أُتمت إجراءات الدفن وسط عزاء ضخم ضم أكبر رجال الأعمال في البـلاد ، زفـر يوسف بضيق فجميع رجال الأعمال الذين كان لهم اتفاقات مع والده لا يهمهم سوى أعمالهم التي بقيت مُـعلَّـقة به ليُـقرر تمالك أعصابه متحمِّـلاً على عاتقه قد ما يستطيـع ، انتهت مراسم العزاء وعاد الجميع إلى الفيلا كل منهم يدلف إلى حجرته دون التفوه بأي كلمة
في غرفة يوسف
جلس فوق فراشه وهو يسترجع برأسه كلمات والده الأخيـرة ، كان الفُراق صادمًا وسريعًا ، لا يُصدق أن تلك السنين قد مرت وحانت لحظة من لحظات الفراق لأقرب الأشخاص إلى قلبه ، يشعر أن ظهره وحمله قد ثقُـل من بعد رحيل والده
أردف لنفسـه بألم بينما دموع عينيه بدأت بالانهمار
يوسـف : سبتني لوحدي وسايب لي حمل تقيل أوي يا بابا
مَـر أسبوع على هذا الحال حتى جاء يوم اجتماع الجميع على مائدة الطعام بعد انقطاع دام لأسبوع لا أحد يعلم عن الآخر شيئًا ، هبط كريم إلى الأسفل لينضم إليهم على مائدة الطعام دام ال**ت دقائق حتى قرر كريم قطعه
كريم : يوسف أنا هضطر أمشي بكرا اسكندريه عشان محاضراتي
يوسف معقِّـدًا حاجبيه : نعم تروح فين معلش ؟
كريم : اسكندريه
يوسف متمالكاً غضبه : أمال ايه حكاية هتفضل هنا في القاهره ولا هو كلام وخلاص يا كريم
كريم بضيق : بابا اتوفى دلوقت يا يوسف ومفيش داعي للكلام دا
نهض يوسف عن مقعده وهتف بغضب
يوسف بغضب : يعني ايه يعني عاوز تفضل ماشي بمزاجك طول عمرك عاوز تكمل في البلاوي السوده اللي انت عايش فيها؟
كريم بتوتر : ب بلاوي ايه
يوسف : بلاوي ايه كل يوم رايح لي ديسكو وتشرب وتروح وش الفجر ومحاضراتك تروحها كل فين وفين ، أوعى تكون فاكر إني مش عارف عنك حاجه ، العيشه الزباله دي ملهاش رجوع
كريم بغضب مماثل وهو ينهض هو الآخر من مقعده : يوسف أنا مش عيل صغير عشان تزعق لي
ضاق ص*ر يوسف من حديث ش*يقه الذي لا يستجيب لأوامـره ليصرخ عليه بصوت رعـدي
يوسف بصوت رعدي أفزع الجميع : كريم أنت ناسي نفسك ولا ايه أنت بتكلم أخوك الكبير
على صوت يوسف العالي نزلت رنا وتبعتها مريم بعد ارتداء حجابها وهي تركض فوق الدرج وقلبها ينتفض من صراخ يوسف الذي أفزعها من نومها
رنا بفزع وهي تهبط فوق الدرج : في ايه يا يوسف؟بتزعق كدا ليه؟
يوسف بغضب : البيه أخوكي عاوز يرجع للسرمحه بتاعته في اسكندريه
كريم : يوسف لو سمحت مينفعش طريقة الكلام دي
يوسف بإنفعال وغضب : لا ما هوا أنت هتعلمني أتكلم إزاي مش كدا ؟
ترددت مـريم قبل الانضمام إليهم في الحديث ولكن إذا استمر الوضع هكذا دون تهدأة فسوف يتفاقم الأمر إلى شجار حاد بين الأخوين سيصعب عليهم الفضالة بينهما فيوسـف لايقبل أن تُـ**ر كلمته بينما كـريم لا يتقبل أوامر ش*يقه والضدان لن يتجمعان أبدًا
مريم محاولة تخفيف الأجواء : طيب يا جماعه ممكن نتكلم بهدوء و
يوسف بغضب وصوت رعدي : انتي مالك أنتي ، أنتي من أول ما دخلتي حياتنا والهم نازل على العيله كلها ، تصدقي اني لغاية دلوقت مش معتبرك بنت عمي ولا بعترف حتى انك شايله اسم المنشاوي ، ياريتك ماظهرتي يا شيخه
هدأت ثورة يوسف القويـة بينما يطالع نتيجة ما اقترف ل**نه هو يشاهد دموع مـريم تهبط فوق وجنتيها بينما ملامحها مشدوهة لا تُـصدق ما صرَّح به للتو ، انقبض قلبه بقوة ليقرر ترك المكان بأكمله مسرعًا بخطواته إلى خارج الفيلا
رنا وهي تربت فوق كتف مريم : مريم معلش هو متضايق عشان بابا
