the call
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا عندما فتحت أيلا عينيها على ضوء الشمس الناعم المتسلل من بين ستائر غرفتها البيضاء. كان الضوء لا يشبه أي صباح سابق. فيه شيء مختلف، وكأن النور يحمل بين طياته رسالة غير منطوقة. لم تكن هذه المرة الأولى التي تستيقظ فيها مبكرًا، لكنها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن الكون نفسه يوقظها، لا المنبه ولا عادتها اليومية.
منذ أسابيع، تعيش أيلا في حالة من الحيرة الصامتة. فقدت شغفها بكل شيء. العمل أصبح آليًا، العلاقات سطحية، والروح ثقيلة كما لو أنها تحمل فوقها غبار سنوات من الإنكار. لم تكن تمر بأزمة حادة واضحة، لكن كان هناك شيء مفقود... شيء داخلي يتآكل بهدوء. كانت تعلم أن ما تمر به لا يُشفى بالأدوية ولا بالنصائح الجاهزة. كانت بحاجة إلى شيء أعمق... إلى شفاء الروح.
نهضت من سريرها ببطء، وقدماها تلامسان الأرض الخشبية الباردة، كما لو أنها تلمس الواقع من جديد بعد غياب. ذهبت إلى ركنها الصغير، حيث تحتفظ بطاولة خشبية عتيقة حولتها إلى مذبحٍ بسيط. عليه شموع غير مشتعلة، وزجاجة ماء ورد، وبعض الأحجار الكريمة التي بدأت تقتنيها في الأشهر الماضية رغم أنها لم تكن تفهم سرّ تعلقها بها.
أمسكت بالكوارتز الصافي أولًا. تأملت نقاءه، وتذكرت كلمات قرأتها ذات مرة: "هذا الحجر هو مرآة الروح". أحست بشيء في صدرها ينفتح ببطء. لم تكن تعلم كيف ولماذا، لكن كل مرة تمسك فيها بهذا الحجر، تشعر أن شيئًا ما في داخلها يصمت... كأن عاصفة خفية كانت تدور في صدرها تهدأ فجأة.
وضعت الكوارتز على قلبها، وأغمضت عينيها. لحظة صمت كاملة غمرتها. ثم، وبلا مقدمات، انهمرت دمعة دافئة على خدها. لم يكن بكاء، بل تفريغ... كأن حجرًا كان جاثمًا على قلبها، وها هو يتشقق من الداخل.
سمعت صوتًا داخليًا، لم يكن خارجيًا ولا هلوسة. صوتًا بدا كما لو أنه يخرج من أعمق نقطة في صدرها يقول:
"لقد آن الأوان يا أيلا... للعودة إليكِ."
ارتجفت. فتحت عينيها ونظرت حولها. لا شيء تغير، كل شيء كما هو، لكن عالمها الداخلي لم يعد كما كان قبل هذه اللحظة.
أخذت رشفة من قهوتها التي لم تشرب منها بعد، ثم نظرت من النافذة. كان المشهد خارجًا كأنه لوحة مرسومة بعناية: أشعة الشمس تلامس أوراق الأشجار الصغيرة، وزقزقة العصافير تشكل سيمفونية ربيعية خفية.
فكّرت: ماذا لو كان هذا اليوم هو بداية الرحلة؟
رحلة لا نحو مكان، بل نحو العمق. نحو الحقيقة. نحو ذاتها التي نسيتها تحت طبقات من التوقعات، الأحكام، والمجاملات الاجتماعية.
لم تكن تعرف بعد ما الذي ستفعله، أو كيف. لكنها علمت شيئًا واحدًا...
أن الروح حين تنادي، لا مجال للتجاهل.
وقفت، وأمسكت دفترها الذي هجرته منذ شهور، وكتبت عليه بخط يدها المرتجف:
"الفصل الأول: أيلا تستيقظ."