عند المساء، دخل بسام الى غرفته الجديدة، كانت الغرفة مؤثثة، اذ احتوت على سرير قطني كبير، خزانة جدارية للملابس، طاولة رتبت عليها مجموعة من الكتب، ونافذة مطلة على باحة المنزل الخضراء، وأخيرا حمام منفصل تقع بوابته عند زاوية الغرفة..
وقف عند الشرفة وظل يتأمل في الحديقة في شرود، كما لو انه ذلك الأمير الوسيم، يقف عند الشرفة بعيدا عن الحفلة التي أقيمت خصيصا له في انتظار أميرته لتقاطع وحدته..
ومرت الدقائق على تلك الحال حتى أظلم الأفق، ليسمع تلك الطرقات اللطيفة على باب غرفته..
فتوجه نحوه ليتفاجئ بظهورها رغم توقعاته
: -هذه أنت..
كانت إيما تقف في الجانب الآخر، حاملة آنية تحتوي على كوب من الشاي الأخضر إضافة لبعض البسكويت، كما كانت ترتدي فستان بسيطا ذا لون وردي، وتنتعل خفا قطنيا ذا لون أحمر
: -هل ستسمح لي بالدخول؟
أفسح لها بسام المجال فدخلت الغرفة، ووضعت الآنية فوق الطاولة، راقبها بحذر محاولا معرفة ما تخطط له..
: -إذا ما الذي أحظرك، أي خدمات يمكنني ان اقدمها لك يا سيدتي؟
ثم أضاف مازحا
: -أتوقع انك لم تأتي الى هنا حتى تقومي بتسميمي بهذا الشاي، اليس كذلك.
ثم اخذ احدى قطع البسكويت واخذ منها قضمه ليردف
: -طعمه سيء، كما أنه محترق قليلا.. هل أحظرت هذا من النفايات.
: -في الحقيقة.. لـ لقد طهوته بنفسي، يبدو انني لم اوفق في ذلك.. اسفة..
شرب بسام القليل من الشاي الأخضر
: -على الأقل الشاي حلو المذاق، سأتفاجئ لو قمت بإفساده.. لو كنتي عبدتي فعلا لعانيتي الكثير بسبب إهمالك.
..
لم تعلق عليه إيما باي شيء، ليسود ذلك ال**ت بينهما لفترة، كانت مرتبكة بشكل واضح بينما تقلب بصرها هنا وهنالك، كما لو أنه في جعبتها شيء لا تستطيع الإفصاح عنه..
زفر بسام بقوة وعاد حيث كان يقف عند الشرفة متجاهلا وجودها
: -في الحقيقة، أريد ان اطلب منك شيء..
: -قررت التحدث اخيرا..
: -أيمكنك ان تنزع هذه القلادة فقط في الليل، انا لا استطيع النوم في وجودها، أشعر كما لو ان هنالك سلكا كهربائيا ملتفا حولي..
ثم شدته من طرف قميصه لتكمل بصوت رقيق عذب
: -أرجوك.. ألا ترى أنك تبالغ في الامر..
: -آنا هذا هو اسم والدتك، لدي كل المعلومات التي تخصها اكثر حتى مما يعلمه والدك.. بإمكاني أن انزع القلادة في الحال، لكن حينها سيتوجب عليك ان تنسي معرفة أي شيء آخر يخصها.. لكن لو حافظت عليها سأخبرك بكل شيء بعد ثلاثة أيام.
نظرت نحوه إيما في شرود وحيرة، لتعض على شفتيها بينما هي تبعد بصرها عنه مظهرة ملامح عابسة
: -حـ حسنا..
ثم اخرجت من احدى جيوبها الواسعة تلك الاصفاد الحديدية، لتردف وسط إستغراب بسام
: -سأوافق لكن على شرط، سأنام معك بينما يدي ويدك مقيدة بهذه الاصفاد.. انا واثقة انني حينها سأشعر ببعض الأمان على الأقل أعلم انك لن تصعقني بينما ستكون معرضا للخطر انت الآخر.