كريم : معلش يا مريم بس هوا يوسف كدا مبيشوفش قدامه وهوا متعصب
لم تستجب مـريم لحديث كليهما وابتعدت عنهم والصدمة تحتل ملامحها متجهة نحو غرفتها وبمجرد أن أغلقت بابها خلفها وضعت كفها فوق موضع ص*رها والذي تشعر أنه صار مقبرة من الالام ، تعالت شهقاتها وهي تستشعر شعور الوحدة والجرح والألم والذي سببه لها اليُتـم والفراق ، عزمت على أمرها تلك المرة فلا سبيل للبقاء في هذا المنزل بعد الآن
في الصباح الباكر ذهبت رنا إلى غرفة مريم وظلت تطرق باب الغرفة ولكن لم يأتها رد فقررت الدخول ولكنها لم تجد أحداً بالغرفة فظلت تنادي عليها ولم تجدها لتقرر فتح باب حمام الغرفة لوحدها فارغة وكذلك خزانته فارغة ، أردفت إلى نفسها بخوف
رنا : لا أكيد معملتهاش
رنا بفزع وهي تصرخ : كريم يا كريم
كريم بنعاس وهو يتجه ناحيتها : ايه يا رنا في ايه
رنا بخوف : مريم يا كريم مش لاقياها
كريم بفزع : ايه ازاي بتقولي أيه هي مش كانت موجوده بالليل
رنا وهي تضع يديها على فمها : معقوله تكون مشيت بعد ما نمنا
كريم وهو يضغط على شعره : هتكون راحت فين دي وكمان هتخرج في وقت متأخر
رنا بتذكر : طيب كلم يوسف
بعد مرور القليل من الدقائق من محاولات كريم ورنا المستمرة للوصول إلى ش*يقهما ولكن لا جدوى فكأنما انشقت الأرض وابتلعته
كريم بضيق وهو يغلق الهاتف بضجر : الزفت الموبايل بتاعه مغلق
رنا بتذكر : طب كلم خالد صاحبه هو عارف عنه كله حاجه
استجاب كـريم لأمر ش*يقته وقام بالاتصال بخـالد ليرد الطرف الآخر هاتفًا بحماسته المعتادة
خالد : ألو
كريم : أيوا يا خالد انا كريم
خالد باستيعاب : أيوا يا كريم بقولك هو يوسف مش جاي الشغل النهارده ولا ايه ؟ دا لسه مجاش لغاية دلوقت وفيه شغل كتير متعلق على امضته
كريم بيأس : لا يوسف أصلا مش في الفيلا يا خالد ومش عارف هو فين
خـالد بعدم فهم : يعني أيه مش في الفيلا ؟
كريم بحرج : اتخانقت أنا وهو أمبارح وساب الفيلا
خالد بتنهيده مستسلمة : يبقى أكيد في بيته
كريم بدهشة : بيته؟
خالد : آه ماهوا يوسف شاري بيت خاص بيه بس مش عارف عنوانه
كريم وهو يغلق هاتفه : طيب يا خالد سلام
خالد : مع السلامه
رنا بفكرة قذفت برأسها : طب أنا هروح الجامعه واشوفها هناك ولا لا المفروض هتحضر محاضراتها بقى ولا حاجه
كريم باستسلام : طيب
في الجامعه
كانت رنا تذهب باتجاه كلية الطب عازمة على البحث عن مريم وهناك اصطدمت بشخص ما لترتد إلى الخلف قليلاً لتهتف بحرج من**ة رأسها
رنا : أنا آسفه ما أخدتش بالي
الشخص : لا ولا يهمك يا آنسه رنا
عقب سماع اسمها رفعت رأسها بصدمة لتجده المعيد الذي يقوم بتدريسها أحد المواد بكلية الصيدلة
رنا بدهشة : دكتور أسامه !!
أسامه بمرح وهو يضحك بخفة : أه أبقي خودي بالك بعد كده
رنا بحرج : حاضر يا دكتور عن إذن حضرتك
أسامه وهو يفسح لها المجال : اتفضلي
عادت رنا في المساء والحزن يعتلي ملامح وجهها بأسف على ما وصلت إليه عائلتها في يوم وليلة تبدل الحال من السعادة ولم الشمل إلى الفرقة والنزاع
اندفع كريم نحوها عقب دلوفها إلى الداخل هاتفًا بفضول
كريم : معرفتيش حاجه عنها؟
رنا بحزن وهي تحرك رأسها بنفي : لا حتى سألت عنها وكله قالي مجتش وعرفوني على دنيا صاحبتها وقالت متعرفش حاجه عنها
كريم بضيق وهو يمرر أصابعه خصلات : شفتي أخوكي بيعمل العامله ويختفي طيب البنت الغلبانه دي هتكون فين دلوقتي وياترى حصل لها أيه !
