أذن البومة
أغلقت صفحة ريتشارد ولكن تظل العديد من الصفحات التي لا نعلم شيئا عنها مفتوحة ، تحتاج لعمل إيجابي من كل إنسان في موقعه ، كانت الحروب قديما بالأسلحة .. الحروب الآن لم تعد دموية بقدر ما هي إقتصادية وإجتماعية وثقافية .. الأمر يحتاج وعي أمة بأكمله وإستفاقة أجيال .. ألم يحن الوقت لنتوقف عن محاربة أنفسنا ونوجه تلك الجهود لتكاتف؟ .. ألم يحن الوقت لننظر بعين الصقر ونسمع بأذن البومة ؟ دعونا نرى الآفة بوضوح .
عادت حياتي لمجراها مرة أخرى ولكني اليوم قد أعلنت إعتزالي للعب نهائيا ، فليكمل من يأتي بعدي المسير ، لم أصبح بطاقة وقوة الشباب .. لم يعد جسدي يساعدني كثيرا ، أريد أن أهتم بولدي مالك ، هو الوحيد الذي يستحق مني كل ذرة عناء بعد الآن ..
دارت الأيام ولم تعد لمليكة مكان في حياتي ، طلقتها بعد أن قد وصلنا لطريق مسدود لا سبيل فيه سوى العودة ، حاولت مرارا وتكرارا ولكن الأمر بات معقدا ، أشبه بمحاولات زراعة أرضا بور.
زادت خلافاتنا .. لم نعد نعني لبعضنا شيئا سوى ذكريات بحلوها ومرها ، ومرها إزداد في الآونة الأخيرة حتى وصلنا الى حل الطلاق . كنا لا نسمع نداء البقاء ، ولكن سيرة الفراق نسمعها بأذن البومة.
الفراق لا يعني العذاب أحيانا ، بل يكون رحمة حتى وإن لم يبدو كذلك بعد إلقاء السلام ، ولكن ترى تدريجيا ثماره يوما وراء يوم ، قرار البعد يكون أفضل من تلك المسارات الباهته التي لا لون لها ولا نهاية، إذا كان الجمل سيذبح لا محالة إذبحوه سريعا، لا تدعوه يتألم . كذلك العلاقات لا تدعوها تأخذ أكثر من وقتها في إيلامكم ، إن كان الألم هو الناتج الوحيد منها.
الغريب في الأمر أننا لم نتنازع حول مكان عيش مالك ، تنازلت مليكة عنه بسهولة وقررت أن تهاجر هي وأهلها الى استراليا ، رغم دهشتي من قسوتها ولكن قد قصرت طريقا طويلا علي ، لم ولن أكن سأتنازل عن عيش مالك معي انا ووالدتي قانونا أو غصبا .
ذهبت الى منزل علا وزوجها بعد أن قامت بدعوتي لنتناول العشاء معا ، ولكن أعلم رغبة علا الحقيقية وكما توقعت قامت بفتح موضوع زواجي مرة أخرى ، لم تمل شقيقتي من محاولاتها في هذا الأمر.. وفي كل مرة أخبرها أنني قد أغلقت هذه الصفحة للأبد لن أحتمل خيبة أخرى ، والحقيقة ليس لدي طاقة لأبدء طريقا جديدا ، نويت أن أكرس ما بقي من عمري لولدي ولأمي .
لا أعلم لماذا أخبرتها ما أشعر به وأجعلها تقلق ، ولكن لم أستطيع أن لا أخبرها نحتاج شخصا نحكي له أسرارنا من حين الى آخر ، أخبرتها أنني أشعر بالنهاية .. وأن أيامي أصبحت معدودة ، لذلك أخبرتها أن تراعي أمنا ومالك من بعدي وأن تربيه مع ولدها تربية صالحة ، وأن تبعده عن أفكار الإنتقام ، وأن تزوروني وتدعوا لي مهما أنستكم دوامات الحياة والإنشغال وحاصرتكم الدنيا بأناملها،
لا زالت علا كعادتها تقلب جد حديثنا مزاحا ، لا زالت شخصيتها البسيطة المتخطية أجمل ما فيها ، كنت أتمنى لو كان لي أخا .. ولكن رزقني الله بأخ وأخت وأم في علا .. من طفولتنا كنا يدا في يد .. قلبا على قلب .. مهما طويت الأرض لن أجد قلبا يحبني ويخشى علي من الهواء كعلا .. أحبك حد السماء لو تعلمين .
