الفصل الاول
أسند كارم الرفاعي ذراعه على المسند الخشبي في التراس المطل على الرقعة الزراعية في لحظة الغروب وتن*د في عمق رشف القليل من قهوتة ثم نظر إلى السكون حوله وتذكر حفيده طارق وحفيدته آسيا وشعر بحزن يجتاح مشاعره منذ متى لم يقم أي منهم بزيارته لقد مضت فترة طويلة لم يشاهد اي منهم الأيام تمضي في سرعتها الجنونية وتستبد شعور الوحدة مثل سحابة سوداء تظلل على كيانه
رغم ثروته الهائلة لكنه أتعس مخلوق على وجه الارض. لا شئ يستطيع أن يبهج قلبه ويسر جوارحه غير رؤية ما تبقى له من عائلته نظر إلى السماء وتذكر أبناءه الذين رحلوا في هدوء شديد منذ خمس سنوات تاركين له بقعة من الهموم والحزن تكاد تبتلعه انتبه على صوت صالح الخادم المرافق له
مالك يا بيه أنت تعبان ولا اي
دون أن ينظر له قال
لا ابدا مافيش يا صالح
جلس صالح على الأرض في مواجهته وأكمل
مافيش ازاي. هو انا تايه عندك يا جناب البيه انت شكلك مهموم اوي مش من النهاردة بس بقالك كام يوم على كدا والأكل كمان زي ما يكون حالف ما تمسه
حين لم يجب كارم اكمل صالح
انت بتفكر في ولادك الله يرحمهم أمر الله ونقد يا بيه
البركة في ولادهم
نظر له كارم في حزن وقال
وهما فين ولادهم يا صالح فين طارق الكبير ابن عثمان الكبير اللي بقاله سنين مشفتش وشه
ولا آسيا بنت عباس اللي مسالتش بالتليفون عني وبيقولوا البنات فيهم حنيه احفادي مش سائلين عني
نظر صالح له في شفقة وقال
الدنيا شغالهم ودا شباب مش عايز يقعد فى ريف ولا عنده خلق السكتة اللي هنا شباب اليومين دول عايزن الدوشة والضوء انا اسمع أنهم عندهم شغل في مصر وهما اللي مشغلين شركات
هز كارم رأسه في استسلام وقال
ايوا رجال أعمال. حتى آسيا كمان عاملة لنفسها جرنان وداخلة مجال الصحافة. وطارق
في التجارة هيعوزو جدهم في اي هما بس هيجو لما اموت يورثوني ويقعدو تلات ايام عزا واحتمال ياخدوا العز ويروحو في يومها
صرخ صالح في صدق
بعد الشر يا غالي عنك
همس كارم في اعتراض
شر اي يا صالح دا أنا ميت وهما بعاد عني. يا ريت كنت اتدفنت مع اولادي احسن بدل ما أنا عايش كدا ومحروم منهم
دمعت عين صالح ثم قال
طيب يا بيه ما نجرب أنت وتكلمهم
رفع صالح رأسه في عزة وقال
والله عال أنا كمان لي هتحايل عليهم واقول لهم تعالوا شوفوني يا ولاد. انا مش عارف العيال دول شرايين القسوة منين بالضبط دا حتى عثمان وعباس مكنوش اخوات شقايق بس كان بينهم ود ومحبة كبيرة أوي وكان قلبهم عطوف على بعض وعليا كمان
هتف صالح ليخفف عنه
هيرجعو ليك صدقني مصير كل طير لعشه
لوح كارم بيده في عدم تصديق وقال
تفتكر هيجي يوم و يرجعو ليا
هشوف من جديد وش آسيا وهي بتضحك لي وتقولي عايزة هدوم جديدة يا جدو. ولا طارق وهو بيقول لي عايز حصان خشبي هزاز فاكر زمان يا صالح لما كنت ابعتك تجيب ليهم الحلويات والعصاير و اللعب كمان
تن*د صالح
ايوا فاكر يا بيه دا أنت مفيش حد في حنانك ابدا ولا طيبتك وفرطتت ايدك
نظر له كارم في **ت وهدوء ثم قال
