مكثوا في الوادي لفترة أطول بعد انتهاء الطعام، ولم يكن أي منهما في عجلة من أمره للمغادرة، إذ غمرتهم دفء الظهيرة بينما انعكس ضوء الشمس على النهر في الأسفل كشرائط فضية طويلة. لم يرغب أي منهما في أن يكون أول من يقترح الرحيل، ولكن مع ارتفاع الشمس في كبد السماء، تمدد إيان أخيرًا ووقف على قدميه، ممدًا يده لأكيرا.
قال وهو يسحبها برفق: "هيا بنا، لقد وعدتك بيوم كامل، وليس مجرد نزهة."
نفضت بعض شعيرات العشب المتناثرة عن فستانها وابتسمت له، وما زالت مترددة بعض الشيء في ترك هدوء الوادي خلفها. "إلى أين الآن؟"
قال وهو يطوي البطانية تحت ذراعه بينما كانت تجمع السلة الفارغة، وتضع بداخلها بعناية آخر زهور البرية التي أهداها إياها ذلك الصباح حتى لا تتلف: "المطعم. لقد حجزتُ طاولة، لذا لن نتأخر".
ضحكت وهي تُمسك بيده بينما بدأا بالعودة على طول الممر الضيق بين الأشجار، وضوء الشمس المتخلل يتسلل فوقهما أثناء سيرهما. "هل خططت لكل هذا مسبقًا؟ الوادي والمطعم؟"
قال وهو ينظر إليها من الجانب بابتسامة صغيرة راضية: "لقد أخبرتكِ، أردت أن يكون هذا اليوم مميزاً".
قالت: "ستدللني"، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي شكوى حقيقية في صوتها، بل مجرد فرحة هادئة.
قال ببساطة: "هذه هي الخطة"، فضحكت مرة أخرى، وانحنت على كتفه أثناء سيرهما.
لقد شقوا طريقهم عائدين عبر الغابة باتجاه حافة القرية، ومن هناك فصاعدًا نحو المدينة البشرية حيث كان المطعم ينتظرهم، ويدها مطوية بشكل مريح في يده طوال الطريق، وكانا مرتاحين وغير متسرعين في صحبة بعضهما البعض، يتبادلان تعليقات صغيرة حول المتاجر التي مروا بها والأشخاص الذين تعرفوا عليهم على طول الطريق.
---
في هذه الأثناء، في منزل قطيع القمر المظلم، كان الجو أكثر هدوءًا وثقلًا. جلس ماكس مع أوريانا في غرفة الدراسة بعد أن غادر أكيرا وانطلق إيثان لرؤية حبيبته، وبقيا وحدهما الآن، والنار تشتعل ببطء وتصدر طقطقة خفيفة في الموقد. رقصت الظلال على الجدران الخشبية، وكان الصمت بينهما ثقيلًا بما لم يُقال.
حدق ماكس في اللهب لبرهة طويلة قبل أن يتكلم أخيراً بصوت ثقيل: "أنا لا أحب هذا على الإطلاق".
مدّت أوريانا يدها ووضعتها برفق على ذراعه، محاولةً تخفيف التوتر الذي شعرت به ينبعث منه. "عزيزي، لا تتصرف هكذا. أكيرا ناضجة، وهذا قرارها الخاص."
هزّ رأسه ببطء، وفكّه مشدود. "يا عزيزتي، لا تعلمين ما قد يحدث عندما تجد شريكها. قد يهجرها، أو يؤذيها، لأنه يظن أنها غير مخلصة. أنتِ تعرفين كيف يمكن للرابطة أن تُغيّر الأمور - كيف تُغيّر كل من يمسه."
صمتت أوريانا، وارتسم القلق على ملامحها وهي تستوعب كلماته. لقد رأت ذلك يحدث من قبل، في قطعان أخرى، وفي عائلات أخرى - تلك الرابطة التي تأتي كالعاصفة وتقلب كل ما يظنه المرء أنه يعرفه عن قلبه رأسًا على عقب. قالت بهدوء، بصوت يكاد يكون متوسلًا: "لكنها تحبه يا ماكس. ولا أريد أن أجعلها تعاني بفصلها عنه الآن. ليس بعد كل ما مرت به."
انخفض صوت ماكس أكثر، وبدا القلق واضحًا في كل كلمة. "عزيزتي، لا أريد أن أراها تتألم أيضًا - أنتِ تعرفين ذلك أكثر من أي شخص آخر. لكنني أخشى أيضًا ما سيحدث عندما يعثر عليها رفيقها. لا نعرف كيف سيكون رد فعله، أو ماذا سيفعل بمجرد أن تتشكل الرابطة بينهما."