جاء اليوم الذي أخبرني القدر فيه
" سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا "
لا أعلم نبأني تأويلا أم أنهى حياتي ..
عندما تحاول تغيير مشهد ما من عرض مسرحي .. تفسد .
اللحظة التي تقرر فيها تغير وضع ترس من تروس الآله.. تتعطل .
لا أعلم لماذا فعلت كل ما فعلته في حياتي .. هل لوالدي دورا في زرع رغبة الانتقام بداخلي ، هل كان لحبر وصيته دورا في كتابة تعاستي ، اذا لم تسع نفسي اللوم من يشاركني فيه ؟
وصل ساعي البريد برسالة لي من إيمان ، رسالة إيمان كانت مطويه ثلاثة مرات ، وطعنتني ثلاثة طعنات .. وقسمتني نصفين ، نصفا مذهولا صامتا واخر لاعنا صارخا .
وكانت الرسالة كالاتي :
" عزيزي عمر الطيب ، هذه رسالة إنتحار .. ولا أعلم من أين أبدأ عندما تقرأ كلماتي في البداية ستتعاطف معي ، ولكن بعد ذلك سترغب في تمزيقي لمائة قطعة ولكن إطمئن سأكون ميتة بالفعل ..
الحقيقة ان نفسي لم تعد تحتمل ، لقد أذيت أكثر من إنسان وكنت عزيزي أحد ضحاياي .. الخلية التي أردت إنتزاعها من جسد السرطان كانت هي السرطان والجسد سليم .. الان في هذه اللحظة أشعر بإختناق شديد ، لعنتني أفعالي بسرطان مثلي ، أوقع شعري وآلمني بشدة ، لم أعد أحتمل طعناته لذلك قررت الإنتحار ولكن كان يجب أن أوضح لك بعض الأمور ..
مليكة لم تغتصب وكل ما حدث هذا فيلما وقصة كذبت بها عليك و اخترعتها .. مليكة صديقة قديمة لي .. أمجد ليس بزبون إغتصبها .. مليكة كانت زوجة أمجد وطلقها بعد أن اكتشف خيانتها وأخبرها أنه سيفضحها لذلك أرادت أن تتخلص منه ، وعندما علمت مني أنك تساعد المظلومين أخذت عنوانك وذهبت اليك واخبرتك انه اغتصبها لتقتله ، نعم كل ما فعلته في أمجد لم يكن يستحقه .. أرجوك سامحني .. هذا بخصوص أمجد عامر
ولا اعلم كيف ستساحمني عندما تعلم أن قاسم أيضا رئيس المستشفى لم يكن يعلم ما أقوم به انا من كنت أقوم بخلط الأقراص من ورائكما حتى أستمر في أخذ حصتي من ثمن كشوف المرضى ، كان يجب أن تجعلني أستنشق بخورك وليس قاسم . أنا آسفه جدا، وتعيسة جدا .. لا اعلم كيف فعلت كل ما فعلته .. اسفه لك وللعالم .. الى اللقاء في يوم أخشاه .. ألقاك يوم الحساب. "
إنتهت رسالة إيمان .. شللت تماما ، تبنجت أطرافي وحواسي .. أصبحت كطعة جماد بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لا أرى لا أسمع لا أتكلم ، كأحدا قام بطرق رأسي بسيخا من جهنم ، كان شعورا قاس جدا ، أذاقتني مرارة لا أستطيع وصفها ، الأمر أشبه بأنك عشت عمرك كله تبني في برجا يصل للسماء، وعندما انتهيت سقط على رأسك وخسف بك الأرض .