انا هدخل انام روح انت على بيتك يا صالح
ولكن صالح الذي شعر بالقلق على كارم بيه قال في توسل
انا هنام هنا يا بيه خليني جارك الليلة دي
أشاح كارم بيده علامة الموافقة ثم قال
طيب ماشي خليك بس لو حصل لي حاجة نفذ وصيتي
رقد كارم في فراشه وظل صالح كل لحظة وأخرى يتفقده فكر كثير أن يقوم بالاتصال على أحفاده لكنه تراجع هذا الأمر سوف يغضب كارم بك ومن اين به بمعرفة ارقام أحفاده عليه أن يطلب أرقام هواتفهم من كارم بيك حين انبثق النهار اخيرا. وامتلأ المكان بزقزقة العصافير التي تنهض من للبحث عن أعشاشها كان صالح قد قام بأداء صلاة الفجر و قام بالدعاء كثير في صلاته أن يقر عين كارم بيك برؤية ا احفاده هتف صالح وهو يضع صينيه الفطار التي امتلأت عن آخرها بمختلف أصناف الاكل وخبراته من قشطة وعسل نحل ابيض ومربى وجبن وزيتون وفول وبطاطس
فطار الصبح يا بيه. واللي يخسر فطاره
بتر صالح المثل الذي كاد يكمله مما دفع كارم إلى القول
عادي يا صالح انا فعلا حزين
هتف صالح في استنكار وفزع
لا بعد الشر عنك يا بيه من الحزن. دا أنت الفرح كله معاك وحواليك
مضغ كارم بضع لقيمات من العسل ثم قال
انا عايز تتمشى شوية في البلد
هتف صالح في فرحة
وماله يا بيه اراضي البلد ملكك والناس اللي فيها عايشين في عزك حتى البيوت اللي أنت مأجرها للناس ببلاش دي يتمنوا نظرة منك ليهم
اوما كارم برأسه علامة الايجاب ثم قال
انا فعلا محتاج اشوف أي حد أنا غالي عليه نفسي أحس أني لسه عايش هو الدنيا دي أي اللي يغيب ملهوش قيمة والطير اللي يقوى جناحه ويمشي مش بيرجع ليه الاعشاش البيوت باردة والسكوت دا بيفكرني بالموت
همس صالح في خوف
يا بيه دا أنت غالي عند الناس كلها
هز كارم رأسه وقال
مروحتس ليه يا صالح خفت أموت وحدي كنت سبتني أموت يمكن آسيا وطارق يجوا يبصو عليا وأشوف وشهم وانا هناك في الدنيا التانية
هتف صالح وقد شعر بمرار الحسرة تصب في حلقة وتكاد تخنق أنفاسه
خلاص يا بيه خليني اكلمهم أنا سايق عليك النبي وتشوفهم ولو يوم ونفستك تهدى
أبتسم كارم ساخر وتابع
ولما يقولوا لي مش فاضيين أو يقولوا طيب جايين ويخلفوا معاي. لا يا صالح خليهم في دنياهم وحياتهم الظاهر كدا أن العجز مالهوش يد على الشباب
دمعت عين صالح وقال
أنت أبو الشباب كله يا بيه دا أنت السند الدنيا كلها ازاي بقا الكلام دا أقولك حاجة هي بس زهوة الحياة بتخلي الشباب يتوهوا شوية بس أنت ولاد ولادك ولد اصول ومن نبته طيبة والله ليرجعو لك تاني وبكرة تقول صالح قال
هز كارم رأسه وقال
عايز اروح اقعد مع أمام الجامع الشيخ خليل بيقولوا كل يوم بعد صلاة العشاء البلد كلها بتقعد عنده
هتف صالح في حماس
ايوا القعدات دي لسه موجودة. اسم الله على عقلك ولو مش موجودة أنا أمرهم وتتعمل
نظر كارم إلى صالح وقال
وليه نأمر الناس بحاجة بطلوها من زمن
صاح صالح في فرحة
طيب خلاص بلاش تأمر اي رايك يا بيه لو قلت في البلد أن كارم بيه بعافية شوية وحياتك لتلاقي الثرايا دي مافيهاش مكان قدم. يووه يا سعادة البيه هو أنت مش شايف قيمتك في قلب الناس اللي هنا ولا بعادك عنهم وعزلتك خليت شكيت في أهل بلدك الطيبين