رنا بدموع : يوسف جرحها أوي يا كريم
كريم وهو يربت فوق كتفها : ربنا يسترها بقى وأخوك يرجع قبل مايحصلها حاجه
رنا بخوف : حاجه زي ايه ؟
كريم : البنت لسه جديده في القاهره ومتعرفش حاجه ولا عارفه حاجه عن الناس ، فربنا يسترها عليها
فهمت رنا مقصد ش*يقها وعلى الفور وضعت كفيها فوق فمها تكبت شهقتها المشدوهة وهي تتخيل أسوأ الأحداث التي قد تمر بها مـريم في هذا البلد الغريب الذي تجهله تماما
رنا : يارب يا كريم
بينما كانت مريم في شقة والدها القديمة تعد طعامها فوق الموقد وفي الناحية الأخرى ترتب أوراقها وكتبها الخاصة بالدراسة استعدادًا للمذاكرة فقد قررت عدم الالتفات إلى شيء سوى مستقبلها يبدو أن عائلة المنشاوي لن تقبل بها بسهولة لذا قررت المضي قدمًا بنفسها .
مريم محدثة نفسها : أنتي ملكيش غير نفسك وبس يا مريم أنتي بس اللي هتبني مستقبلك محدش هيقف جنبك غير نفسك
كانت تهتف لنفسها بهذه الكلمات حتى وقعت باكية عندما علمت مقدار عجزها وضعفها الذي يحيط بها فما كان للإنسان أن يعيش وحده في العالم فلقد خلقنا سندًا بعضنا لبعض فالوحدة ليست ب*عور هين ولا مُحتمل
بينما في منزل يوسف كان مُتمدِّدًا فوق فراشه واضعًا ذراعيه أسفل رأسه وإحساس الذنب ماوال يشتعل داخله عن ما اقترفه في حق ابنة عمه ، متى كان قاسيًا لهذا الحد هذا ما حدث به نفسه ، خفق قلبه بشدة حينما استعاد بذاكرته هيئتها ليضع يده فوق ص*ره هاتفًا بضيق
يوسف : لا أهدى لحقت تدق لها أمتى أنت متعرفهاش ولا هي تعرفك ولا أنت ينفع تتعلق بحد متنساش هي مجرد وصيه من أبوك مش أكتر من كده ومستحيل مكانتها تزيد عن كده
في أحد القصور الضخمة جلس الأب بجوار طفله البالغ من العمر ثلاث سنوات في الحديقة يتابع الوالد تمتع طفله بقطعة الشوكولاته ليهتف الطفل ببراءة
الطفل : بابا هو الحب ده حلو ؟
عقَّـد والده حاجبيها بصدمة من سؤال ابنه ليُردف بتساؤل أكبر
الأب : جبت الكلام ده منين يا أمير ؟
هتف أميـر بمرح : بسمعه في التلفزيون ، بيقولوا أحنا بنعيش بالحب مع إننا المفروض بنعيش بالمايه
انطلقت ضحكات الأب على حديث ابنه الذكي ليقبل عليه معانقًا إياه بحنان أبوي اعتاده في وجوده منذ ولادته فبجوار صغيره ينسى مشاعر الحقد والألم ولا بحل محلها سوى السعادة
أردف الأب بحنان : الحب احساس جوانا يا حبيبي زي ما أنا بحبك وانت بتحبني
عقَّـد أمير حاجبيه بحنق طفولي ليهتف بيأس
أمير : مش قصدي ده يا بابا أنا قصدي أنا أحب بنت مش أنت
رفع والده حاجبيه لأعلي بصدمة من صراحة صغيره وكلامه الكبيره فوق سنه ليهتف بانزعاج مصطنع
الأب : أحنا مش قولنا فيه حاجات كبيره علينا يا أمير؟
أومأ أمير بنعم ليستمر والده في توجيهه قائلاً
الأب : الحب اللي أنت بتقول عليه ده لسه بدري لما ييجي وقته هتفهمه بس دلوقتي أحنا نحب ٣ حاجات بس ربنا وبابا وماما
أومأ أمير بحماس ليشدد والده من احتضانه مقبلاً فروة رأسه فقد كان طفله نعم الابن ونعم الونس