عندما بدأت في الإدراك شيئا فشيء ، طرق غانم عقلي ، وأعدت تفكيري مرة أخرى في ما اذا كان قتلته بغير حق هو الاخر .
ذهبت مهرولا الى وكيل النيابة الذي كان يحقق في قضية غانم وطلبت منه عنوان الطبيب النفسي الذي كان غانم يتردد عليه ، عندما أخبرني بذلك في اليوم الذي استدعاني فيه للتحقيق ..
أخذت العنوان وقمت بزيارة طبيب غانم مراد
انا : السلام عليكم .. د/ إسماعيل ؟
اسماعيل : نعم .. تفضل .
انا : انا صديق قديم لغانم رحمه الله وكنت أود الاستفسار عن بعض الاشياء ، لن اخذ من وقتك كثيرا .
اسماعيل : بالطبع تفضل .
انا : من ماذا كان يشتكي غانم .
اسماعيل : ليس من الطبيعي أن أفشي أسرار مرضاي خصوصا لوأانهم قد ماتوا .. لماذا تسأل ؟
انا : ارجوك إخبرني ، انا أعتقد بأن غانم قد قتل ولم ينتحر لذلك ما ستقوله سيساعدني أرجوك مرة أخرى من ماذا كان يعاني ؟
اسماعيل : حسنا .. جاء لي غانم أول مرة في زي الوقار والهيبة ؛ فعلمت أنه شخصا مهما ، وبالفعل تبينت انه رجل أعمال ، فتساءلت حينها هل رجال الأعمال يمرضون نفسيا مثل العاديين رغم أموالهم ! ولكن ما كان غانم يعاني منه جعلني أحمد الله يوما وراء الآخر وعلمت أنني في نعم لا تعد ولا تحصى .
غانم قد قطع عضوه الذكري ، لا أعلم من هم الذين فعلوا ذلك تحديدا لأنه لم يخبرني سوى انهم جماعة يعملون لحساب شخصا ينافسه في السوق . هذه ليست المشكلة ،.
لب الموضوع في أن غانم كان يعاني من مرض نفسي يهيئ له أنه يعاشر العديد من النساء وكيف يستدرجهم لغرفه.. عندما كان يجلس معي يخرج لي العديد من الصور لنساء عاريات ويخبرني انه قد عاشرهن ، وكانت تراوده أفكار إنتحارية في لحظات الإستفاقة...
انا : حسنا لا تكمل .. الى اللقاء .
اسماعيل : ماذا يارجل ؟ هل عرفت القاتل ؟ لماذا لا تجيب .. انتظر ..
خرجت من منزل اسماعيل ولم أعد بحاجه لسماع المزيد ، ها هو أيضا غانم قد قتلته دون ذنب ، عندما أخبرني يومها في الحفل لم يكن فاسد بل مريضا ، لم يكن يستحق القتل بل العلاج، لم يكن ذئبا بل شاه.
يا الهي .. يتبقى ريتشارد فقط ليخبرني القدر انني ظلمته هو الآخر .. لا لم اعد أرغب في رؤية مزيدا من الحقائق ، يا ليتني لم أبصر .. يا ليتني أكملت حياتي كباقي الأشخاص .. يا ليت أم عمر لم تلد عمر.. سرت في شوارع مدينتنا تائه .. سرت متخبطا و كأنني في يوم الحشر .. كيف أعيش حياتي بعد الآن .. هناك لحظات صعبة عديدة مررت بها ، ولكن هذه ليست لحظة صعبة.. هذه مقبرة واقعي.. هذه أفعى التفت حول عنقي حتى عجزت عن التنفس والوعي.. سرت لا مباليا بسيارة تسحقني بل وتمنيت ايضا.