أبتسم كارم وقال
لا يا صالح انا مش ناسي أهل بلدي وعزوتي وقوتي كلها هنا أنا بس حاسس اني زي ما أنت قلت بعدت شوية عنهم مش شوية بس دول سنين بعد ما مات ولادي
هتف صالح
ايوا يا بيه وهما احترموا عزلتك دي بس السؤال عنك منقطعش
اي حد وشي يجي في وشه يقولي البيه أخباره اي. كبير البلد عامل اي. وانا بقا اللي برد سامحني يا بيه مخدتش منك أمر أن حد يدخل هنا علشان اقول لهم تعالوا كنت دايم اقول لهم بخير بس عايز يقعد مع نفسه شوية والناس كانت بتفهم الرسالة وبتعرف يعني اي حزن أصل احنا عندنا هنا في البلد كل حزن يا بيه وله شكل فيه ناس تحط حزنها في الشغل وفي ناس تحب اللمة بعد الحزن لتحاول تنسى بيها وفي ناس تنعزل بحزنها يا بية واهل البلد ناس بسطة صحيح بس يفهوا كويس اوي في الأصول ويعرفوا يحترموا خصوصيات كل واحد
ركك أنت على قلوبهم قلوب ناس طيبين لا فيها تكبر ولا غل ولا حقد معلش يا بية يمكن انا اللي كنت في حزنك وحارس عليه. كنت أنا امين على الزنزانة ومش عايز ادي مفتاحها لحد
قال كارم في لهجة صدق
ايوا يا صالح وانت كنت خير رفيق في الايام اللي راحت ووجودك معايا هون على كتير اصل أنت مخلص يا صالح والإخلاص في الزمن دا عملة نادرة اوي علشان كدا انا حابب وجودك هنا
هتف صالح
يا بيه دا أنت الاخلاص كله يا بيه الشرف كله اني اكون جنبك
هز كارم رأسه وتابع
وعيلتك يا كارم. مش عايز تروح اقعد معاهم
هتف صالح
اقعد مع مين يا بيه مراتي نبوية بتجيب لينا الاكل وتطبخ بايدها ما هي عارفة ذوقك وطبعك مش عشرة سنين بقا وترجع تاني ل بيتها والعيال كل واحد فتح له بيت يقعد فيه واتلهى في عياله
وانا لو لفيت يا بيه مش هتلاقي أحسن من قعدتك ولا اجمل من الكلام معاك
هز كارم رأسه فقال صالح في لهجة تحفيزية
كمل أكل يا بيه والله كل حاجة هتكون عال العال يا بيه كانت ستي زمان أوي تقولي اي تقولي الشمس الحلوة اللي طالعة في السما دي طالعة علشان تقولك أنا جيت من جديد والفرح معايا أكيد. يعني طول ما الشمس نورها موجود كل الخير هيعود
كل لقمة يا بيه وأسند بيها قوامك علشان الصعب يعدي و يفر من قدامك
هتف كارم وهو يضحك
هو أنت شفت ستك يا صالح ولا دا مثل بتقوله وخلاص
هتف صالح في فرح وهو يضحك
أيوا يا بيه ستي أمونة لسه عايشة وحياتك يا بيه شفتها وعاشت معايا لحد ما اتجوزت وبعدها راحت عاشت مع أخويا
في السودان كانت دايما تقولي
أحنا معمرين في الأرض علشان نصلح وأنا اللي سميت ك صالح علشان تفضل طول عمرك تصلح وتنفع في الأرض ومتكونش في يوم أبدا ضار أو طالح
هز كارم رأسه في استسلام
ماشي يا صالح ناكل لقمة أسند بها جسمي علشان مجلس الليل مع أهل البلد
نظر كارم إلى صالح لحظات دون كلام فقال صالح في تساؤل
خير يا بيه في اي بتفكر في اي
أغمض كارم عيناه دقيقة ثم قال
انا مشتاق ليهم أوي يا صالح نفسي اشوف طارق وآسيا.