١ : استيقاظ في الغابه
استيقظ آريس مع أول خيط من الضوء، على صوت صهيل خيلٍ بريٍّ لا يبعد كثيرًا عنه.
فتح عينيه ببطء، ثم حاول النهوض، غير أنّ ألمًا حادًّا ض*ب رقبته.
همس متألمًا وهو يمرّر كفَّه على عنقه:
> «منذ متى وأنا نائم؟ كأن دهراً قد مرّ... رقبتي تؤلمني.»
أغمض عينيه لحظة، ثم ابتسم بخفوتٍ كمن يتذكر سبب خدره، وقال لنفسه:
> «البارحة... أجل، تذكّرت الآن. كان الجوّ يستحق أن أنام هنا، قرب هذه الشجرة. كم كانت الليلة ساكنة تُسحر الوجدان وتذيب القلوب، والريح تمرّ على الجسد كأنها نسمة من عالمٍ آخر.»
نهض بتثاقل، ونظر إلى جدول ماءٍ صغير ينساب على مقربة منه، تتلألأ فوقه خيوط الشمس الأولى.
قال وهو يقترب منه بخطواتٍ بطيئة:
> «بما أنّ الجدول قريب، فليس من بأس أن أغسل وجهي أولًا.»
انحنى على الماء البارد وغسل وجهه، ثم رفع رأسه متأملًا انعكاس صورته المرتجفة، قبل أن يستدير نحو الخيل الذي أيقظه.
ابتسم ساخرًا وقال له بنبرةٍ مازحة:
> «لقد أيقظتني أيها المزعج، ألا تشعر بالذنب؟»
أطلق الحصان صهيلاً قصيرًا، كأنه يردّ عليه.
ضحك آريس بخفةٍ وقال:
> «كأنك تفهمني من الأساس... لكن عليّ أن أشيد بلونك، يا لهذا السواد! كأنني أنظر إلى سماءٍ ليليةٍ فرّ منها ضوء القمر.»
ساد ال**ت لحظة، ثم قال بصوتٍ يحمل شيئًا من الأسى:
> «للأسف، لا أجيد ترويض الخيول البرية، وإلا لحظيت بأجملك رفيقًا.»
تقدّم بضع خطواتٍ وهو يتفحص المكان بعينيه الرماديتين الحذرتين. الهواء ساكن، والضوء يتسلّل بين أوراق الأشجار بخفوتٍ شفيف.
قال في نفسه وهو يضع يده على بطنه:
> «أنا جائع... يجب أن أجد شيئًا آكله.»
لكن صوته لم يكد يخفت حتى شقّ الهواء صراخٌ أنثويٌّ مذعور.
ركضت نحوه فتاة يتطاير شعرها البني الطويل، تتنفس بعشوائية، وعيناها تحملان مزيجًا من الخوف والرجاء.
صرخت وهي تقترب منه:
> «آريس! ألا تسمعني أيها الغ*ي؟ تعالَ معي، أحتاج مساعدتك!»
تجمّد آريس لحظة، ثم استدار نحوها بارتباكٍ واضح، وقال بتوتر:
> «مِن ماذا؟ ماذا هناك؟!»
تراجع خطوة واضعًا يده على رأسه كأنه يحاول تثبيت وعيه:
(من أين ظهرت هذه الفتاة؟ ولماذا يؤلمني رأسي الآن؟)
استعاد تركيزه بسرعة وسألها بجدية:
> «ما بكِ؟ لماذا تبكين؟!»
أجابت الفتاة بصوتٍ متهدّج والدموع تملأ وجهها:
> «ساعدني... أرجوك، ساعد أخي! هناك رجلٌ غريب يحاول الاعتداء عليه وأخذ ممتلكاته... إنه قريبٌ من هنا، في اتجاه الشمال!»
شدّ آريس قبضته وقال وهو يحاول كتم اضطرابه الداخلي:
> «ابقَي هنا، لا تتحركي. سأذهب وحدي.»
ثم أسرع يركض بين الأشجار، وقلبه يخفق بعنفٍ غامض لا يدري مص*ره. كان الطريق ضبابيًا، والهواء أثقل مما اعتاد عليه.
(عليَّ أن أجدهم بسرعة... قبل أن يحدث شيء سيئ. تبًّا لهذا الشعور الغريب.)
لم يطل الأمر حتى سمع صوت جدالٍ خافتٍ أمامه. اختبأ خلف جذعٍ ضخم، فرأى رجلًا ذا ملامحٍ خشنة يصرخ في شابٍّ يصغره سنًا.
قال الرجل بصوتٍ خشنٍ غاضب:
> «هاتِ كل ما معك سريعًا، لا أملك وقتًا أضيّعه مع أمثالك!»
ردّ الشاب، الذي لم يكن سوى أخو ريماس، بعنادٍ واضح:
> «افعل ما شئت، لكني لن أعطيك ما تعبت في جمعه!»
اندفع آريس من مخبئه، صوته جهوريٌّ كالرعد:
> «ابتعد عنه فورًا!»
استدار الرجل مدهوشًا، وتراجع خطوة إلى الوراء وهو يسبّ:
> «تبا! من أين أتى هذا؟»
ثم نظر نحو الخيل الذي يبعد غير بعيدٍ وقال لنفسه:
«يبدو أن القتال لا يستحق المخاطرة... ليس مع اثنين.»
لوّح بيده مهددًا بصوتٍ أجشّ:
> «سأعود مجددًا، أيها الفتى!»
ركض مبتعدًا فوق صهوة حصانه تاركًا الغبار خلفه.
صرخ آريس في إثره:
> «أيها الجبان! لا تهرب!»
لكن الرجل كان قد اختفى بين الأشجار.
اقترب أخو ريماس منه وهو يلهث، وقال بامتنانٍ عميق:
> «شكرًا لك، آريس. لولاك لسرق كل ما أملك.»
لم تمضِ لحظات حتى وصلت ريماس نفسها، وعيناها تبرقان بالقلق:
> «أخي! هل أنت بخير؟!»
أجابها مبتسمًا رغم التعب:
> «أجل، لا تقلقي، لقد جئتِ في الوقت المناسب.»
تنهّد آريس وهو يمرر يده على شعره:
> «ألم أقل لكِ أن تبقي هناك؟ ماذا لو كان الأمر لا يزال خطيرًا؟»
رمقته ريماس باستنكارٍ طفوليٍّ عنيد وقالت:
> «لا أهتم، لن أترك أخي وحده.»
ابتسم آريس بخفوتٍ يائس وقال:
> «حسنًا حسنًا... بالمناسبة، ما الذي تحملانه في تلك الحقيبة لتدافعا عنها بهذا الشكل؟»
أجاب الأخّ وهو يحاول ترتيب أنفاسه:
> «فيها كتبي الثمينة وبعض الأدوية النادرة.»
رفع آريس حاجبيه بدهشةٍ ساخرة:
> «كتب وأدوية؟ كل هذا الدفاع من أجل هذه التوافه؟»
ارتفع صوت الشاب محتجًا:
> «توافه؟! ألا تعلم كم تساوي الأدوية والكتب في زمننا هذا؟!»
نظر إليه آريس بارتباكٍ حقيقيٍّ وقال:
> «عن ماذا تتحدث؟ الكتب في كل مكان، تباع بالملايين، والأدوية تجدها في كل متجر.»
تبادل الأخوان نظراتٍ حائرة، ثم قال الشاب بصوتٍ مندهش:
> «هل أنت في وعيك؟ هذا الدواء وحده يساوي خمسين قطعة ذهبية على الأقل!»
تراجع آريس خطوة وهو يحدق في الأرض بنظرةٍ شاردة، ثم قال بصوتٍ خافتٍ غريب:
> «كنت قد نسيت... أنني أحلم من الأساس.»
قال الأخ بارتباك:
> «تحلم؟ ماذا تقصد؟»
لم يجبه آريس، بل رفع عينيه نحو السماء الملبّدة بالغيوم الخفيفة وقال بفتور:
> «لا تشغل بالك. بعد لحظاتٍ سيوقظني المنبّه كالعادة... لقد سئمت هذا المكان على أي حال.»
لكن الريح سكنت فجأة، والطبيعة من حولهم تجمّدت كأن الزمن توقف.
حتى الطيور على الأغصان صارت جامدة بلا حركة.
نظر آريس حوله، والخوف يتسلّل إلى عينيه.
> «ما الذي... يحدث؟!»
تشققت الأرض أسفل قدميه فجأة، وصوت أشبه بالهمهمة انبثق من الأعماق:
> «لن تستيقظ هذه المرة...»
تسارعت أنفاسه وهو يتراجع خطوة إلى الوراء، لكن الغابة بدأت تتلاشى، تتحول الألوان إلى رمادٍ رمليٍّ يغمر كل شيء من حوله.
الضوء يخفت، والهواء يغدو ثقيلًا كأنه يغلق على ص*ره.
> «مَن هناك؟! أجبني!»
لم يسمع سوى صداه، قبل أن يُسحب جسده بعنفٍ نحو الظلام.
ثم ساد ال**ت التام...
وفي آخر لحظة قبل أن يُغمر كليًا، لمع في عينيه انعكاس ضوءٍ أحمر خافت، كوميضٍ من عالمٍ آخر،
يهمس له بصوتٍ غريب:
> «مرحبًا بك في **يم الديجور...»