: -*إحم*... أعتذر على المقاطعة.. سيدتي.. كنت ابحث عنك طوال الليل، الوقت متأخر ووالدك قلق بشأنك..
بتلك العبارة هكذا قاطعهما بسام من خلفهما منهيا حديثهما..
كم صدمت إيما لعثوره عليها، وكم اقشعر جسدها بعدما شاهدت نظرته القاتلة وأنفاسه المتقطعة كما لو أنه قضى الليل كله في البحث عنها وثم انتبهت لتلك الاصفاد وهي تتدلى من على ذراعه.
لاحظ سامي ارتباكها الواضح ونظراتها الخائفة ويدها التي تتشبث به بعفوية ومحتمية به، ليرد عليه
: -بإمكانك الرحيل، إيما ليست طفلة وبإمكانها الاعتناء بنفسها، كما أنها الآن في عهدتي وسأتأكد بنفسي من إيصالها لمنزلها بأمان.
: -لا احد طلب رأيك يا هذا، كنت أتحدث مع سيدتي..
..
: -أنت بسام.. لقد سمعت الكثير عنك، لا اصدق كيف سمح لشخص مثلك بأن يخدم عائلة السيد عثمان.. وجود إيما معك يشعرني بقلق بالغ لكن لن اسمح بأن يستمر هذا طويلا.
نظر نحوه بسام في استياء وبأعين حادة، قبل ان يخفي تلك الملامح بإبتسامة واسعة
: -أتقول خادم؟.. الم تخبرك باي شيء حقا..
نظر كلاهما نحوه بسذاجة دون فهم ليكمل
: -إيما في الحقيقة هي عشيقتي، لم نصرح بذلك بعد بشكل رسمي، لكن عما قريب سنعلن زواجنا وسأصبح الأب الجديد للعائلة.. ولقد ابدى والدها موافقته مسبقا.
استقبل كلاهما كلامه بصدمة واضحة، وبدى كمزحة صعبة التصديق بالذات بالنسبة لإيما التي ظلت تحملق نحوه بأعين متسعة
ثم أردف بسام وقد وجه كامل انتباهه نحوها
: -سيدتي او بالأحرى يا عزيزتي، هل ستأتين معي، ام تريدين إيذائي اكثر ببقائك معه.
نهض سامي من مكانه وأحكم على قبضتيه والشرارات على وشك ان توقد من عينيه بعدما استنفذ صبره
: -تتزوج بإيما!؟.. أي حمقى تظننا لنصدق هذه التمثيلية.. من الأفضل ان تغادر حالا وإلا..
: -سامي، من فضلك هذا يكفي..
لتقاطعه إيما بعدما امسكت بذراعه وأوقفته مكانه ونظرت نحوه بأعين حزينة تحكي أسف شديد بالغ كما لو أنها تمنت ان تقضي المزيد من الوقت معه ثم إعتذرت له قبل ان تغادر الشاطئ، تاركة سامي وحيدا في ذلك المكان يراقبها من بعيد وهي تبتعد عنه دون ان يعلم ما الذي كان يتوجب عليه ان يفعله..
...
بعدما ركبت السيارة، كان بسام هادئا، ذلك الهدوء الذي جعل الجو غريبا ومخيفا..
: -كيف كان الحفل؟ هل استمتعت بوقتك؟
: -آه.. بسام أنا..
فقاطعها
: -البسكويت والشاي، بحقك لم أتوقع انك ستضعين منوما داخله.. لكن الشيء الذي فاجئني حقيقة هو ان تطلبي النوم معي لتتمكني من تقييدي بعد تنويمي، لا اصدق كيف خطرت لك هذه الفكرة الشيطانية.. كل هذا لكي تتسلي خارج المنزل وتقابلي ذلك المدعو بسامي.. لماذا لم تغادري بكل بساطة في المقام الاول.. صحيح، انت ذكية كفاية لتتوقعي أنني كنت سأكشف أمرك وأجبرك على العودة..