زاد استغراب بسام، ليضحك من شدة تفاجئه
: -أي ا**ق سيرفض النوم الى جانبك.. لا اظن انه هنالك حاجة للأصفاد وجودك في فراشي بحد ذاته سيصعقني حتى الموت.
ظهر ذلك الارتباك على ملامحها
: -لو تفكر حتى في لمسي فسوف..
: -لا عليك يا عزيزتي، قد أكون و*دا لكن ليس لتلك الدرجة..
ثم همس في داخله قائلا بملامح محبطة
: -(كما انك شقيقتي اللعينة على ما يبدو..)
..
اطفأت الأنوار.. استلقى بسام وإيما على ذلك الفراش بينما ايديهما مقيدة، حقيقة إيما لم يخف لها طرف كانت متوترة للغاية كما لو انها في ليلة ما بعد حفل الزفاف، لكن بسام ظل هادئا وسرعن ما بدأ النعاس يغلب على جفونه..
: -إذا هل ستخبرينني ما الذي كنتي تفعلينه في منزلي؟، ما الذي كنتي تبحثين عنه؟
: -كـ كنت احاول ان اكتشف ما تخفيه عني.. كما اخبرتني ريم، انك.. تكن لي ماهو اكثر من مجرد حب عابر.. لكن بعدما وجدت تلك الصورة، لقد جرحتني بشدة، لم اتخيل انك من ذلك النوع من الاشخاص اللذين يمتلكون هذه الميول الم***فة.. لكنني سأعذرك فقد انقذتني وقاتلت من اجلي حينما كنت في قمة يأسي وحتى مع هذه القلادة، لا اظن انني قادرة على ان اكرهك، لا تبدو لي بذلك السوء..
ساد ذلك ال**ت بينهما لتنهض حيث اردفت
: -بسام؟.. هل تستمع الي؟
لم يرد عليها، حينها ادركت انه قد غط في نوم عميق.. ففتحت الاصفاد وحررت يدها ثم قيدت ذراعه في احدى فتحات السرير وغادرت الغرفة في هدوء..
(***)
مساء يوم الاحد، بعدما غيرت ملابسها تسللت إيما خارج المنزل وركبت في سيارة صديقتها التي كانت تنتظرها خلف المنزل، وتوجهت للحفلة الذي تقع في باحة احدى المنازل الفخمة عند الشاطئ..
...
على ضوء القمر المكتمل، على بعد مسافة من الحفل حيث الصخب، في مكان هادئ نسبيا على فيه صوت الأمواج وهي ترتطم على صخور الشاطئ، جلس كل من إيما ورفيقها سامي، بعدما جمعها القدر المرتب له، دار في البداية بينهما حديث بسيط شكرها فيها سامي على قبول دعوتها ثم انطلق يتساءل عن تاخرها لتعتذر له عن ظروف غير متوقعة..
رغم سطحية الحوار الذي دار بينها، لكن كانت في قمة سعادتها بحوارها معه، أخيرا هي رفقة الشخص الوحيد الذي احبته بكل كيانها، كان سامي كما تخيلته، وسيما جدا، لطيفا جدا وجادا ومتزنا في كلامه، من اوليائك الأشخاص الذين يبدون مثاليين للغاية دون ان تجد لهم أي عيوب تذكر.. كما انه الشخص الوحيد الذي لم يعرها أي اهتمام ولم يلبي غرورها بل كان لطيفا يعامل الجميع على حد سواء، دون ان يفضل أحدا على الآخر، لربما هذا ما أوقعها في حبه.
فجأة سألها سامي
: -هل أنت مرتبطة؟
احمر وجهها من سؤاله المفاجئ حيث نفت قائلة
: -لـ لا، ليس لدي أي شخص..
: -ماذا عن سائقك الخاص، ماذا كان اسمه؟
: -إ.. اسمه بسام على ما اذكر.