توقف للحظة، وهو يفرك صدغه كأنه يحاول طرد فكرة لا يريد البوح بها. وعندما تكلم أخيرًا، كان صوته أكثر هدوءًا، يكاد يكون مترددًا. "ولا تنسوا أن الملك ألفا وإخوته لم يجدوا رفيقاتهم قط. ولا واحدة منهم."
شحب وجه أوريانا، وشدّت يدها حول ذراعه حتى ابيضّت مفاصلها. "هذا مستحيل تمامًا. رفيقة الملك ألفا دائمًا ما تكون ملكة، أو ابنة ملك. لطالما كان الأمر كذلك يا ماكس. لا بدّ أن يكون كذلك."
نهض فجأة، وبدأ يذرع المكان جيئة وذهاباً، غير قادر على الجلوس ساكناً تحت وطأة خوفه. "ليس دائماً! ليس دائماً يا أوريانا. إلهة القمر هي من تقرر هذه الأمور - لا التقاليد، ولا الأنساب، ولا ما كان عليه الحال دائماً. ليس لدينا أي سبيل لمعرفة ما تخطط له لأكيرا. لا أحد منا يعلم."
وضعت أوريانا يدها على فمها، وتبعته عيناها وهو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وألقى ضوء النار بظله الطويل المضطرب على الأرض. قالت أخيراً بهدوء: "ماكس، حتى لو كان ما تخشاه صحيحاً، حتى لو كانت للإلهة خطة أخرى لها، فماذا تريدنا أن نفعل؟ أن نحبسها؟ أن نبعدها عن إيان، عن الجميع، تحسباً لحدوث شيء ما يوماً ما؟"
توقف عن التململ ونظر إليها، وللحظةٍ خفّ الخوف في عينيه ليتحول إلى ما يشبه الحزن. "لا،" اعترف. "لا، بالطبع لا. أنا فقط... أريد حمايتها يا أوريانا. هذا كل ما أردته في حياتي."
قالت بلطف وهي تنهض لتقف بجانبه، وتسند رأسها على كتفه: "أعلم. لكن بعض الأمور لا يمكن الحماية منها يا ماكس. بعض الأمور لا يسعنا إلا أن نكون حاضرين من أجلها حين تحدث."
ساد الصمت بينهما مجدداً، صمت ثقيل ومُقلق، لم يقطعه سوى صوت طقطقة خفيفة وأزيز النار. نظرت أوريانا إلى زوجها، إلى القلق الذي بدا واضحاً على وجهه وكأنه قد شيخ سنوات في حديث واحد، ولم تنبس ببنت شفة، لأنه لم يكن هناك ما يُقال. كان تفكيرهما منصباً على الشيء نفسه - على ابنتهما، التي كانت تضحك في مكان ما في المدينة برفقة حبيبها، غافلة تماماً عن الحديث الدائر في غيابها.
---
في المدينة البشرية، جلس أكيرا وإيان على طاولة في مطعم صغير أنيق، من النوع الذي ينساب فيه ضوء ذهبي ناعم على مفارش بيضاء، وتملأ أحاديث هادئة ومريحة المكان من حولهما. كان هذا المكان من النوع الذي اختاره إيان بعناية، لعلمه أنها تعشق أناقته الهادئة، وشمعة تومض برفق بينهما، وينعكس لهيبها الصغير على سطح الطاولة المصقول.
أسند ذقنه على يديه ونظر إليها عبر الطاولة، وارتسمت ابتسامة صغيرة راضية على زوايا فمه، كما لو أنه لا يوجد مكان آخر في العالم يفضل أن يكون فيه.
"إذن،" قال بنبرة فضولية ودافئة، "ماذا ترغبين في طلبه يا سيدتي الجميلة؟"
احمرّت وجنتاها من شدة قربه، ومن نظراته إليها وكأنها الشخص الوحيد في المطعم بأكمله. خفق قلبها بشدة في صدرها، وللحظة لم تكن متأكدة من أنها تثق بصوتها.
قالت بهدوء وهي تخفض نظرها إلى الشمعة التي بينهما: "أي شيء تطلبه".
قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة: "حسناً، سأطلب لكِ أفضل طبق في قائمة الطعام يا عزيزتي".
قالت وهي تنظر إليه مجدداً: "شكراً لك يا إيان"، وقد تحول خجلها السابق إلى ابتسامة دافئة.
قال وهو يهز كتفيه ببساطة، ويمد يده عبر الطاولة ليضغط على يدها برفق: "على الرحب والسعة يا عزيزتي. أي شيء من أجلك."