ثم التفت نحوها لتلاحظ ملامحه ت**وها تلك التعابير الحزينة المصطنعة ليردف بعدها
: -افهم الآن لماذا تكبدت كل هذا العناء.. اليس سامي شخص رائعا.. لو أردت البقاء فقد كان مستعدا للقتال من أجلك حتى النهاية.. فارس الأحلام الذي تتمناه كل فتاة، كمسرحيتك المملة، ذلك الشخص الذي سيحرر والدك ويقاتل المجنون ويطرده خارج القرية ليخلصك يا آنا الفاتنة من عبوديتك له.. تبا، كم هو رائع.
نظرت إيما نحو طرفها بنظرات حزينة وهي تضع يدها على تلك القلادة..
: -هل كنت جادا بموضوع الزواج؟..
سرعن ما تبددت تلك الملامح الحزينة ليبتسم بسخرية رغم جديتها
: -أنت مجرد عبدة لي، لماذا تظنين انني سأوافق على شيء كالزواج..
: -عبدة.. لكَ؟
: -نعم، ويفترض ان يكون العبد مطيعا لسيده، اليس كذلك..
..
لتلاحظ ان بسام غير مساره الى خارج المدينة، حيث قاد السيارة في طريق جبلي وعر، حينها قالت له بنبرة مرتعشة
: -الى اين!..
: -...
(***)
أوقف بسام السيارة في منتصف الجبل عند كوخ خشبي قديم، كان المكان شديد الظلمة، باردا جدا، ويبعث عن القشعريرة..
اجبر إيما على الخروج من السيارة رغم رفضها المستميت ثم قادها حتى وصلت الى باب الكوخ المهترئ
: -حينما كنت طفلا، كنت أخاف من الاشباح فما كان لوالدي الا ان يقيدني في العراء حول شجرة وسط المقبرة، وتركني هنالك بمفردي طوال الليل.. لقد كان المكان.. مم حسنا، اظن ان كلمة "مخيف" هي الطف وصف له.. تلك القبور، تلك الهمسات، صوت الرياح، نباح الكلاب.. ما تزال محفورة في ذهني حتى الآن.
سلم بسام مصباحه اليدوي لإيما ثم دفعها داخل الكوخ
: -لا داعي للقلق لن اقيدك في العراء او وسط مكان مخيف كمقبرة، ستبقين في أمان هنا طالما انك ستظلين داخل الكوخ، اذا كنت فتاة مطيعة قد أعود لك عند الصباح..
إستنجدت به وسحبته من قميصه حيث كانت يداها ترتعشان
: -لن اكررها، انا اعدك.. أرجوك لا تفعل بي هذا.. انا أخاف جدا من الظلام ومن الأماكن المغلقة.. أي شيء الا هذا..
: -لا تكوني فتاة مدللة، هذا عقاب بسيط لتفكري فيما فعلته.. أو تريدين ان تتلقي صعقة كهربائية كما يفعل بعض الاسياد بعبيدهم لدرجة أنهم لا يستطيعون التحرك لعدة ساعات او ايام..
ما ان لاحظ ملامحها المتوترة وعينيها المحمرة التي توشك ان تغرورق بالدموع.. زفر ليردف محاولا طمأنتها رغم صعوبة الامر
: -حسنا سأخفض العقوبة وسأعود لك بعد 5 ساعات تقريبا.. على كل حال الوقت متأخر ولم يتبقى الكثير على شروق الشمس عليك ان ت**دي حتى ذلك الوقت يا عزيزتي.. ليلة سعيدة.
ولم ينتظر منها ردا ليغلق بعد ذلك الباب في وجهها وقد رسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وإحمر خداه، كما لو أنه دخل في
***ة كالتي تراود متعاطي الم**رات.. ليحدث نفسه قائلا
: -(أيا كان مدى تحملها، بعدما اعود لها وافتح لها الباب من المستحيل ان تخرج ذات الفتاة.. ستكون مطيعة كالجرو الصغير، سيستحيل لها بعد ذلك ان تعصيني حتى لو اتيحت لها الفرصة.. هذا سيساعدني للإنتقال للخطوة التالية بسلاسة.)
..
ثم ماهي الا لحظات حتى سمعت صوت السيارة ودواليبها تتحرك ثم شيء فشيء صداها اخذ يختفي ببطء في الافق..
..