: -نعم بسام، الكثيرون يقولون انك.. في علاقة غير شرعية معه، فهو دائما موجود حيث تذهبين ولاحظت انه يراقبك بإستمرار.. بل وسمعت اشاعات انه يعيش معك في نفس الغرفة ويشاركك الفراش و..
إحمر وجه إيما فوق احمراره حيث قاطعته بإنفعال
: -بالطبع لا.. لا من المستحيل ان افعل تلك الأشياء، إنه مجرد سائق ريفي أ**ق وبسيط لا أكثر.. لو كنت في علاقة ما كنت سأخفي الامر، ليس هنالك شيء أخجل منه.. في النهاية، لو كان هذا صحيحا لما كنت هنا، ولما وافقت على طلبك بالمجيء بعد كل شيء..
: -لكنه رغم ذلك يعيش في منزلك، اليس كذلك؟
**تت إما لبرهة ثم قالت
: -نـ نعم.. لكن لم نكن لنوظفه الا بعدما توسل لوالدي حتى قام بتوظيفه بداعي الشفقة، ثم قدمنا غرفة لذلك المتشرد.. أصلا منزلنا كبير ويحتوي على غرف كثيرة فارغة، لذلك لم نمانع وجود شخص آخر طالما أنه لن يتسبب بالمشاكل.
ضحك سامي بكل عفوية ثم قال
: -حسنا، حسنا، لقد فهمت، يا أميرة الجليد.. لم اكن اصدق هذه الاشاعات أصلا، لكن كانت تزعجني بشكل ما.
استغربت إيما
: -أميرة الجليد؟، لا احد يناديني بهذا الاسم الغريب.. اطلقته علي للتو، هذا واضح.
نظر سامي للقمر ثم قال مبتسما
: -أنت تشبهين لحد كبير أميرة الجليد من قصة "نصل الشبح*"، لطالما فكرت فيك في كل مرة اقرأها، انت جميلة، فاتنة وفريدة من نوعك وتبدين معظم الأحيان وحيدة وحزينة كأنك محتجزة في قلعة في انتظار من يحررك، هذا يغريني للغاية كي اقترب منك واعرف المزيد عنك لكن لم اعرف كيف حتى يوم امس..
(خارج النص*: نصل الشبح او ghostblade هي ويبتون صينية )
ن**ت إيما برأسها من شدة تفاجئها من مدحه المفاجئ لها
: -شـ شكرا، لكنني لست مميزة كما تظن..
: -آوه، حقا؟
**تت لبرهة ثم سألته بشيء كان يجول في خاطرها
: -و.. ماذا عنك، هل لد*ك حبيبة؟.. بالطبع لد*ك ما الذي اقوله..
أبعد سامي بصره عنها وادار وجهه في الاتجاه المعاكس
: -في الحقيقة، أحب فتاة تدرس معي لكنها لا تعير اهتماما لأي احد..
اتسعت حدقا عينيها وشعرت ان قلبها قد خدش، انفعلت قائلة
: -من تكون؟..
ضحك سامي من انفعالها، ثم ما لبث ان فجأة امسك بيدها وقد شعرت بدفئها في تلك الليلة الباردة حيث رأت كم كان جادا
: -إنها انت بكل تأكيد، لطالما كنت معجبا بك، إيما أنا حقا أحبك، واعرض عليك ان تتـ..
سحبت إيما يدها من بين أصابعه حيث قاطعته قائلة
: -سامي، أنا..
: -ماذا هنالك؟!
ارتبكت بشدة وهي تحاول ان تشرح له ما يجول في خاطرها لتزيل قطعة القماش من على عنقها مظهرة تلك القلادة الفضية
: -سامي.. هـ هنالك شيء عليك ان تعرفه.. انا في الحقيقة..
...
: -*إحم*... أعتذر على المقاطعة.. سيدتي.. كنت ابحث عنك طوال الليل، الوقت متأخر ووالدك قلق بشأنك..
(يتبع)
إذا ما وردت اي اخطاء لغوية او نحوية او رأيت وصف افضل لبعض الجمل، أتشرف بأن تصحح لي
شكرا لكم :>
قراءة ممتعة