مرّت الوجبة في جوٍّ من الحديث الوديّ، امتدادًا طبيعيًا للحديث الهادئ الذي دار بينهما في الوادي صباح ذلك اليوم، حيث تبادلا المزيد من حكايات طفولتهما، وخططًا لم يجرؤا على البوح بها بعد، ونكاتًا صغيرة لم يفهمها سواهما. في لحظة ما، روى إيان، بجدية مبالغ فيها، قصة الماعز العنيدة التي هربت من حظيرتها ثلاث مرات في ذلك الأسبوع، فضحكت أكيرا بشدة حتى كادت تُسقط كأسها، مما زاد من ضحكه. وبحلول الوقت الذي رُفعت فيه الأطباق وانخفضت حرارة الشمعة قليلًا، خيّم الهدوء على المطعم من حولهما، وغادر معظم رواد الطاولات الأخرى مع حلول المساء.
"إلى أين نذهب بعد ذلك؟" سأل إيان وهو يميل إلى الخلف على كرسيه.
عادت الإثارة إلى أكيرا على الفور، وكادت ترتجف في مقعدها. "إلى مدينة الملاهي!"
كاد إيان أن يختنق بآخر رشفة ماء عند ذكر الأمر، فوضع الكأس أرضًا بنظرة ذعر شديدة. "لا، لا، لن أركب تلك الأفعوانية اللعينة مرة أخرى. مرة واحدة تكفي مدى الحياة."
انفجرت ضاحكة من هول الرعب الذي ارتسم على وجهه، ولا تزال ذكرى قبضته المحكمة على قضيب الأمان في المرة السابقة عالقة في ذهنها. وضعت يدها على فمها، محاولةً عبثاً أن تبدو نادمة.
"حسنًا، حسنًا،" قالت وهي لا تزال تكتم ضحكتها، "لن نركبها مرة أخرى، أعدك."
نظر إليها بريبة، من الواضح أنه لم يقتنع بموافقتها المفاجئة. "ماذا عن البيت المسكون؟"
هزت رأسها وهي تضحك بهدوء. "ولا هذا أيضاً."
ضاقت عيناه أكثر. "السفينة العملاقة إذن؟ تلك التي تتأرجح ذهابًا وإيابًا حتى تتقيأ؟"
رفعت يديها مستسلمة، والضحك لا يزال يتردد في صدرها. "ولا هذا أيضاً. لا تقلق يا إيان، أعدك أنني لا أحاول تعذيبك اليوم."
تأملها للحظة أخرى، باحثاً في وجهها عن أي أثر للمكر، قبل أن يسترخي أخيراً، فتبددت شكوكه المصطنعة بابتسامة صادقة. "إذن هيا بنا."
قفزت من مقعدها على الفور، وكادت تسحبه معها. "هيا بنا!"
غادرا المطعم متشابكي الأيدي، وخرجا إلى هواء المساء العليل، وبدأت السماء فوقهما تتلون بألوان برتقالية ووردية ناعمة مع انخفاض الشمس. لم تكن مدينة الملاهي بعيدة، وكان بإمكانهما سماع الموسيقى والضحكات البعيدة التي تحملها النسمات، أصوات دافئة ومبشرة، من ذلك النوع من الأصوات التي تملأ صدر أكيرا بالسعادة من جديد.
أثناء سيرهما، نظر إيان إليها شزراً، يراقب كيف انعكس ضوء الشمس الخافت على شعرها، وكيف بدا وجهها كله متوهجاً بفرحٍ بسيطٍ عفوي. فكّر، وللمرة الثانية، أنه سيفعل أي شيء تقريباً ليبقيها على هذه الحال تماماً - خالية من القلق، خالية من الخوف، لم يمسها ما كان والدها يخشاه بصمت كلما ذُكر اسم إيان. لم يكن يعلم، بالطبع، عن الحديث الذي لا يزال يتردد صداه بهدوء في منزل القطيع الذي لم يُسمح له بدخوله قط، أو المخاوف القديمة التي كانت تُساور والدها بشأن ملك ألفا لم يعثر على رفيقته. كل ما عرفه، في تلك اللحظة، هو دفء يد أكيرا في يده، وصوت ضحكتها يتردد أمامهم في المساء.
وصلوا إلى بوابات مدينة الملاهي في اللحظة التي بدأت فيها أضواء الزينة الأولى تومض في الأعلى، والتفت أكيرا إليه بابتسامة مشرقة ومشاغبة.
قالت وهي تسحبه عبر المدخل: "لا تقلق، لدي قائمة كاملة من الأشياء التي لن تجعلك مريضاً".
قال إيان ببرود، وهو يترك نفسه يُسحب معه: "هذا ما سنراه لاحقاً".
But he was smiling as he said it, and she was laughing again, and for a little while longer, the evening belonged only to the two of them.