مع رحيله، انكشفت الرعب الحقيقي في الجبل، بدأت إيما تسمع من حولها أصوات مخيفة، قطيع من الذئاب يعوي في مكان ما، الرياح وهي تمر عبر الارجاء وتحمل معها أوراق الأشجار، اهتزازات الألواح الخشبية مص*رة ذلك الصرير المزعج.. صراصير الليل وهي تعزف ذلك اللحن الموتر للأعصاب.. كل تلك الأصوات شكلت معزوفة متناغمة لن تجد لها استخداما الا في أفلام الرعب..
وحيدة في ذلك المكان، إرتعبت بشدة، وضمت يديها حولها وأغلقت عينيها متوسلة للإله ان ينجيها ويخلصها، فجأة وهي في تلك الحال شعرت بشيء ما يسير ببطء على وجهها، صرخت بقوة حين رأت ذلك الصرصور يمشي على خدها، نهضت بسرعة محاولة ان تبعد عنها بشكل مستميت حتى جرحت قدمها بقطعة خشبية بارزة واتسخت ملابسها الانيقة بالقذارة التي في المكان..
(***)
استلقت إيما على الأرضية دون ان تهتم للصرصور او لبقية الحشرات التي حولها وتلك الدموع المتجمدة تغطي وجهها متألمة حينها اخذت تسأل الاله مجددا عما فعلته لتستحق هذا العقاب وهذا المصير المشؤوم..
ربما هذا جزاء تكبرها كل تلك السنوات ورفضها بكل غرور من تعتقد أنهم ليسوا بمقامها وقد استعادت ذكريات بعض الشباب من المدرسة الثانوية الذين رفضتهم بشكل مستفز ثم انتهاءً بزياد الذي رمى لها ذلك الضرف الاسود دون ان يقول أي شيء وواضعا فيه اغلى ما عنده، ليحمل لها بعد ذلك أحقر ما استطاع اخذه من حقد.. لو أنها إعتذرت منه فحسب كانت لتنقذ حياته وحياتها وحياة اوليائك الذين لن تعلم أبدا كم آذتهم..
ثم ماذا عن بسام.. هذا المخبول الذي لم تؤذه قط ولم يسبق لها وان التقت به، لماذا يكن لها كل هذا الحقد ولماذا انقذ حياتها في المقام الاول.. كم بدى لها حينها كرسول أرسل خصيصا لها، لن يسمح لها ان تموت او ان تنعم بالراحة او بالأمان حتى يسلط عليها عقابها المستحق..
هل جمالها وشهرتها لعنة تستحق العقاب..
أم هل هي مذنبة وكل مجرم يستحق العقاب..
ظلت إيما تغوص بين تلك التساؤلات إلى ان وبشكل مفاجئ نامت على تلك الحال بعدما غلبها النعاس..
...
في وقت ما، فجأة استيقظت على أصوات ض*بات مخيفة على الباب، ض*بات قوية جدا جعلت الكوخ يهتز وينثر ما فيه من غبار وحشرات، ارتعبت بشدة وتراجعت حتى التصقت بالجدار، ارتعشت قدماها والمصباح الذي بين يديها، ومع كل ض*بة كان قلبها يدق حتى يوشك ان يخرج من حنجرتها..
هل هو حيوان بري اشتم رائحتها؟، ام مجموعة من الم***فين كشفوا مكانها؟، أو مارد عملاق من عالم آخر؟ او أنه الكاتب بنفسه جاء لنجدتها بعدما انحشر أثناء كتابته..
ماهي الا لحظات حتى سقط الباب أرضا، صرخت بقوة مغمضة عينيها..
: -يا إلاهي ارجوك أنا مذنبة ساعدني هذه المرة فقط ! ..
حتى سمعت ذلك الصوت..
: -إ.. إيما، هـ هل هذه أنت حقا؟!.. ما الذي تفعلينه هنا !
فتحت إيما عينيها ببطء، هل هو وهم اختلقه عقلها المشوش..
كان سامي يقف امامها حاملا تلك الخشبة، فأسقطها وركض نحوها، ليعانقاها بقوة..
لم تصدق انه فعلا الى ان تبددت تلك المخاوف والآلام بعدما احتضنته بشدة حتى كادت تطعنه بأصابعها، ذارفة دموعها على كتفيه من شدة سعادتها بإنجاده لها.
(يتبع)