرف , الا أنها نادته قائلة  انتظر توقف مكانه للحظة قبل أن يستدير إليها بملامح غير مقروءة  فمدت يدها المضمومة اليه تناوله شيئا مما جعله يفتح كفه تلقائيا  فوجدها تدفع في يده ورقة مالية دفعا و هي تقول بتنظيرٍ مقصود تعامل بشكلٍ جيد مع الناس , فهم لا يعملون تحت إمرتك و في النهاية أنت تتحرك بسيارة العمل لا على ساقيك  شكرا  و دون انتظار ردا منه أغلقت الباب وهو لا يزال واقفا مكانه و الورقة المالية في قبضته قبل أن يخفض عينيه ينظر إليها دون تعبير  في الواقع , اللا تعبير كان في تلك اللحظة أبلغ تعبيراً عما شعر به  لا يعلم كم ظل واقفا مكانه قبل أن يدس الورقة في جيبه ب**تٍ لينصرف مفكرا بسخرية سيارة العمل ! كم سيكون هذا لطيفاً حين يبدأ في إيصال الطرود الثقيلة , لكن إلى حينها فسيظل حاملا الطرود الصغيرة متنقلاً بين المواصلات كالقرد بين أغصان الأشجار  مع انتهاءه من تسليم الطرد الأخير انتهى يومه ولم يتبقى معه سوى الحقيبة الخالية و الدفتر  و الإكراميات التي جمعها  لم يشأ أن يعود الى البيت حاليا قبل أن يحين موعد جلسته في المقهى مع أصدقاءه إما من العاطلين أو المتزوجين  لذا قرر أن يمارس نشاطه الاجتماعي كشاب في مثل عمره لابد و أن يكون مندمجا مع المجتمع !
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD