الفصل الاول من رواية شمعة وقلم احمر
رواية --- شمعةٌ وقلم أحمر --- علي عيسي
لم يكن الليل قد انتصف بعد حتي عاد – سامح درويش – من عمله متأخرا بعد عناء شديد في طريق عودته في تلك الليلة الشتوية ذات الرياح العاصفة التي أبت الا أن تهب الارض بعضا من قسوتها بموجة عنيفة من الأمطار الغزيرة المصحوبة برعد قاصف وبرق خاطف ألقي في نفس الرجل رعبا لا يعلم له سببا لكنه وبعد محاولات مستميته تجاوز كل الطرقات الزلقة الي ذلك الشارع الهادئ الذي يسكنه بحي الهرم بالجيزة والذي خلا في تلك الساعات من المارة والسيارات علي حد سواء واكتفي حراس ال*قارات بالتقوقع حول مواقد يشعلون بها قطع من الأخشاب التماسا للدفيء وأغلق عمال المتاجر الابواب دون هذه الموجة الشرسة من الصقيع والتي أثارت الكآبة في نفس سامح دون أن تكون هي المبرر الوحيد لعبوس وجه الرجل وانعقاد حاجبيه في تلك الليلة فلم يغب عن عقل ووجدان الرجل لحظة واحده ما تعانيه زوجته من الآم مبرحة كانت قد سكنت منذ فترة ثم تجددت الليلة الماضية قبل أن يقرر أحد الاطباء لها أن تبقي في فراشها لأيام ربما تمتد الي أسبوع أو يزيد قليلا
لكن فيما يبدوا أن الحياة تخفي ((لسامح ))
وزوجته ((أمال))
وأطفالهما الكثير من المصاعب والمصائب التي لم تكشف عنها الايام حتي اللحظة فقد كان ابن سامح الاكبر وهو الفتي ( محمود ) طفل من المتفوقين دراسيا والمشهود لهم بحسن الخلق وكانت الطفلة (هدير ) هي الاخت الصغرى لذلك الطفل من زوجة آدم الاولي رانيا والتي لقيت حتفها غرقا قبل عامين عند أحد الشواطئ المصرية خلال رحلة الاسرة لقضاء العطلة الصيفية تاركة لزوجها طفلين في حاجة الي رعاية ام خصوصا تلك الفتاة هدير التي كانت قد وصلت الي نهاية المرحلة الابتدائية بينما يكبرها أخاها بثلاثة أعوام .
مما دفع الرجل للزواج من زوجته الحالية أمال والتي حرمتها الحياة من الامومة لأسباب قدرية لم تفلح في معالجتها تدخلات الأطباء رغم طول فترة التداوي لكنها كانت لا تزال في ريعان الصبا وكان الجمال هو الدافع الوحيد لآدم لان يسعي للزواج منها متغاضيا عن الأسباب الجوهرية التي دفعتها للانفصال عن زوجها السابق قبل ان تصبح زوجة لسامح
الذي عاد الي بيته في تلك الليلة خائر القوي مجهد النفس والبدن فلم يستطع حتي ان يطفئ محرك سيارته لدقائق معدودة عند متجر قريب ليشتري طعاما للعشاء مكتفيا بما يتوقع ان يجده ف المنزل اذا استطاعت زوجته ان تغادر فراشها لتعده له من طعام وعندما دخل الرجل الي شقته وتخفف من ثيابه بعد ان استلقي علي كرسي يتوسط الصالة الواسعة التي تفصل بين مدخل شقته وحجرة نومه حاول بكل هدوء أن يبحث عن طعام فلم يجد الا بعضا من الفاكهة ف*ناول قطعة منها ثم آوي الي فراشه فلم يداعب النوم جفونه الا في ساعة متأخرة من الليل بعد أن سيطر عليه الأرق بصورة مفاجئة ولم يكن قد استغرق ف النوم تماما الا بعد معاناة حتي فوجئ بأنين مكتوم يوقظه رغم انفه من النوم فلم يكن يستطيع ان يتجاهل ما تعاني زوجته من الالم الذي اشتد حتي تفصد جبينها عرقا رغم برودة الطقس فلم يستطع الرجل ان يصبر علي هذا التوجع فاتصل هاتفيا بسيارة اسعاف لم تلبث أن دوت صافرتها لتثير ضجة في أنحاء المنطقة فأيقظت بعضا من جيران (سامح ) النائمين الذين هرعوا الي شقته ليتبينوا حقيقة الامر لكن سامح لم يكن يخشي شيئا الا ما سوف يواجه اطفاله الصغار الذين افزعهم توجع زوجة الاب والتي ما رأي احدهم منها خيرا الا نادرا ورغم ذلك بكت الطفلة الصغيرة والتي افزعها ما رأت عليه زوجة ابيها من الالم وقضي الرجل ليلته بالمستشفى تاركا مصير أبنائه الي المجهول ولم يعد يعنيه تغيب احدهما او كلاهما عن المدرسة في صباح اليوم التالي ثم مضت عدة ساعات قبل ان تعود الحالة الصحية لزوجته الي الاستقرار النسبي الي ان اتجهت نحو الاستقرار التام في عصر اليوم التالي فانقشعت سحابة الحزن التي غشيت وجه الرجل ليواجه ما هو أخطر بعد ان عادت زوجته الي شقته عندما بدأت خلافات عديدة تنشأ بينه وبين رئيس مجلس ادارة الشركة التي يعمل بها سامح الذي لم يكن يقبل الانقياد لتعليمات ذلك الرجل خصوصا عندما أطلت علية تلك الغمة التي لم يكن يتوقع لها انفراج قريب بمرض زوجته وعودته اضطرارا من خارج مصر بعد أن مرضت (أمال )
وها هو يتغيب عن عمله بعد عودته من الخارج بعدة ايام ولم يكن قد انتظم بعد في عمله بشكل كامل لكنه لظرف طارئ يعلمه الجميع يحصل علي اجازة جديدة ولكنها قصيرة هذه المرة ليومين فقط وعاد الي عمله شهرا متصلا قبل ان تعاود الازمة الصحية الاخيرة لزوجته السيطرة علي عقله
ليحصل بعد تجدد الالم الذي انتاب الزوجة علي اجازة من عمله لأسبوعين كاملين حتي يستطيع ان يرتب حياته من جديد فقد أصبح لزاما عليه ان يستقطع بعضا من وقته ليتابع حالة زوجته التي تعاني من مشاكل صحية بالكلية اليمني ولكن نتائج التحاليل الطبية أكدت خطورة استئصال تلك الكلية ف الوقت الراهن لأسباب تتعلق بضغط الدم وعوامل أخري ولم يكن سامح من أولئك الذين يستطيعون اللجوء الي الاهل لرعاية زوجته وأولاده من زوجته السابقة حيث كان يتميز بالخجل المفرط والانطواء الشديد وكانت علاقاته الاجتماعية مع أقرب الاهل محدودة للغاية فقد تعود الرجل بحكم عمله فيما سبق أن ينكفأ علي ذاته موليا أسرته الصغيرة كل جهده ومعظم وقته فلم يكن من السهل عليه أن يقبل بعطف من الاهل يشبه التصدق عليه بوقت أو جهد في مقابل أن يتفرغ لعمله الذي كان يواجه به أيضا مشكلات عديدة لكنه عندما مضت الايام وشعر بغربة النفس وضيق الص*ر ما وجد لنفسه ملاذا ولقلبه موطنا يأوي اليه الا أن يرتمي بين أحضان الام التي بقيت في تلك القرية الريفية البعيدة التي نشأ وتربي فيها سامح واخوته حيث كان سامح هو الابن الاكبر للحاج درويش احد اكبر معلمي المرحلة الابتدائية بالقرية قبل وفاته والذي تتلمذ علي يديه معظم رجالها وكانت الام ( منيرة)
التي بقيت في بيتها القديم ورفضت مغادرته بعد وفاة زوجها هي الرمز الباقي من زمن الاصالة والتي كانت تجمع الابناء حولها في مواسم تتكرر مرتين أو ثلاثة في كل عام عندما يعود شهر رمضان ضيفا كريما علي الأمة الإسلامية بنفحاته الطيبة وبعده عيد الفطر ثم عيد الأضحى وكان الافطار الاول في شهر رمضان هو اليوم المقدس الذي يجمع الابناء والاحفاد في بيت الجدة وكانت منيرة والدة سامح تلقي من ابنائها وبناتها كل الرعاية بمن فيهم سامح نفسه قبل ان تباعد ظروف الحياة وتقلباتها بينه وبين الام التي تقدم بها العمر واكل الشيب زهرة شبابها ووهنت قوتها الي الحد الذي فقدت معه بصرها قبل سنوات وبقيت معها حفيدتان تقومان علي خدمتها ورعايتها بعد طلاق امهما الاخت الصغرى لسامح والتي لازمت بيت ابيها معتمدة علي ما توفره الارض التي ورثتها عن ابيها واستأجرها منها احد فلاحي القرية ليقوم بزراعتها في توفير ما يلزمها من نفقات بينما تولي عادل الش*يق الاصغر لسامح رعاية الام من خلال زيارات متتابعة علي فترات متقاربة بعد أن فقدت الام زوجها لتفقد معني المودة والسعادة ثم تلي ذلك أن فقدت بصرها ففقدت بعده حتي الرغبة ف الحياة ذاتها لكنها بقيت هكذا راضية بالقضاء كما دأبت علي هذا الامر منذ صباها .
أن ترضي بكل شيء مهما كان قليلا أو متواضعا .
حتي أصبحت صفات تلك الأم الطيبة مض*ب الامثال
كانت سيارة سامح قد شقت الطريق موغلة في شوارع القرية الترابية في أول النهار في طريقه الي البيت الكبير لزيارة أمه والاطمئنان علي اخته التي لم تنجو من ظلم وبخل اخيها الاوسط عادل الذي كان اكبر منها واصغر من سامح لكن فرض علي اموال اخته وحياتها وصاية غير شرعية فصار يتحكم في كل ما يخص تعاملاتها المالية
ولم تكن قد حانت تلك اللحظة التي وصل فيها سامح الي القرية حتي ارتفع الاذان بمساجد القرية معلنا أن صلاة الظهر قد جاء وقتها وبعد أن وصلت سيارة سامح الي بيت العائلة الكبير بالقرية كان قد أبلغ أخيه قبل عدة ساعات أنه خلال دقائق سوف يتوجه الي بيت أبيه بالقرية في زيارة الي بيت وأرض ابيه قاصدا الاطمئنان علي الام التي كانت بمفردها بعد ان غابت الصغيرات في مدارسهن وخرجت أمهما قبل ساعة لشراء ما يلزم من طعام واحتياجات منزلية من سوق القرية القريب كعادتها كل يومين ولم يكن هاتفها المحمول بحوزتها لتعلم بموعد وصول سامح الي القرية بعد أن وصل بصورة فجائية الي بيت امه ليطرق الباب فتبذل المرأة جهدا وعناء وهي تلتمس الطريق وتحدد مواضع الخطي مستندة بيدها الي جدار يفصل بين الاريكة التي تجلس عليها وبين الباب الرئيسي للبيت فكانت تسير ببطيء وهي تضع يدها علي الحائط خشية السقوط رغم انها كانت تتوكأ علي عصا الا انها لم تستعن بها في تلك المرة حتي فتحت الباب لتفاجئ بولدها الذي غاب عنها اسابيع طويله حتي اذا ما ولجت قدماه الي داخل البيت وقبل ان ينطق حرفا واحدا
تفاجئه الام بقولها
- مرحبا يا سامح طالت غيبتك يا ولدي لعلك بخير
فارتمي سامح في أحضان أمه وهو يتصنع الابتسامة قبل أن يتأوه قائلا :
- عذرا يا امي لقد مررت ب*روف صعبه
- وما حال بيني وبين لقائك الا أمورا لم يكن من السهل علي نفسي أن أتجاوزها
ثم قال مبتسما :
- كيف حالك يا سيدة نساء الدنيا ؟
وعندها همست أمه وهي تبتسم في مرارة :
- حالي ؟
- ما المسئول بأعلم من السائل ثم عاتبته في سخرية :
- منذ متي وأنت تهتم بحالي ؟
ثم ولته الام ظهرها وسارت بخطي بطيئة حتي جلست علي الاريكة القديمة فجلس أمامها وكأنها تراه لكنها شعرت باضطراب أنفاسه فهمست فجأة :
- اقترب يا ابني واخبرني ماذا بك
ثم تن*دت بعمق وهمست مكررة عبارتها السابقة :
- ماذا بك يا ولدي ؟
واقترب منها الرجل واضعا وجهه بين كفيها فما كان منها الا أن
ثبتت عيناها المفتوحتان بلا رؤية علي وجهه كأنما تراه
وبدت نبراتها كالمغلوب علي أمره فقالت في نبرات تفوح بالأسي كلمات قلائل كأنما شعر قلبها بما يعانيه الابن دون أن تري عيني ولدها وما يكتوي به فؤاده
وقبل أن ينطق به ل**نه فكتمت آلامها عندما همست تطمئنه :
- أنا بخير لا تنشغل بأمري كثيرا فما عاد يعنيني من متاع الدنيا الا قليلا
كانت عيناه قد تجمدت فيها الدموع لما رأي من أثار الزمن علي وجه الأم قبل أن يتن*د وهو يحاول أن يبدوا طبيعيا عندما همس مواجها أمه :
- الحمد لله
ثم حاول بعدها أن يهرب من حصار الام لروحه فنهض واقفا
ثم دار بعينيه في أنحاء المكان الفقير الذي لم يتغير فيه شيئا منذ سنوات قبل أن يهمس قائلا :
- اين مريم وبناتها هيام ومرام ؟
فقالت الام وهي تربت علي كتفه في حنان :
- كلهن بخير ثم تن*دت وقالت في هدوء :
- دعك منهم واخبرني لماذا أنت حزين؟
ماذا بك يا ابني ؟
فارتفع حاجباه دهشه وقال لها وهو يمط شفتيه ولا يصدق ما تسمعه اذناه :
- كيف عرفتي يا امي ؟
فقالت الام وهي تهم بالنهوض :
- عرفت ماذا ؟
- فقال متأوها كيف عرفتي اني لست بخير رغم انك ....
ثم لاذ بال**ت بعد أن أمسك عن الحديث فجأة
فقاطعته الام قائلة في عتاب قاسي رغم ابتسامتها التي تفوح منها رائحة الحسرة
- رغم اني لا أراك يا ابني ؟
فقال معتذرا :
- عفوا يا أمي أقصد رغم انك لا تسمعين صوتي ولا تتابعي اخباري
منذ فترة خصوصا وأني لا اتحدث مع عادل فيما يخص شئوني من زمن طويل
فقالت الام وهي تهز رأسها في أسف واضح
- قلب الام يري بالبصيرة ما لا يراه المبصرون يا ولدي ويشعر بالبعيد قبل القريب اذا ما كان قريبا من القلب وال*قل وقد كنت أنت أول فرحتي من الدنيا
ولا تزال أكبر همي وأكثر ما يشغل عقلي ليلا ونهارا
وهنا فقط تأوه سامح وهو يقول :
- صدق رسول الله حين قال :
الجنة تحت أقدام الامهات
ثم أمسك بيدي أمه وقبلهما وهو يتن*د في مرارة قبل أن يقاوم ذلك الشعور المرير بالحسرة الذي سيطر عليه فجأة وهو يعيد السؤال علي مسامع أمه مرة ثانية :
- أين مريم والبنات يا أمي ؟
لم يعد للبيت حياة دون وجودها ومعها بناتها بين جدران البيت فقد أشعرني البيت بغير صوتها بانه يشبه جدران سجن يحيا به أسيرا يرفض الحياة
فكيف يتركونك هكذا ؟
فقالت الأم مبتسمه في هدوء :
- لا عليك يا ولدي لقد تعودت علي ال**ت والظلام
ثم دار بعينيه في أنحاء الحجرة فاذا به يري صندوقا خشبيا كانت أمه تحتفظ فيه بثيابها رافضة التخلي عنه فلم يكن لديها اي استعداد لتغيير ما نشأت عليه من طباع وتقاليد عتيقة
كانت حياة الأم أكثر قربا الي حياة من كانوا يعيشون حياة البداوة قديما ورغم ذلك ما زالت تتمسك بها امرأة تعيش ف القرن الحادي والعشرين وترفض وتقاوم بشده أن تمتد يد الحضارة والتطور الي مكان عاشت فيه شبابها وصباها ولم تكن تري نظرة سامح الي الاواني المتناثرة بأرضيات البيت في شتي الغرف فقد كان الرجل ينظر باستياء وتقززالي كل شيء
لكنه لم يشأ ان يبدي امتعاضا وتبرما مما وقعت عليه عينيه من اوضاع مزرية تحيا بها امرأة كان يجب أو يفترض أن تعيش في واقع أفضل من ذي قبل
لكن هيهات أن يحدث هذا لامرأة فقدت بصرها وقوتها ولم يعد يعتني بها أحد حتي ابنها الذي أخذته بعيدا هموم الدنيا ومتاعبها فأجبرته علي الغياب طويلا
فصار لا يزورها الا كل بضعة أسابيع وكان وجود الاخت الصغرى وبناتها يكاد يبدوا صوريا
لكن سامح في ذلك اليوم مكث في بيت أبيه طويلا حتي عادت أخته من السوق وبعدها اطفالها فظل يلهو معهم وقتا طويلا حتي انتهت اخته من اعداد الطعام ثم تناول طعامه ومضي بعد ان اعطي لأخته قليلا من المال وغادر البيت متوجها الي بيت اخيه القريب من منزل العائلة طامعا في ان يقضي معه بضع ساعات لكن ((زوجة ابن أخيه ))
استقبلته ب*عور بارد يدل علي عدم الاهتمام وبوجه خلت منه البشاشة و علي الرغم من ذلك دخل سامح بيت ش*يقه فلم يلقي قبولا كما بدي علي وجه الفتاة التي لقيت الرجل بغير ترحيب لائق ذكره بما كان يلاقي ابنائه من زوجته الجديدة فقد ماتت زوجة اخيه ايضا قبل عدة سنوات تاركة له اثنين من الابناء الذكور هما خالد وثروت وقد سافر خالد الابن الاكبر الي الخليج بعد وفاة امه بشهور قلائل أما ثروت والذي تزوج فتاة من القرية كان أبيها رجلا من كبار العائلات كانت قد حجبت زوجة ثروت عن عادل الاخ الاصغر لسامح اي دعم من ابنه سوآءا معنويا او ماديا فلم يعد ثروت يشارك ابيه في اعمال الحقل واصبح مطيعا كل الطاعة لأوامر زوجته بينما أصبح في عيون الاب رمزا لل*قوق وفساد الاخلاق وبوار الغرس في ارضا لم تطرح الا ثمارا مرة كالصبار أو الزقوم
ولم يكن سامح يعتني كثيرا بفعال زوجة ابن اخيه فلم تجد كلماتها منه آذان صاغية لكنه ودعها وانصرف الي الحقل القريب حتي دون ان يسأل عن ابنة اخيه ليلي الفتاة التي أنهت دراستها الجامعية منذ فترة فلم يعد يريد شيئا بعد ان إنقبض قلبه ضيقا وضجرا عندما لقي زوجة ابن اخيه فلم يمكث بالبيت الا دقائق وانصرف سامح الي الحقل
حيث لقي اخاه بوجه طلق وارتسمت علي وجهه البشاشة عندما التمس دفئا يهب القلب راحة والروح طمأنينة بين احضان اخيه ثم دار بينهما حديث الأشقاء المعهود ولكنه لم يستمر طويلا
فقد اسرعت بهم دقات الساعة ولم تمهل سامح مزيدا من الارتواء بلقاء الاخ الذي خفف عن اخيه كثيرا مما يلاقي بعد أن بثه سامح شكواه من الدنيا والايام
وافصح عادل عن كل ما يعاني بعد غياب الابن الاكبر وتمرد الثاني وانعزاله وانطوائه ليدور في فلك زوجته التي لم يكن يجرؤ علي ان يعصي لها امرا
وقطع سامح تلك الرحلة متوجها الي المدينة حيث يقيم بعد احتسي كوبا من الشاي اعدته له ابنة اخيه رحاب التي انهت دراستها الجامعية بعد أربعة أعوام كانت فيها تغيب طيلة فترة الدراسة فلا يراها الا في الاجازة الصيفية من كل عام لتنضم الي طابور الباحثات عن العمل بحثا عن ملاذ جديد يحول بينها وبين حياة لا تخلو من الملل ورتابة الايام حتي يأتي الفارس المنتظر ليخ*فها علي جواد تحلم به كل فتاة بعد أن قٌتل الفقر والقهر كثيرا من الفرسان في معارك بلا سيوف مع واقع لا يرحم وانتحرت الجياد حزنا علي فرسان لم تكتب لهم الحياة ان يسطرون اسمائهم بحروف مدادها من الدم في سجلات البطولة في زمن لا بطولة فيه الا لأصحاب الحظوة من ذوي المال أو الجاه
ومضت الدقائق التي يختمها المصريون كالعادة عند نهاية كل لقاء واقفون علي اقدامهم كأنهم ينتظرون تحرك قطار حان موعد انطلاقه وغادر سامح الحقل الي سيارته وعندما استقر خلف عجلة القيادة لم يكن يدور بعقله الا سؤالا واحدا
لماذا بقيت أمي الكفيفة بعيدة عن بيت أخي ولم ترضي ان تقيم في بيته وأصرت بكل شدة علي ان تكمل حياتها في بيت زوجها المعروق بالأخشاب حتي بعد رحيلة بعدة سنوات ؟
لكن صوت ال*قل ينطق مدويا في اعماق سامح
- ومن لها بعد الزوج يا رجل ؟
- أنت وش*يقك عادل كلا منكم يغوص بعقله وقلبه في واد سحيق
- وأما ش*يقتك فليس بيدها ما تقدمه لامها بعد انفصالها عن زوجها تاركا لها طفلتين ترعاهما بعد ان تزوج باخري ورفضت اختك ان تتخلي عن طفلتيها مما جعلها في حاجة الي من يرعاها هي وطفلتيها معا فاذا كان اخيك المقيم بالقرية انشغل بماله بعد غياب ابنائه
- فماذا عنك أنت ؟
ثم ابتسم في مرارة معاتبا نفسه دون حديث لكن صدي الصوت
كان يتردد في أعماقه عندما صرخ قائلا :
- انت بعد فقدان زوجتك وزواجك بامرأة لا تحنوا عليك ولا تعطف علي أولادك ؟
- لقد تخليت طواعية او كرها عن كل الناس حتي نفسك فلمن تترك أمر رعاية امك ؟
- لنفسك التي تبحث عن من يحنوا عليها ويرفق بها ؟
أم أخيك الذي طلق زوجته الثانية فبقي كالأعزب
بعد أن مضي به قطار العمر وغطي الشيب جانبي رأسه ؟
وبقي له شابان من الذكور ابتعد احدهما بحياته
وصار الاخر يغوص بقلبه في بحار الضعف والهوان عندما أسلم زمام حياته لزوجة تقوده الي اي مكان تشاء وقتما تشاء كما يقود الحادي البعير ؟
لم يكن لدي تلك الام خيارا تلجا اليه الا ان تنجو بحياتها من ان تكون عبئا علي احد فاتخذت من عصا تتوكأ عليها سندا ورفيقا في درب الحياة
ثم تن*د سامح متوجعا قبل أن يستل من غ*د الخيال سيفا ليواجه به جموعا وجحافل محتشدة عند مشارف القلب وال*قل من جنود اليأس والانهيار والتحطم وضيق الص*ر التي كانت تتأهب للانقضاض علي قلبه وعقله لكنه هاجمهم بسيف الامل المرتعش في أعماقه ارتعاشه عصفور بلل المطر جناحاه فوقف وحيدا يرتقب شمسا دافئة تعيد اليه الحياه
ثم تن*د أخيرا وأسلم أذنيه الي رائعة ام كلثوم
حين ترنمت
(( يا فؤادي لا تسل أين الهوي ))
وندت عن شفتي سامح المضمومتان نحنحة مقتضبة قبل ان يواصل الغناء متن*دا في توجع وقلبه يئن من الأعماق
- كان صرحا من خيال فهوي
وأدار محرك السيارة ليلقي سمعه الي النغمات الرائعة لسيدة الغناء العربي بعد أن امتد بصره ليتابع مع الطريق كيف تطوي سيارته الارض طيا في طريق عودته الي بيته واسرته التي غاب عنها منذ الصباح الباكر ولم يكن يعلم ماذا تخبئه الأقدار له ولأبنائه خلال ساعات قادمه